يوم فقدنا الطلبة وأتينا بالتلاميذ!

في اللغة العربيَّة، من يتعلَّم يُسمَّى طالبًا. والطلب فعلٌ يصدر عن صاحب حاجة، عن شخص فيه شيء ناقص يعرفه ويريد أن يملأه. هذا ليس فرقًا لغويًّا عابرًا، هو في جوهره فرقٌ في توزيع المبادرة: من يحمل الدافع، ومن يملك السؤال، ومن الّذي جاء يريد شيئًا. حين تُسمِّي التعليم بهذه الكلمة فأنت تبني نظامًا بأكمله على افتراض أنَّ في الإنسان جوعًا سابقًا للمعلِّم، وأنَّ مهمَّة المعلِّم أن يُطعم لا أن يُجبر على الأكل.


في المقابل، كلمة student جاءت من اللاتينيَّة studere، وتعني التفرُّغ والاجتهاد، وهي في أصلها كلمة لائقة. وحين تُقلِّب تاريخ الجامعة الأوروبيَّة الوسيطة لن تجد صورة أحاديَّة، فطلبة بولونيا في القرن الثاني عشر كانوا ينظِّمون أنفسهم في نقابات ويُفاوضون الأساتذة على شروط التعليم، وكانت الأسئلة اللاهوتيَّة تُطرح وتُناقش بحرارة تحت سقف الكنيسة نفسها.

لكنَّ البنية الأعمق لهذا التعليم، بصرف النظر عن حرارة النقاش الداخليِّ، كانت تفترض أنَّ المحتوى سابق على الإنسان، وأنَّ الحقيقة محدَّدة المعالم ينبغي نقلها لا استكشافها. الجدل كان مسموحًا به في الأسلوب، لكنَّ الوجهة كانت مقرَّرة في البنية.

وحين استوردت الدول بنية المدرسة الحديثة من أوروبا، استوردت هذه البنية العميقة أكثر ممَّا استوردت روح نقابات بولونيا. استوردت القفص وأطلقت فيه طيرًا لم يتشكَّل في هذا الجوِّ، ثمَّ تعجَّبت لماذا لا يُغنِّي.


كان التعليم في الثقافة العربيَّة يجري في شكل حلقة: معلِّم يجلس ومن حوله من وجدوا في أنفسهم كفاءة للجلوس. لا سنَّ محدَّدة، لا ساعة إلزاميَّة، لا جدول يُطبع في بداية العام. من يأتي عشر مرَّات للكتاب نفسه لم يكن يُعيد الفصل الدراسيَّ كالراسب، بل كان يُعمِّق علاقته بنصٍّ لم ينته منه بعد.

لكنَّ هذه الصورة تحتاج وضوحًا: الحلقة لم تكن جنَّةً بلا ظلال، كانت مرتبطة بامتياز وصول تاريخيٍّ محدَّد. من كان يجد في نفسه الكفاءة للجلوس كان في الغالب من يملك وقت الفراغ والسلامة الاجتماعيَّة، وهذا في الأعمِّ الأغلب يعني الذكور من طبقات المدن. من أُقصي من الحلقة لم يُقصَ بمرسوم، بل بصمت البنية الّتي لم تُشكَّل لاستقباله. والمؤسَّسة الحديثة بكلِّ ما تحمله من آليات وامتحانات وجداول، فتحت أبوابًا ظلَّت موصدة لقرون. هذا إنجاز لا يُحتقر حين تُقيَّم الصورة بأمانة.


ومع ذلك، ما أنتجه نظام الحلقة لمن استطاع الدخول إليه هو شيء لا تستطيع المؤسَّسة الحديثة تصنيعه بسهولة. الإجازة حين تأتي لا تقول أنهيت الساعات المطلوبة، بل يقول المعلِّم: أنا أعرف هذا الإنسان وكيف يفكِّر وأثق بنقله لما تلقَّاه. الإجازة شهادة علاقة لا وثيقة إداريَّة. وهذا يشبه الفرق بين من يُوثِّق أنَّ الطبيب درس الطب وبين من يُوثِّق أنَّه يثق بهذا الطبيب ليعالج ابنه. الفرق بين المستندين ليس في القيمة القانونيَّة، بل في طبيعة المعرفة الّتي يُعبِّر عنها كلٌّ منهما.


ما يُتيحه هذا النموذج، بصرف النظر عن قيوده التاريخيَّة، هو أنَّ الاختبار لم يكن حدثًا محدَّدًا في التقويم. لم يكن ثمَّة تأريخ يعرفه الطالب مسبقًا يصير فيه كلُّ شيء ما قبله تحضيرًا وكلُّ شيء ما بعده نسيانًا مُرخَّصًا. الاختبار كان منثورًا في كلِّ حلقة: في السؤال الّذي يطرحه الشيخ فجأة، في النقاش الّذي يُعيد فيه الطالب صياغة ما فهمه، في الإجازة الّتي تأتي حين يرى المعلِّم في عيني طالبه أنَّه صار يحمل ما كان يحمله هو. حين لا يكون الامتحان حدثًا زمنيًّا يمكن الاستعداد له والتحايل عليه، يصير الفهم هو الطريق الوحيد.


والآن، بعد قرون من هذا كلِّه، يصرخ الناس أنَّ الذكاء الاصطناعيَّ أفسد التعليم. لكنَّ الذكاء الاصطناعيَّ لم يفسد شيئًا لم يكن فاسدًا. ما فعله هو أنَّه جعل تجاهل فساده مُكلِفًا للمرَّة الأولى. قبله كان الغشُّ موجودًا، والحفظ بلا فهم موجودًا، والشهادة الّتي لا تعكس المعرفة موجودة. لكنَّ هذه كانت تكاليف يمكن احتمالها لأنَّها تتطلَّب جهدًا من الطالب. حين جاء الذكاء الاصطناعيُّ وأسقط تكلفة الإنتاج الزائف إلى شبه الصفر، صار النظام يواجه نفسه في المرآة بلا رحمة.


المعلِّم الّذي يسأل كيف أمنع الطالب من استخدام الذكاء الاصطناعيِّ يعترف ضمنيًّا بأنَّ مهمَّته قابلة للتفويض لآلة. وهذا ليس إدانة للمعلِّم بل كشف عن بنية كاملة بنت نفسها على قياس الإنتاج لا التفكير، وقياس الاسترجاع لا الفهم. والذكاء الاصطناعيُّ يسترجع ببراعة لا تُنافَس ويُنتج بسرعة لا تُضاهى. حين تبني نظامًا يكافئ الاسترجاع والإنتاج، فأنت تبني نظامًا يصير فيه الذكاء الاصطناعيُّ أفضل طالب في الصفِّ.


لكن ثمَّة سؤال أعمق ممَّا يطرحه المعلِّمون عادةً: لماذا يغشُّ الطالب أصلًا. ليس لأنَّه كسول بالضرورة، ولا لأنَّه أخلاقيًّا منحلٌّ، بل لأنَّ العقد الّذي أمامه مكسور منذ البداية. المؤسَّسة تطلب وثيقة، والطالب يُسلِّم وثيقة، وكلاهما يعرف أنَّ هذه المعاملة تتعلَّق بشهادة لا بتعلُّم. الطالب الّذي يغشُّ لا يخون المعرفة، بل يؤدِّي العقد الحقيقيَّ بكفاءة أعلى من المتوقَّع. هو فهم اللعبة أفضل ممَّن يشكون منه.


في الوقت الّذي يهرب فيه الطلبة من محاضراتهم، يجلس الملايين ساعات يشاهدون فيديوهات هي في جوهرها محاضرات: فيرتاسيوم، فيسوس، كورنيغراسيا، كلُّها شخص يشرح مفهومًا صعبًا. لكنَّها تجذب ما لا تجذبه القاعة. والسبب ليس في جودة الإنتاج فحسب، ولا في خفَّة الطرح، بل في شيء أدقَّ.


ديريك مولر، صاحب فيرتاسيوم، كانت رسالته للدكتوراة في هذا السؤال نفسه: لماذا الفيديوهات التعليميَّة الواضحة لا تُعلِّم. واكتشف شيئًا مضادًّا للحدس: الفيديو الّذي يبدأ بسؤال يُربك المشاهد ويجعله يشعر بعدم اليقين يُعلِّم أفضل من الفيديو الّذي يُقدِّم الإجابة منظَّمةً ومرتَّبةً. الإرباك المقصود، اللحظة الّتي تشعر فيها أنَّك كنت مخطئًا في شيء كنت تظنُّه صحيحًا، هذه اللحظة هي الّتي تفتح الدماغ. الدماغ الّذي يشعر بأنَّه يعرف يُغلق أبوابه، والدماغ الّذي يشعر أنَّ فيه فجوة يبدأ في البحث عنها.


وهذا ما تقوله أبحاث علم الأعصاب أيضًا: الفضول يُنشِّط نظام المكافأة في الدماغ بالطريقة نفسها الّتي تُنشِّطه المكافآت الخارجيَّة، والأغرب أنَّ الشخص في حالة الفضول يتعلَّم بشكل أفضل حتَّى المعلومات الّتي لا علاقة لها بموضوع فضوله. ما يُثير الفضول بعمق هو منطقة اللاتأكُّد: ليس الجهل التامَّ ولا المعرفة التامَّة، بل تلك المساحة الوسطى الّتي تشعر فيها أنَّ معرفتك ناقصة وأنَّ الناقص في متناول يدك لو مددت يدك بما يكفي.


لكن هنا يجب أن نتوقَّف عند سؤال لا تطرحه معظم النقاشات: هل المشكلة في طريقة سرد المحاضرة، أم في الإطار النفسيِّ الّذي يجلس فيه الطالب حين يسمعها؟ الطالب الّذي يجلس في القاعة يعرف أنَّ امتحانًا ينتظره بعد ثلاثة أسابيع. هذه المعلومة وحدها تُغيِّر كيمياء الاستماع. دماغه لم يعد في وضع الفضول بل في وضع الإنجاز. والفضول والإنجاز آليَّتان مختلفتان: الأولى تسأل والثانية تُجمِّع. من يشاهد فيرتاسيوم يشاهده بلا امتحان في الأفق، وهذا يُحرِّر الدماغ لأن يتساءل. حين تُلزم الاختيار يتبدَّد شيء ما، مثلما يحدث حين تجعل شخصًا يكتب يوميًّا بالإلزام: الكتابة تظلُّ لكنَّ شيئًا في البهجة يتغيَّر.


ما يُتيحه الذكاء الاصطناعيُّ اليوم، حين يُوظَّف بوصفه أداةً وليس بديلًا، هو أن يُصمَّم مسار تعليميٌّ يبدأ من الطالب بوصفه طالبًا بالمعنى الأصيل. يُسأل أوَّلًا ماذا يريد أن يفهم، وما الّذي يُربكه، وأين يشعر بأنَّ معرفته ناقصة. ثمَّ يُبنى له طريق لا يُسلِّم الإجابات بل يُثير اللاتأكُّد خطوة بخطوة. لا محاضرة مُحسَّنة السرد، بل تجربة يشعر فيها الطالب أنَّه يكتشف لا أنَّه يتلقَّى. الفرق بين هذين الشعورين هو الفرق بين من يمشي في مدينة يحفظ خريطتها ومن يمشي في مدينة يكتشفها وهو يمشي: المسافة واحدة، والمعالم ربَّما هي نفسها، لكنَّ الذاكرة مختلفة تمامًا.


لكن ثمَّة شيء لا يستطيع الذكاء الاصطناعيُّ فعله في هذا النموذج: منح الإجازة. لأنَّ الإجازة في جوهرها اعتراف وليست معلومة، والاعتراف يحتاج كيانًا يرى كيانًا آخر. ما يستطيع الذكاء الاصطناعيُّ فعله هو أن يكون الحلقة: أن يطرح السؤال، أن يُثير اللاتأكُّد، أن يُجيب حين تُجيب خطأً بسؤال آخر لا بتصحيح. لكنَّ اللحظة الّتي يقول فيها شخص يعرفك: “أنا أثق بك”، هذه لا تزال تحتاج إنسانًا. وربَّما هذا ما ظلَّ صامدًا في كلِّ نموذج تعليميٍّ حقيقيٍّ عبر التاريخ: أنَّ في أعماق كلِّ عمليَّة تعلُّم علاقةً لا يمكن أتمتتها.


لكنَّ المعضلة الحقيقيَّة ليست تقنيَّةً ولا بيداغوجيَّةً، بل هي سياسيَّة بمعنى واسع. كلُّ هذه الحلول تفترض شيئًا واحدًا لا يُقال صراحةً: أن يُعطى الطالب حقَّ المشاركة في تعريف ما يتعلَّمه. وهذا يعني إعادة توزيع السلطة المعرفيَّة داخل المؤسَّسة. غير أنَّ ثمَّة إشكالًا أعمق يُخفيه هذا الطرح: الطالب الّذي يعرف ما يريد أن يتعلَّمه هو نفسه نتاج سياق، لا ظاهرة طبيعيَّة. من لم تُتَح له البيئة الّتي تُولِّد الأسئلة أصلًا لن يستطيع أن يُشارك في تعريف مساره.


وهذا هو التحدِّي الأصعب الّذي يواجهه أيُّ إصلاح تعليميٍّ جادٍّ: ليس فقط أن يُطعم الجائع، ولا أن ينتظر الجوع الطبيعيَّ، بل أن يُنتج الجوع نفسه في من لم يعرف بعد أنَّه جائع. وهذه مهمَّة لا تستطيع حلقةٌ أن تضطلع بها وحدها، ولا يستطيع ذكاء اصطناعيٌّ أن يؤدِّيها، ولا تستطيع مؤسَّسة أن تتملَّص منها.


والمؤسَّسة، كأيِّ نظام له مصالح، لا تتغيَّر لأنَّ حجَّة جيِّدةً طُرحت، بل حين يصير بقاؤها على حالها مُكلِفًا أكثر من التغيير. ولعلَّ الذكاء الاصطناعيَّ، بصرف النظر عن كلِّ القلق الّذي يُثيره، يفعل تحديدًا هذا: يجعل الاستمرار في النموذج القديم مُكلِفًا بما يكفي لكي يصير التغيير ممكنًا.


ثمَّة من لم يُعطَ فرصة أن يعرف لماذا يجيء. ومن لا يعرف لماذا يجيء لا يمكن أن تنوب عنه الآلة، لأنَّه لم يصل بعد إلى النقطة الّتي يُمكن أن تُسرق منه فيها. لكنَّ الأخطر أنَّ هذا الإنسان لا يُوصف عادةً بأنَّه محروم من التعليم — هو يحضر، يجلس، يجتاز الامتحانات، وربَّما يتخرَّج. ومع ذلك لم تحدث فيه اللحظة الّتي يشعر فيها أنَّ فيه ناقصًا يستحقُّ أن يُملأ.


ومهمَّة التعليم الأصيلة، على اتِّساع هذا الجدل، هي أن توصله إلى تلك النقطة — لا أن تُدير دورة حياة وثيقة. لأنَّ الوثيقة تُنسخ، والمعرفة تُستعار، والذكاء الاصطناعيُّ يُنتج. لكنَّ الشخص الّذي اكتشف أنَّ فيه جوعًا حقيقيًّا لا يحتاج أحدًا يُقنعه بالأكل. وهذا في نهاية الأمر هو ما يعنيه الطلب: لا أن تأخذ شيئًا جاهزًا، بل أن تسعى نحو شيء لا يكتمل إلَّا بمجيئك أنت.