رسالة إلى الدكتور إياد القنيبي ومن هو على نهجه

هذا نص رسالة أرسلها أحد أصدقائنا ممن يختلف معنا ونختلف معه رغم ما يجمعنا من مودّة، وطلب نشرها دون اسمه، ورغم عدم قناعتنا بخطاب هؤلاء فإننا لا نملك إلّا أن نجيبه إلى ما طلب، مع التحفّظ على فكرة مخاطبة ناشري خطاب المظلوميّة كلّه:

“سلام الله عليكم إخوتي في الله،

أكاتبكم اليوم بشأن ما تنشرونه حاليًّا ممّا تظنّونه دفاعًا عن الدين الإسلاميّ، وأراه أمرًا يجب الحذر فيه ومنه؛ فهذا رأيي الصريح أسوقه إليكم قبل بيان أسبابه ودواعيه. وقد شاع أن يخاطب المرء أحد أعلام اتّجاهٍ ما على الملأ وهو يضمر إحراجه أمام الجمهور، لكنّني أتوجه إليكم بنيّة صادقة لا تشوبها هذه الغاية؛ أخاطبكم أنتم الذين تكتبون وتصوّرون ما تنشرونه، وأرجو منكم أوّلًا وآخرًا أن تعذروني على الإطالة.

لا بدّ في البداية من توضيح أنّ شكل أيّ دولة في العالم اليوم يتشكّل ضمن سياق الدول الأخرى؛ فما يُسمّى اليوم “الدولة القوميّة” —وإن لم تكن قوميّة بالمعنى الحرفيّ— هو أداة إداريّة أثبتت فاعليّتها في التفوّق على أنماط الإدارة القديمة. فالدول الاستعماريّة لم تهزم الدولة العثمانيّة في أطوارها الأخيرة بسبب الفارق التقنيّ والعسكريّ وحده، وإنّما جاء انتصارها محمولًا على فارق إداريّ وتنظيميّ حاسم.

ولو سلك الفاروق عمر رضي الله عنه مسلك كثيرٍ من دعاة العودة إلى الماضي اليوم، وتمسّك بحذافير ما كان سائدًا في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم في شؤون الإدارة، لَمَا قَبِلَ إدخال نظام الدواوين إلى الدولة الإسلاميّة الناشئة؛ وحينها لا أظنّ أنّ تلك الدولة كانت لتستقرّ أصلًا أو تصنع تاريخًا، فكلّ أمرٍ معلّق بأسبابه الحقيقيّة وسننه الفاعلة، لا بنوايانا ودوافعنا مجرّدةً عند الإقبال عليه أو رفضه.

وعلى هذا القياس، فإنّ كلّ محاولة معاصرة لإنشاء دولة تستنسخ الأشكال الإجرائيّة للقرون الأولى بحذافيرها قد باءت بالفشل؛ وسبب فشلها لا يعود إلى حرب الآخرين عليها فحسب —فكلّ دولة ناشئة في التاريخ حاربت غيرها وحوربت—، وإنّما يعود إلى انتزاعها من سياق تاريخيّ مغاير تمامًا لعصرنا. ولذلك، فإنّ الخطاب القديم لا بدّ أن يمرّ عبر عدسة العصر ليظهر غرضه الشريف ومقصده الكلّيّ، دون أن يلتبس بحمولةٍ تاريخيّةٍ عفا عليها الزمن، فباتت تعيق المقاصد أكثر ممّا تعين عليها.

ومن هنا، فإنّني لا أظلمكم إذ أقول إنّ كلمة “ذمّيّ” التي تردّدونها اليوم تصلح في سياقٍ واحد فقط: تذكير المتطرّف بأنّ دينه كان يتّسع للآخر ويحميه؛ فهي حجّة تُوجَّه للمسلم الحبيس في صورة الماضي التي رسمها في ذهنه —بغضّ النظر عن دقّة خياله تاريخيًّا—، لكنّها لا تصلح البتّة لمخاطبة المواطن غير المسلم من أبناء هذا البلد، كما لا تصلح لمخاطبة المسلم المعاصر الذي يعيش واقع المواطنة في دولة حديثة.

لقد كان الأحرى بكم أن تعلنوا براءةً صريحةً من الأفعال المتطرّفة، دون أن تضعوا ثقلكم في إرساء علاقة وصايةٍ واستعلاءٍ على شريككم في الوطن ممّن لا يشارككم دينكم. ما المرعب في صيغةٍ واضحة تقول: “أبرأ إلى الله وأمام خلقه من هذا الفعل الإجراميّ”؟ وما العيب في هذا الموقف المجرد؟ أم أنّكم تستشعرون حاجةً ماسّةً إلى تغليف هذه البراءة بتبريرٍ دينيّ وتفصيلٍ فقهيّ قديم حذرًا من أتباعكم، ممّن تعلمون أنّهم سينكرون عليكم براءتكم الخالصة لو أعلنتموها دون قيد؟

إنّ هذا التردّد في إعلان البراءة الخالصة، واللجوء بدلًا منه إلى استدعاء خطاب “الذمّيّ”، هو نفسه ما يمنح الدولة شرعيّةً كاملةً حين تضطلع بمسؤوليّاتها في فحص الأسباب التي جعلت الخطاب المتطرّف ينطلي على النّاس؛ وهو فحصٌ قد يشمل خطاب كثيرٍ منكم. وإنّني أراكم —حقيقةً— من الغلاة الذين يغفلون عن حدود مقاصد الرسالة وحدود ممكنات الزمان؛ ولذلك فالمتوقّع من الدولة أن تعيد النظر في المناهج والمساجد ومراكز التحفيظ وغيرها، مدفوعةً بسؤالٍ واحدٍ مشروع: ما الذي جعل هذا الفكر الدخيل ينطلي على مسلمين جاوروا إخوتهم المسيحيّين منذ فجر التاريخ، يجمعهم عرفٌ واحد وخلقٌ واحد، ويعيشون تحت سقف دولةٍ واحدة منذ قرابة مئة عام؟

أمّا حكم “الذمّيّ” فقد انتهى زمنه شرعًا وواقعًا منذ أن بات العربيّ المسيحيّ جنديًّا يقف في الخندق نفسه، ويقاتل جنبًا إلى جنب مع أخيه العربيّ المسلم دفاعًا عن الأرض؛ فانتفت بذلك علّة الجزية، وحلّ عقدٌ اجتماعيّ شرعيّ جديد محلّ عقدٍ اجتماعيّ شرعيّ مضى زمنه وانقضت شروطه.

وأمّا استغلالكم للكلمات التي قالها وزير الداخليّة، وتوظيفها لتصوّروا للمسلمين أنّ دينهم يتعرّض للهجوم، فهذا في جوهره هو لبّ خطاب “داعش” والركيزة التي يقتات عليها؛ إذ لا يملك ذلك التنظيم خطابًا آخر يستقطب به النّاس سوى إيهامهم بأنّ الإسلام مستهدف. نعم، لقد خرج من بيننا كثيرٌ من المتطرّفين ومغسولي الأدمغة الذين عجزوا عن فهم شروط الزمان الجديد والتأقلم معها، فراحوا يلهثون وراء كلّ من يَعِدُهم باستعادة الماضي المتخيّل، من أفغانستان إلى العراق ثمّ سوريا، وهذا أمرٌ لم يعد سرًّا على أحد.

ولا أخفيكم في الختام أنّني أدلي بما أراه حقًّا، وإن كنتُ لا أظنّكم ستقرؤونه كما هو؛ إذ أرجّح أنّكم ستفتّشون عن الثغرات في كلامي لتُعدّوا لها الردود المناسبة. وهذا نابعٌ من سوء ظنٍّ حقيقيّ بي يطال كلّ من يعتلي المنبر الدعويّ؛ فأنا لا أكاد أصدّق أنّ مسلمًا يخاف الله يخاطب النّاس طالبًا منهم اتّباعه في مسألةٍ ما، إلّا وقد أكل الكِبْرُ تقواه، وملأ قلبه باليقين الكاذب بأنّ الحقّ المطلق محصورٌ في ما اعتنقه من فكر. ومع هذا الظنّ كلّه، فقد سرتُ معكم هذا الميل وكتبتُ ما كتبت، مدفوعًا بشكٍّ ضئيلٍ في نفسي لعلّ أحدًا منكم يتّقي الله قليلًا فيراجع نفسه.”

انتهت الرسالة، أمّا تحفّظنا فهو ليس على ما جاء فيها، ولكن على مخاطبة هؤلاء، فهم لا يسمعون إلا بالإفحام المتكرّر وأن يروا الناس ينفضّون من حولهم فعلا، وإذا لم يحدث هذا فهم يسارعون إلى الهجوم، واستغلال أي ثغرة تركت في النص ليملأها العقل الواعي، لتكون سببا لإسقاط الخطاب من جذره.