لا أحد يبدأ بالسؤال عن إيمانه وهو هادئ. السؤال يأتي متأخراً، بعد أن يكون الشيء قد حدث بالفعل، فيقف الواحد منّا أمام يقينه كمن يقف أمام بيت وجد نفسه ساكناً فيه ولا يتذكر متى انتقل إليه. ثم يسأل: لماذا أعتقد هذا؟ والجواب الذي يأتي جاهزاً — تأملت، وزنت، اقتنعت — جواب مصقول أكثر مما ينبغي. هو جواب مكتوب بعد الحادثة، لا أثناءها.
كنت أظن أن المشكلة في نوعية الأدلة. الآن أظن أن المشكلة في الصورة التي نرسمها لأنفسنا عن كيفية حدوث الاعتقاد. نتخيّل شيئاً كالبرنامج: شرط، فحص، نتيجة. سطر يفضي إلى سطر. لكن لا أحد يستطيع أن يستعيد السطور. اسأل مؤمناً عن اللحظة التي اقتنع فيها، سيصف لك مناخاً، بيتاً، أباً، خوفاً في الثامنة من عمره، صوت قارئ في مذياع. سيصف لك وسطاً، لا استدلالاً.
في نظرية الحوسبة هناك فرق يبدو تقنياً وهو في الحقيقة فرق في الميتافيزيقا. هناك نظام ينفّذ خطوات، وهناك نظام يستقر. الثاني لا يحسب شيئاً بالمعنى المألوف: آلاف الوحدات تتجاذب وتتنافر في اللحظة نفسها، والناتج ليس قراراً يصدر، بل هبوط. كرة على سطح متعرّج تسكن في الحفرة الأقرب، وشكل السطح هو الذي كتب مصيرها قبل أن تُرمى. أضع الإيمان هنا. لا لأنه أقل شرفاً من الاستدلال، بل لأن هذا هو ما يشبه وصف الناس لتجربتهم حين يتوقفون عن محاولة التسويغ.
ويمكن كتابة هذا بمعادلة. كتبتها حسب فهمي لديناميكية النفس البشرية بطريقة حدسية بعد محاولة نقاش كل الأبعاد:

ولا أهتم كثيراً بالرموز. ما يهم أنها معادلة توازن، لا تعليمات. تُقرأ كوصف لنقطة تسكن عندها كل القوى معاً. والنظام حين يُشغَّل من جديد لا يبدأ من الصفر — يستأنف. هذه الكلمة، يستأنف، هي كل شيء.
الخوف هناك. وقراءة الأنماط هناك، ذلك العصب الذي يرى وجهاً في مقبس الكهرباء ويرى قصداً في تزامن حادثتين. لكنهما لا يشتغلان في الهواء: يمرّان عبر فجوة المجهول. اتسعت الفجوة، تضخّم أثرهما. ضاقت، خفّ. لهذا يعمل العلم في هذه المعادلة لا بإقامة حجة مضادة، بل بتقليص المساحة التي كان الخوف يتنفس فيها.
ثم الآخرون. متوسط يقين من حولك يدخل في يقينك بوزن لا يعترف به أحد. عقدة واحدة في شبكة لا تحتاج أن تفكر كي تتزامن؛ يكفي أن تراقب جاراتها. مدينة كاملة تصل إلى تجانس لا يحمل أحد فيها دافعاً شخصياً حقيقياً إليه. هذا مقلق أكثر من أي حجة إلحادية.
والحب يقف خارج البوابة. التعلق بالجمال، الحاجة إلى معنى — هذه لا تتغذى على الجهل، تنمو مع المعرفة أو ضدها أو بلا علاقة بها. وضعتها خارج الضرب بالمجهول عن قصد، ثم ترددت، ثم تركتها. لأنني لا أعرف كيف أشرح أن رجلاً يعرف تماماً كيف تتشكل الأعصاب البصرية ويبكي مع ذلك أمام موسيقى.
وهناك السقف. دالة الظل الزائدي تمنع النظام من الانفجار، وتترجم بشرياً إلى حد فسيولوجي لا يجتازه شعور. مهما اشتد المؤثر، هناك قدر من اليقين لا يستطيع جسد بشري أن يحمل أكثر منه. الحرارة العالية تجعل النظام يتذبذب ولا يسكن؛ المنخفضة تجعله يسكن سريعاً ويصعب زحزحته. وهذه الحرارة ليست خياراً، إنها الطفولة.
الآن الجزء الذي جعلني أعيد التفكير في كل ما قبله.
لو كان الأمر أسباباً وحساباً، لكان إسقاط السبب كافياً لإسقاط النتيجة. يزول الخوف، تضيق الفجوة، فينحلّ اليقين. لا يحدث هذا. من غيّر قناعاته يظل سنوات يحمل لغة القناعة القديمة: يقول “الحمد لله” بلا قصد، يشعر بالذنب في مواضع لم يبق فيها ما يوجب الذنب، يخاف في الظلام خوفاً موروثاً من عقيدة لم يعد يحملها. الطبقة اللغوية ليست قشرة. إنها حالة محفوظة في البنية. النظام بذاكرة، والذاكرة تعمل بعد انقطاع مصدرها.
وهذا يعني أن التفكيك لا يحدث بالطرح. يحدث بدفع معاكس. وهو ما لا يريد أحد الاعتراف به لأنه يجعل عملية “التحرر” تشبه في آليتها عملية التلقين.
ثم الشك. كنت أتخيله في البداية حَكَماً: خارج الشبكة، محايداً، يحاسبها. ثم طبّقت عليه المنطق نفسه فسقط الوهم كله. للشك جماعته، وحرارته، وسقفه، وحاجته إلى انتماء. المتحرر من جماعة يبحث فوراً عن جماعة تصدّق تحرره. الشك شبكة أخرى تعمل بالآلية نفسها في الاتجاه المضاد. تنتهي هنا الثنائية المريحة بين عقل مطلق وعاطفة عمياء — كلاهما هبوط في حفرة، والفرق في موقع الحفرة لا في طبيعة الهبوط.
ومع ذلك أكتب هذا وأنا أعرف أنه لا يصح تماماً. ليست كل مراجعة عقلية وهماً. هناك لحظات يغيّر فيها إنسان رأيه ضد مصلحته وضد جماعته وضد راحته، ولا أجد في المعادلة موضعاً يشرحها. أتركها.
حين يرتفع الشك بسرعة تهدد الاستقرار، يزداد النظام شهية لالتقاط الأنماط، أي إشارة، أي رؤيا، أي تزامن، لترميم ما تصدّع. وإذا كانت الحساسية مفرطة، لا يأتي التصحيح تدريجياً بل كتذبذب عنيف. هذا هو الرجل الذي كان قبل سنة في أقصى التزمّت وصار اليوم في أقصى الإنكار، بالحدّة نفسها والنبرة نفسها. الشخص لم يتغير. تغيّرت إشارة المعادلة.
يبقى السؤال الذي لا تصلح هذه الأدوات للاقتراب منه: هل الله موجود؟ لا أعرف، ولا تعرف أي معادلة نفسية، ولن تعرف. لكن هناك سؤال آخر يمكن العمل عليه: ما الذي تنتجه شبكة عواطف بعينها، بتاريخها وبيئتها وخوفها، حين تصل إلى أعلى نقطة استقرار متاحة لها؟
وهنا أقول شيئاً أخشى أن يُفهم على غير وجهه: “الله” في هذا الوصف — الوصف فقط، لا في الوجود — هو اسم الحالة النهائية. تسمية يمنحها الوعي لسكونٍ حدث تحته. لهذا يختلف تصور الإله اختلافاً هائلاً بين شخصين يستخدمان الكلمة نفسها ويظنان أنهما يتحدثان عن شيء واحد. أحدهما استقر على رحمة، والآخر على محاسب. المعادلة واحدة، قيم المدخلات مختلفة.
الدرس، إن كان هناك درس، لا يخص صحة المعتقدات. يخص ما نظنه يحدث فينا حين نشعر بأننا موقنون. أنت لا تفكر بالقدر الذي تتخيل. أنت تستقر، ثم يأتي الوعي متأخراً ليكتب للهبوط قصة تبدو كأنها سببه.
وهذا لا ينفي أن الحب في المعادلة قد يكون صادقاً بذاته، عميقاً، غير قابل للاختزال في حدّ رياضي. قد يكون. السؤال الذي أخرج به ليس “هل ما أؤمن به صحيح” — هذا سؤال كبير جداً وبعيد جداً — بل: أي جزء من يقيني جاء من تفكير فعلي، وأي جزء منه هو الشكل الذي كانت شبكتي ستستقر عليه أياً كان الدليل المعروض عليها؟
ولا أعرف كيف أقيس النسبة.
إليك تفصيل شرح المعادلة:
المعادلة ترسم خريطة القوى التي تشد الإنسان قبل أن يستقر في يقينه النهائي حول الإله (G). المحصلة هنا تمثل كسراً رياضياً تتقاطع فيه الانفعالات مع الحدود البيولوجية والاجتماعية.
دالة الظل الزائدي (tanh) تمثل السقف الفسيولوجي المانع لانهيار الجسد. الدماغ البشري يمتلك سعة محددة لاحتمال القلق أو النشوة، وهذه الدالة تجبر المحصلة النهائية على البقاء ضمن نطاق يمكن احتماله. الانفعالات تتسطح وتفقد حدتها القصوى حين تقترب من نقطة الانفجار.
في البسط تتجمع القوى الدافعة. المجهول (U) يعمل كمضخم لغريزتين أساسيتين: الخوف (F) ومحاولة قراءة الأنماط أو ربط الأحداث ببعضها (P). كلما اتسعت مساحة المجهول، تضخم أثر الخوف والبحث عن أي نمط للنجاة. تقليص قيمة المجهول يجرد الخوف من مساحته التضخمية.
خارج قوس المجهول، يقف الحب والتعلق بالمعنى (L). هذا التموضع الرياضي يحميهما من الارتباط بالجهل. هما قوى قائمة بذاتها، وتستمر في التأثير حتى لو صارت قيمة المجهول صفراً. وفي الاتجاه المعاكس، يبرز الشك (D) كقوة سالبة تسحب النظام نحو التفكيك.
الجزء الأثقل في البسط هو الجاذبية الاجتماعية. متوسط يقين الجماعة المحيطة (G) يضرب في قوة ارتباط الفرد بها (J). ثقل المحيط يتسرب إلى المحصلة ويوجه الفرد للتزامن مع شبكته بصمت تام، ليرجح كفة الاعتقاد أو الإنكار بمجرد المراقبة.
كل هذه القوى العلوية تُقسم على درجة حرارة النظام (T). الحرارة تمثل التأسيس النفسي المبكر والطفولة. المقام الكبير يعكس حرارة مرتفعة تجعل النظام مضطرباً ومتململاً، حيث تُقسم كل القوى على رقم كبير وتفقد قدرتها على تثبيت الفرد في قناعة واحدة. المقام الصغير يعكس بيئة جامدة، تجعل النظام يبرد ويتصلب سريعاً عند أول مؤثر، ليصنع قناعة صلبة يصعب جداً إعادة تفكيكها.
