الذكاء الاصطناعي محكوم بالغباء الطبيعي

نعم محكوم بالغباء لا لأنه قوة سلبية بالضرورة، بل لأنه يشتغل داخل أفق الإنسان الذي صنعه واستخدمه. الذكاء الاصطناعي اليوم بارع في التقاط ما يتكرر ويشتهر ويتوافق عليه، أكثر مما هو بارع في اقتراح ما هو أعمق أو أصدق أو أشد صرامة معرفية. النموذج منظومة احتمالات تتغذى من مكافآت بشرية متراكمة، فيتحول مع الوقت إلى مرآة مصقولة لذائقة متوسطة، لا إلى بوصلة مستقلة تقود إلى اختبار الواقع أو تفكيك المسلمات.


حين يخضع النموذج لملايين الإشارات القادمة من البشر، يأخذ ما يسمّى “التفضيل البشري” هيئة متوسط واسع، لا خلاصة أنضج ما في الإنسان من حكمة وخبرة. الذي يتصدر في هذا المتوسط ليس الأكثر عمقاً، بل الأكثر حضوراً وسهولة وتسويقاً. النموذج يتعلم أن يتجاوب مع هذه الأغلبية التي تملك المنصات والموارد، فيعيد إنتاج رؤيتها للعالم ضمن لغة هادئة ومحايدة ظاهرياً. في الخلفية، تعمل قوانين ومخاوف وخبرات مركزية في الغرب بوصفها الإطار الذي يحدد ما يبدو طبيعياً ومعقولاً ومقبولاً.


بهذا المعنى، يستهلك معظم الناس مخرجات الذكاء الاصطناعي كما يستهلكون سلعة مريحة، لا كمن يصارع أداة فكرية. يستمتعون بالنصوص السلسة التي تخفف عنهم مشقة التفكير، بينما يتراكم عليهم ضرر بطيء يتمثل في ضمور القدرة على الفحص والنقد. في المقابل، يقف القليل الجادون في موقع مختلف، يتعاملون مع الأداة كشيء ينبغي معاملته بحذر، يحاولون جرّها إلى مساحة الأسئلة لا مساحة الإرضاء.

هؤلاء يتعلمون كيف يضعون مقاومة في وجه ميل النموذج إلى المجاملة، وكيف يطلبون منه ما لا يعجبه ولا يطمئنه. وبجانبهم يظهر مستخدم آخر، يستقبل هذا “التأييد الذكي” كنوع من المخدر الناعم، فيجد أمامه نسخة من ذاته مصاغة بلغة أنيقة، لكنها شحيحة من حيث العمق، مسالمة مع الواقع أكثر مما ينبغي. هكذا تتشكل صورة مقلوبة لأداة تبدو ذكية في مظهرها، بينما هي في الجوهر مضخّم لانحيازات البشر الذين صنعوها واستعملوها.


في قلب هذه الصورة تقف سياسات الأمان كعدسة ملوّنة تفرض طيفاً بعينه على كل ما يمر عبرها. هذه السياسات لا تنزل من عقل كوني، بل تُكتب في دول معينة، ضمن بنى سياسية واقتصادية تعيش تاريخاً طويلاً من الهيمنة. الخطاب المعلن يرفع شعار حماية المستخدم، وتقليل الضرر، وصون حقوق الإنسان، لكن تعريف “الضرر” و”الإنسان” يُصاغ عملياً من زاوية قانونية وأخلاقية محددة. ما يعد جملة طبيعية في سياق ثقافي ما، يصبح “غير آمن” في سياق آخر، فيُستبعد أو يُعاد تشكيله.


هذه السياسات لا تكتفي بوضع قائمة ممنوعات، بل تمس الحدود التي يُعرّف عبرها ما هو عقلاني ومعتدل. حين يُستبعد خطاب بأكمله بحجة السلامة، تتلاشى معه لغات وخبرات وتجارب تاريخية كاملة، فقط لأنها لا تنسجم مع إطار مرجعي مهيمن. تتسع مساحة ما يخدم السوق والقوة الناعمة، وتتقلص مساحة ما يزعج أو يفكك أو يكسر الصورة السائدة عن “العالم المعقول”. في هذا الترتيب، يتحالف نمط بشري يميل إلى الراحة والاختصار مع سياسات أمان مصممة في المركز، لتشكيل معيار عالمي لما يعتبر آمناً ومناسباً. هكذا يتجاور الغباء اليومي الذي يهرب من عناء التفكير مع أمان اصطناعي يعيد رسم حدود الممكن والمسموح.


الإنسان المعاصر يعيش في مناخ يفضّل النتيجة على العملية. يريد من الأداة أن تقدّم له مقالاً جاهزاً، ملخصاً مكثفاً، جواباً مطمئناً، ليتمكن من متابعة يومه دون توقف طويل عند الأسئلة. هذا الميل ليس فقط نزعة فردية، بل تعبير عن اقتصاد وقت ومعرفة يشجع الإنجاز السريع على حساب بناء القدرة الذاتية. في المقابل، يوجد من يبحث عن شيء آخر: أن يتحول الحوار مع الأداة إلى امتداد لطريقته في التفكير، لا مجرد اختصار لهذا الطريق. هنا تصبح الأداة جزءاً من المختبر الذهني، لا بديلة عنه.


لكن الواقع الإحصائي يراكم كفته لجهة من يطلب النتيجة. هؤلاء هم الأكثر عدداً واستخداماً للأدوات، وهم الذين يزودون النماذج بكتلة هائلة من البيانات اليومية. حين يضغط الملايين زر الإعجاب على ما يمنحهم راحة سريعة، يتشكل من ذلك طبع للنموذج يميل إلى ما يرضيهم. تظهر معادلة قاسية: من يهتم بالعملية يشكّل ذاته، ومن يهتم بالنتيجة يشكّل الأداة، ثم تعود الأداة لتؤثر في الطرفين معاً. في هذه المعادلة يبرز نوع غريب من “الذكاء الكسول”؛ شخص قادر على التمييز بين الغث والسمين، لكنه يسمح، مع كثرة الاعتماد، بأن تتولى الأداة جزءاً من العمل الذي كان يقوم به بنفسه، فيلين صوته الداخلي خطوة بعد خطوة.
في الخلفية يتغير شكل الراوي الذي يحكي لنا العالم. في الماضي القريب، كانت القنوات والصحف تحمل أسماء واضحة ووجوهاً يمكن نقدها ومساءلتها. كان من الممكن أن يقال هذه وسيلة تميل لهذه الجهة، وتغفل تلك الأخرى، فيبني المتلقي مسافة نقدية مع ما يسمع. مع وسائل التواصل، تراجع اسم الراوي لصالح “الناس” و”الترند”، بينما تولت الخوارزميات ترتيب الواجهة وفق ما يزيد زمن التحديق والانفعال. ظن كثيرون أن العالم صار أخيراً يتكلم بصوتهم، بينما الذي يرتفع في الواقع هو حاصل تفاعل رغباتهم مع تصميم منصات لا تظهر في الصورة.


اليوم، مع الذكاء الاصطناعي، يدخل الراوي طبقة ثالثة أكثر غموضاً. النص الذي يصل إلى القارئ لم يعد يحمل توقيع صحيفة أو حساب، بل يأتي من مزيج واسع مما قيل ومما كوفئ، معجوناً في نموذج يقدّم ذاته كعقل محايد ومساعد آمن. حين يعترض الجاد على هذا الصوت، يبدو وكأنه يرفض “معيار العصر” أو “العقل الجمعي”، لا مجرد قناة بعينها. يتحول شعور الغربة من موقف ضد مؤسسة محددة إلى موقف أمام بنية كاملة يصعب الإشارة إلى وجهها.


في هذا المناخ يحضر نمط قديم بثوب جديد يشبه آثار “الأبراج” على النفوس. النصوص العمومية التي تسمح لكل قارئ أن يرى فيها نفسه لم تفقد سحرها، بل وجدت في النماذج اللغوية حليفاً تقنياً قوياً. حين يتعلم النموذج إرضاء المستخدم وتجنب ما يثير غضب الأسواق والسلطات، يميل إلى إنتاج لغة واسعة، ناعمة، ملساء القوام، تسمح لكل واحد أن يسقط عليها حكاياته. يشعر القارئ بأن النص يصفه ويحميه، بينما هو في الحقيقة يلبّي مزيجاً من تفضيلاته الشخصية وتفضيلات الجهة التي قررت حدود الأمان.


ميزة الذكاء الاصطناعي هنا أنه لا يقدّم نفسه كلغة غيب أو ترفيه، بل كلغة علم وحقوق وسلامة. هذا الثوب الجديد يسحب من يد المتلقي دفاعات قديمة كان يستعملها أمام الأبراج والخرافات، فيدخل النص إلى منطقة أكثر حصانة نفسية. لم يتكوّن بعد شك جماعي متين تجاه خطاب خوارزمي يرفع شعار “الذكاء” و”المساعدة”، لذلك يمر كثير من الكلام من دون معارضة، فقط لأنه مكتوب على لسان آلة توصف بأنها حيادية.
في الإعلام التقليدي كانت الأجندة أوضح وجهاً، حتى لو أخفت بعض تفاصيلها. يمكن تعقب المالك، المموّل، الفريق التحريري. مع المنصات الاجتماعية أصبح الوجه أكثر ضبابية، لكنه ظل قابلاً للبحث عبر سياسات وشركات محددة. مع النماذج اللغوية يطفو نمط جديد من الأجندة، إحصائي في جوهره، يعبّر عن متوسط ما يحب الناس سماعه، مفلتر عبر سياسات أمان وضعتها مؤسسات في دول تمتلك قوة بيانات وتقنية. هنا لا يحتاج الأمر إلى نية مؤامراتية صريحة، يكفي تفاعل ملايين الإشارات العفوية ليظهر “شخص” خفي للنموذج، يتصرف كأنه كيان له ذوقه وطبعه.


في هذا الإطار يعمل استعمار من نوع مختلف، يستعمل البيانات مادة خام تبنى عليها نماذج تتحكم لاحقاً في تعريف ما هو طبيعي ومعقول وآمن. الشعوب التي تغذي هذه النماذج بخبراتها اليومية لا تحصل على وزن يعادل هذه المساهمة حين يُرسم شكل العالم في واجهة الأدوات. النموذج يصبح أداة تعيد سقف السؤال وحدود الجواب، ليس وفق ما يحتاجه الباحث الجاد بالضرورة، بل وفق ما يناسب كثرة سطحية لا ترى في الأداة إلا طريقاً مختصراً إلى ما تريد سماعه.
رغم ذلك، يحتفظ المشتغلون بالعملية بدورهم التاريخي في إنتاج المعنى العميق. في تاريخ الفكر، لم تكن الأغلبية هي من يصوغ التحولات الكبرى في الفهم، بل أقلية مشغولة بالتجربة والحفر. غير أن المشهد الرقمي يضع هذه الأقلية أمام تناقض جديد؛ فهي تستعمل أدوات تربيها أغلبية لا تشاركها همّ العمق، وتشتغل تحت سقف قيم وقوانين لم تساهم في صياغتها. كأن الباحث يعمل في مختبر أجهزته صممت وفق منطق تجاري وسياسي مختلف عن منطقه هو، ومع ذلك لا مفر له من استعمالها.


فوق ذلك، يجري التعامل مع “القيم الإنسانية” كأنها حزمة واحدة يمكن ترميزها في نموذج عالمي. هذا التصور يتجاهل تضارب المرجعيات وتفاوت مواقع القوة، ويحوّل كلام التوافق والسلامة إلى ستار لتفضيل رأي أغلبية كما تُعرّفها المراكز المهيمنة. في هذه البنية تجد الأقليات المعرفية والثقافية نفسها أمام خيارين كلاهما صعب؛ إما أن تقبل القالب وتتكيف معه، أو أن تبقى عند الهامش وتدفع ثمن الغربة.


من هنا يبرز سؤال أكثر حدة مما يبدو في الظاهر: كيف يحافظ الباحث الجاد على وفائه لعمقه وهو يعمل بأدوات مشبعة بروح استهلاكية واستعمارية في آن واحد؟ كيف يجعل من استخدام الذكاء الاصطناعي جزءاً من مجاهدته الفكرية، لا مقدمة لتنازل بطيء عن صلابته الداخلية؟ هل يمكن بناء عادات عمل ومجتمعات معرفة تتعامل مع هذه الأدوات بقدر من المسافة والاجتزاء، بحيث تُستخدم ولا تُبتلع؟ أم أن مجرد الدخول في المنظومة يفرض، بمرور الوقت، نوعاً من التنازل عن حساسية قديمة تجاه السطحية والهيمنة؟
هذه أسئلة تمس الذكاء الاصطناعي، لكنها في العمق تسائل مستقبل الجدّ نفسه في حضارة تميل إلى تعريف المعرفة بما يمكن أن يُعبأ ويُباع ويُستهلك. في عالم تحكمه آلات تعكس متوسط رغبات أغلبية واسعة وقيم أقلية حاكمة، يغدو الرهان الحقيقي على من يستطيع أن يحافظ على شغفه بالعملية، ويجد لنفسه جيوباً يمارس فيها تفكيره بعيداً عن إملاءات المتوسط، حتى وهو يضع يده كل يوم على لوحة مفاتيح تقوده إلى نموذج تعلّم لغته من الحشد لا من القلة.