قراءة في منظومة الجهل المُصنَّع
“لا أحد يعيش في الواقع الخام الخالص؛ فنحن جميعًا موجودون داخل تمثيلات وتفسيرات للواقع.” — إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية (1993)
في خريف عام 2025، يقف مواطن أمريكي في إحدى ولايات الغرب الأوسط أمام صندوق الاقتراع. يعاني من تآكل قدرته الشرائية، ويقضي شطرًا كبيرًا من يومه في محاولة تسديد أقساط ديونه المتراكمة. يختار طواعية وبثقة تامة التصويت لسياسة خارجية تستنزف ضرائبه في حروب بعيدة، وتدعم كيانات تزيد من أعبائه الاقتصادية المباشرة. يفعل ذلك بيقين راسخ، معتقدًا أنه يدافع عن قيمه وأمنه. هذا المشهد يجسّد انتصارًا لمنظومة معرفية محددة: الجهل المُدار الذي يحوّل الضحية إلى حارس مخلص للقيود التي تُفقرها.
الأطروحة المركزية هنا مفارقة قاسية: ترامب ونتنياهو ليسا استثناء ولا انحرافًا، بل هما الإفراز الطبيعي والنتيجة الأكثر إفصاحًا للجهل المنهجي في مجتمعيهما. صعد كلاهما بفضل آليات معرفية جرى تصميمها على مدى عقود، شملت تعليمًا يُكلِّف ويُقيِّد، وإعلامًا يُبسِّط ويقمع، ولوبيات تُضيِّق أفق الممكن السياسي. والضرر الناجم ضرب المجتمعين اللذين أنتجا هذا الجهل أولًا؛ فقد فقد المواطن الأمريكي مؤسساته وتماسكه الاجتماعي، ووجد المستوطن الصهيوني نفسه في كيان يُفكّك قضاءه بإرادة ناخبيه أنفسهم. يتجاوز هذا البحث التحليل الاقتصادي التقليدي ليدخل حقل الأغنولوجيا (Agnotology)، أو علم “صناعة الجهل”، حيث يُعد الجهل منتجًا مؤسسيًا يخضع لعلاقات العرض والطلب.
أكتب هنا متجاوزًا موقع الناقد البعيد. الأردن الذي نشأت فيه عاش عقودًا من الأحكام العرفية، ورأيت بأم عيني كيف تُنتج السلطة جهلًا مُدارًا وتدفع ثمنه متأخرًا. سأعود إلى هذه النقطة بتفصيل أوسع.
الجهل الذي أعاد انتخاب من صنعه
تقف ديون الطلاب الأمريكيين اليوم عند عتبة 1.7 تريليون دولار. هذه الكتلة المالية الهائلة أداة هندسة اجتماعية ومعرفية شديدة القسوة؛ يخرج الشاب إلى سوق العمل محمّلًا بمئات الآلاف من الدولارات كالتزامات واجبة السداد، ليجد نفسه مضطرًا للانخراط الفوري في عجلة الإنتاج الاستهلاكي. يتقلص الوقت المتاح للتأمل النقدي، وتتلاشى المساحة الذهنية لمساءلة النظام النيوليبرالي. الفضول المعرفي يصبح في هذه الدوامة ترفًا باهظ التكلفة.
تعمل هذه الديون بالتوازي مع منظومة الإعلام الترفيهي. يصادر الأول وقت المواطن وقدرته على التفكير العميق، ويملأ الثاني الفراغ الناتج بروايات جاهزة ومعلّبة. تكشف إحصاءات مركز أنينبرغ للسياسة العامة (2025) أن:
- أقل من نصف الأمريكيين يستطيعون تسمية حرية الدين بوصفها حقًا مكفولًا بالتعديل الأول.
- خُمسهم فقط يذكر حرية الصحافة.
- 5% فحسب يستطيعون تسمية الحقوق الخمس المكفولة جميعها.
وهذه الأرقام جاءت بعد تحسّن ملحوظ عن السنوات السابقة، مما يجعل الصورة أكثر قتامة لا أقل. حين يجهل نصف الأمريكيين الحق الدستوري الأول فور سؤالهم، نكون أمام نجاح هيكلي لمنظومة متكاملة، لا مجرد أمية عرضية.
قد يُطرح اعتراض واقعي: الجهل السياسي ظاهرة عالمية، وديمقراطيات أوروبية عريقة تُفرز هي أيضًا سياسيين شعبويين. هذا صحيح. لكن ما يميّز الحالة الأمريكية هو تحول هذا الجهل إلى بنية مؤسسية ممولة بالكامل؛ الديون تصنع المديون المنشغل، والإعلام يصنع المستهلك المُسلّى، لتنتج أزمة هيكلية متجذرة تتجاوز الموجة السياسية العابرة. الفارق بين أوروبا وأمريكا ليس في درجة الجهل بل في درجة مأسسته وتمويله المباشر كأداة سيطرة.
يظهر ترامب في هذا السياق كاستجابة بنيوية، لا كشذوذ. المواطن الذي أرهقته الديون وحاصره التبسيط الإعلامي يجد ضالته في شخصية تقدم إجابات قطعية ويقينًا مطلقًا في عالم بالغ التعقيد. والطبقة النخبوية التي هندست نظام الديون والاستهلاك لعقود تجد نفسها اليوم أمام قيادة سياسية تهدد مكانة الدولار كعملة احتياطية وتدفع نحو تفكيك تحالفات دولية كحلف الناتو. هذه اللحظة التي ارتدّت فيها الآلة على صانعها — وتبقى مسألة قابلية النظام للإصلاح الذاتي غامضة تمامًا.
حين يصبح الخوف صناعة متجذرة
في الكيان الصهيوني يأخذ المشهد طابعًا مؤسسيًا شديد الفجاجة. اتخذت لجنة التعليم في الكنيست عام 2007 قرارًا بالتصويت (ستة مقابل واحد) لمنع إدراج مصطلح “النكبة” في المناهج المدرسية. هذا القرار لا يكتفي بإخفاء الحقيقة المباشرة؛ إنه يُعيد برمجة السؤال ذاته الذي يحق للأجيال الناشئة طرحه.
وثّق المؤرخ إيلان بابيه ما جرى عام 1948 في كتابه التطهير العرقي لفلسطين، مُقدِّمًا سردًا منهجيًا لتدمير نحو خمسمائة قرية وتهجير أكثر من 750,000 فلسطيني بقوة السلاح — مستنداً إلى الأرشيف الصهيوني ذاته. ومن زاوية منهجية مختلفة، قدّم نورمان فينكلشتاين في صناعة الهولوكوست تفكيكًا لكيفية توظيف الذاكرة الكارثية سياسيًا لإسكات أي نقد للسياسات الاستيطانية بعد حرب 1967، وتحويل كل صوت ناقد إلى متهم بمعاداة السامية.
يفرض التوتر الحقيقي بين المقاربتين نفسه هنا ويجب التوقف عنده:
- إيلان بابيه: يؤسس حجته على الوثيقة الأرشيفية ويعمل داخل المؤسسة الأكاديمية باحثًا عما حدث فعلاً.
- نورمان فينكلشتاين: يؤسس حجته على نقد التوظيف السياسي للذاكرة ويعمل في مواجهة المؤسسة، باحثًا عمّن يستفيد من رواية ما حدث.
التحليل الرصين يحتاج كلا المسارين؛ التخلي عن أحدهما وقوع في فخ الاختصار المخل، ودمجهما متجاهلاً هذا الفارق المنهجي إيهام بتوافق غير موجود أصلاً.
نتنياهو هو الثمرة الناضجة لمنظومة الخوف المُصنَّع. يستثمر في تضخيم الخطر الوهمي لضمان بقائه السياسي، بينما تُشكّل سياساته الفعلية التهديد الأكبر لبقاء الكيان. تحالفه مع اليمين المتطرف، وتدميره استقلالية القضاء، وتفكيكه للمؤسسات من الداخل — هذه خطوات تُقرّب الانهيار لا تُبعده. الرجل الذي يستثمر الخوف من الانهيار هو ذاته من يُعجّل به.
التموضع داخل المعادلة
قبل المضي نحو تحليل التحالف الأمريكي-الصهيوني، تقتضي الأمانة الفكرية التوقف عند موقعنا نحن من هذه الظاهرة.
خلال عقود الأحكام العرفية في الأردن، حُظرت الأحزاب اليسارية كالشيوعي، ومُنعت أحزاب دينية كحزب التحرير بذريعة الأمن القومي. في المقابل، أُتيح لجماعة الإخوان المسلمين العمل بشبه حرية كاملة، فأدارت المساجد والجمعيات والمدارس، وشكّلت خطاب الشارع بعيدًا عن الرقابة السياسية المعتادة. الحسابات التي أجازت ذلك كانت براغماتية قصيرة النظر: رأت السلطة أن صرف الطاقة الشعبية نحو الهوية الدينية أجدى بكثير من تركها للتنظيم السياسي اليساري الذي يطرح أسئلة اقتصادية وحقوقية مزعجة.
ترى الدولة الأردنية اليوم أن خطرها الاستراتيجي الأكبر قادم من الإخوان تحديدًا. ما رعته الدولة بيدها عادت لتخافه بعينها. رأيت هذا الواقع قبل أن أقرأه في كتب هيرمان وتشومسكي. رعاية الجهل وحجب المعرفة النقدية يحملان فاتورة مؤجلة حتمية السداد، وما تُنتجه الدولة بحسابات المدى القصير يصبح مشكلتها الاستراتيجية العميقة في المدى البعيد — وهذا المنطق ينسحب على أكبر ديمقراطيتين في العالم عبر آليات مختلفة، لكن بنفس القدر من الحتمية.
ثمة ما هو أعمق من ذلك: المنظومة المعرفية التي ننقدها تُسهم في إنتاج جهلنا بأنفسنا أيضًا، وتفرض علينا أدواتها التحليلية كأنها قدر محتوم. نوايا الأنظمة الحقيقية تظهر في المساحات الفارغة من مناهجها — فيما يُقرر حذفه أكثر مما يُقرر تدريسه.
واشنطن وتل أبيب — شراكة في الجهل
يتقاطع النموذجان عبر آليات ضغط سياسي ومالي ترسم حدود المسموح والممنوع في الفضاء العام. قدّم ميرشايمر ووالت في اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية تحليلًا أكاديميًا يربط الدعم الأمريكي المطلق للكيان الصهيوني بنشاط جماعات الضغط المنظمة. استُقبل الكتاب بهجوم تحت تهمة معاداة السامية في بعض الأوساط الأكاديمية الليبرالية — وهذا الهجوم بعينه يثبت إحدى حجج الكتاب المركزية حول التضييق الشديد لنطاق النقاش المسموح به.
أنفق AIPAC في انتخابات 2024 مبلغ 126.9 مليون دولار، وفق تقرير Sludge الصادر في يناير 2025. استهدف هذا التمويل إسقاط مرشحين بعينهم وتصعيد آخرين. والأهم أنه يتدخل مبكرًا لتحديد هوية من يصل إلى صندوق الاقتراع أصلاً، متجاوزًا مرحلة هندسة الرأي العام البعدية.
أسطورة “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” تجسّد هذا الجهل المُبرمج بأبهى صوره. نظام يدير ملايين البشر بلا حقوق مدنية، وتصفه كبرى المنظمات الحقوقية بنظام الفصل العنصري، يظل يحظى بتبجيل إعلامي أمريكي باعتباره واحة للديمقراطية. الحقيقة تُختزل وتُصمَّم بعناية لتناسب قوالب الاستهلاك الغربي.
أحدثت أحداث غزة بين عامي 2023 و2025 أول ثقب حقيقي في هذا الجدار. تدفقت الصور والمعلومات عبر الهواتف الذكية متجاوزةً بوابات الإعلام التقليدي وحراسه. تكشف استطلاعات مؤسسة غالوب في فبراير 2026 أن 41% من الأمريكيين أبدوا تعاطفًا مع الفلسطينيين مقابل 36% للجانب الصهيوني — وهي المرة الأولى في تاريخ المسح التي يتقدم فيها الفلسطينيون. وأكدت نتائج بيو ريسيرش في أبريل 2026 استمرار تصاعد النظرة السلبية تجاه الكيان ونتنياهو، خاصة في أوساط الشباب. تبقى مسألة سقف هذا التصدع مفتوحة.
الإعلام الغربي — التحيّز بالأرقام
نموذج المرشحات الخمسة الذي طوّره هيرمان وتشومسكي (ملكية الوسيلة، الإعلانات، المصادر، الضغط، والأيديولوجيا) أُضيف إليه اليوم مرشح سادس: خوارزميات التفضيل التكنولوجي. يزيد هذا مرشح المستحدث من سرعة التوجيه، غامرًا العملية بمزيد من التعتيم.
نشرت جامعة نيويورك في أبوظبي في أكتوبر 2025 تحليلًا يضم أكثر من 14,000 مقال من مؤسسات كبرى، حيث ترسم الأرقام مسارًا لانحياز بنيوي عميق:
- تفريد القصة: احتمالية منح الضحية اسمًا وقصة شخصية كانت أقل بنسبة 38.9% للضحايا الفلسطينيين مقارنة بالصهاينة في نيويورك تايمز.
- السياق التبريري: ربطت التغطية 92% من قصص القتلى الصهاينة بأحداث السابع من أكتوبر.
- لغة التشكيك: وسمت لغة التشكيك — “وفق مصادر حماسية” أو “يدّعي” — 98% من الأرقام الفلسطينية في هيئة الإذاعة البريطانية مقابل صفر تقريبًا للإحصاءات الإسرائيلية.
نحن نتعامل مع آلة لتوزيع التعاطف الإنساني تُحدد بدقة من يستحق الأنسنة. وصفت شهادات صحفيين من داخل BBC وCNN في أكتوبر 2024 سهولة تمرير الرواية الصهيونية وصعوبة إظهار الحقيقة الكاملة. هذا دليل على رقابة ذاتية راسخة تعمل بقوة النظام المؤسسي الخفي، وتستغني تمامًا عن قرارات تحريرية صريحة لفرض سطوتها.
حين يكون التعليم حقًا متأصلًا
الفارق بين الأنظمة التعليمية يتجاوز جودة المباني ليستقر في طبيعة العقل الذي ترغب السلطة في إنتاجه — وهذا الاختيار سياسي بالدرجة الأولى.
- النموذج الفنلندي: يقدم نموذجًا يعتمد المجانية الشاملة وتدريس الفلسفة والأخلاق للأطفال منذ الصفوف الأولى. يتعلم الطالب كيف يطرح الأسئلة الصعبة ويفكك المسلمات قبل أن يقبل بها.
- النظام الأمريكي: يتحول التعليم فيه إلى سلعة باهظة تخلق عبئًا نفسيًا وماليًا يحوّل الطالب إلى ترس في عجلة الاقتصاد. التفكير النقدي يبقى مساحة ضيقة تحتكرها نخب قليلة.
- الكيان الصهيوني: يرتدي التعليم عباءة الأمن، وتغيب أحداث مفصلية بالكامل عن وعي الأجيال، لتصنع مجتمعًا استيطانيًا يعيش أوهام التفوق ويسهل قيادته نحو مزيد من التطرف.
نظامنا التعليمي العربي ليس خارج هذه المعادلة تمامًا وإن كان في حال أفضل في كثير من الأقطار العربيّة. المحذوف من المناهج يحمل دلالات أعمق بكثير مما يُدرَّس. المواضيع المحرّم طرحها تكشف عن جوهر النظام بوضوح يفوق الكتب المقررة رسميًا.
مآلات الجهل وارتداده الحتمي
المنظومة التي أدارت هذا الجهل المنهجي ببراعة لعقود تكتشف عجزها التام اليوم عن التحكم في مآلاته. الجهل لا يبقى أداة مطيعة قابلة للإرجاع إلى الصندوق؛ إنه يخلق ديناميكيته الخاصة ويدمر حاضنته.
أمريكا التي هندست وعي مواطنيها تواجه قيادة سياسية تهدد النظام العالمي الذي بنته نخبها. الكيان الصهيوني الذي أسّس وعي مستوطنيه على الأيديولوجيا العنصرية يسلّم قيادته لتيار يفكك ركائزه المؤسسية من الداخل. والأردن الذي رعى الإخوان أداةً للسيطرة الاجتماعية يُعلن اليوم صراحة أنهم خطره الاستراتيجي الأول.
هذا هو السقف الحقيقي لقدرة أي نظام على إدارة الوعي الجماهيري. تستطيع السلطة تشكيل الجمهور وحجب المعرفة وتزييف التاريخ — وتفقد السيطرة حتمًا على ما تُخرجه من قمقمه. الجهل المؤسسي يُنتج رجالًا لا يُسألون ولا يُراجَعون، وهؤلاء يأكلون من بنية النظام ذاته في نهاية المطاف.
تصل الأغنولوجيا هنا إلى حدودها القصوى. يبقى للسياسة وحركة التاريخ حسم تلك اللحظة الفاصلة — اللحظة التي تتجاوز فيها المجتمعات منطقة الراحة الوهمية وتختار معرفة مكلفة وقاسية. الجهل في مرحلة ما يصبح شديد الإيلام، وتتجاوز كلفته قدرة الناس على الاحتمال، دافعةً إياهم نحو استيقاظ متأخر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
