الفسطاطان الحقيقيان: دين الشفاعة، ودين الإطلاق!

هذا المقال نظرة منجمية في الأديان السماوية ومذاهبها، تقدم قراءة ستكون مرتكزا لفهم سرّ علاقة المذاهب العابرة للأديان ببعضها وعلاقتها بالسياسة والفنون. هو نواة لبحث في الميتا-ديانة.

وقد يكون ما نقدمه هنا الطريقة الوحيدة لفهم الاصطفاف السياسي الغريب، والشرخ الواضح في المجتمعات “السنية”، أمام الأحداث في المنطقة، وهذه القراءة ليست سوى خريطة طريق ودعوة للفهم، ولا تدعي أنها تقدم نموذجا تفسيريا كاملا ليس فيه استثناءات.

يقف الإنسان المعاصر في العراء، مكشوفاً أمام سماء ثقيلة، يبحث بضراوة عن ملاذ آمن يربط يتمه الأرضي بالمطلق السماوي، ويخفف من قسوة الاغتراب المادي الموحش. يكشف النظر العميق في تاريخ الأفكار وتطورها حقيقة مفصلية تتجاوز التقسيم التاريخي المألوف للأديان الإبراهيمية الثلاثة. تتجلى الخريطة الدينية والروحية للبشرية في تيارين حاسمين يحكمان البنية العقلية والنفسية للإنسان، وهما “دين الإطلاق” و”دين الشفاعة”.


يؤسس “دين الإطلاق” لقطيعة وجودية صارمة ومسافة شاسعة بين الخالق والمخلوق. يجمع هذا التيار في عباءته الفلسفية كلاً من السلفية، والبروتستانتية، واليهودية. يرتكز هذا المسار على جعل “النص الجاف” والتشريع البارد الوسيط الوحيد لمعرفة الغيب والاتصال به. يُترك الفرد هنا وحيداً في مواجهة حرفية قاطعة، مجرداً من أي امتداد روحي أو دافئ يخفف عنه وطأة التكاليف الصارمة.


أما في الضفة المقابلة، فيتأسس “دين الشفاعة” على محاولة ردم هذه الهوة الموحشة بين السماء والأرض. يضم هذا التيار الشيعة، والكاثوليكية، والأرثودكسية والامتدادات الصوفية للأديان حتى في اليهودية تحديدا في أجزاء من الحسيدية، معتمداً على فكرة التدرج الروحي وبناء المؤسسة الدينية الحاضنة. يقدم هذا التجسيد العاطفي والمؤسسي العزاء للمؤمن، ويوفر له الاحتواء الجماعي الذي يحميه من قسوة الفردية والعزلة الروحية.


تتطلب الإحاطة بإسقاطات هذه الثنائية على المشهد الديني والسياسي تفكيكاً لطبقات التاريخ التي تراكمت فوق الوعي الجمعي الإسلامي. يعيش ما يُطرح اليوم في الساحة كتمثيل للمذهب السني حالة من الاغتراب العميق عن جوهره التاريخي الأصيل. يتماهى هذا المطروح اليوم إلى حد التطابق التام مع “السلفية” ذات الطبيعة النصية الصارمة والخالية من الروحانية المؤسسية.


تضرب هذه النزعة السلفية بجذورها السياسية في الحقبة الأموية، حيث تم تكريسها منهجياً عبر توظيف رواية الأحاديث وتكثيرها بغرض تشكيل جدار نصي صلب. هدف هذا الجدار في أساسه إلى مناصبة آل البيت العداء، وإقصاء إرثهم الروحي الدافئ عن مركزية الوجدان الإسلامي. تحول الدين في هذا المسار التدريجي إلى مدونة قانونية شديدة البرودة تخدم سلطة الأمر الواقع وتسبغ عليها شرعية قسرية.


يفترق هذا الواقع السلفي المهيمن اليوم عن التكوين الأصيل لمصطلح “أهل السنة والجماعة” الذي يحمل بنية عقلية وروحية مختلفة جذرياً. تأسس هذا المسمى على يد أبي الحسن الأشعري كحركة عقلانية وكلامية اشتقّت أدواتها المعرفية من المعتزلة. ارتكز هذا التأسيس السني الأصيل على فكرة بالغة الحيوية تتمثل في “استمرار الوحي المعنوي” من خلال توفيق الله الدائم للأمة كمجموع.
يمنح هذا المفهوم المعمق للاجتماع البشري وللمؤسسة الدينية قداسة حية متصلة بالغيب، تنبض بالروح بعيداً عن جمود الحرف. جاء هذا التأسيس الأشعري موالياً لآل البيت في صميمه، حاملاً لهم تقديراً عميقاً يتجاوز الجفاء الأموي المصطنع. استتر هذا الولاء العميق بخجل سياسي فرضته سياقات الدولة العباسية التي تنكرت لمبعثها الأساسي الموالي للعلويين بمجرد استتباب السلطة لها، مما أجبر المكون السني العقلاني على مقاربة محبة آل البيت بحذر شديد.


تنسحب هذه الجذور التاريخية والعقدية لتشكل نقطة الارتكاز الأهم لفهم الصراع السياسي المعاصر من منظور ديني أعمق. تتبنى البنية السلفية المهيمنة اليوم ذات المنطق الفلسفي الذي تقوم عليه اليهودية والبروتستانتية، متمثلاً في السيادة المطلقة للنص، وتجريد المقدس من أي حضور مؤسسي أو تدرج روحي يحتضن الفرد.
تنتمي السنية الحقيقية، بتاريخها العقلاني ومؤسساتها الفقهية والصوفية، بنيوياً إلى “دين الشفاعة” والاتصال المفتوح مع السماء. تمتلك هذه السنية تراتبية روحية، ومؤسسة حاضنة، وإيماناً راسخاً بحيوية الأمة كمستقر للتوفيق الإلهي المستمر. يضع هذا التكوين الحي المذهب السني في تناقض فلسفي ووجودي حاد مع البنية اليهودية المغلقة التي تعتمد على حصرية النص والتجريد القاسي.


ينبع الموقف السياسي السليم من الإدراك العميق لهذا التضاد الجوهري، حيث تنعدم أي مساحة للتقاطع بين ورثة المؤسسة العقلانية والروحية، وبين المشاريع السياسية التي تستند إلى التقديس الأعمى للنص الجاف كالصهيونية. يمثل التماهي مع هذا النموذج الانعزالي سقوطاً في فخ معرفي يمحو الهوية الروحية للمذهب. تتطلب العودة إلى الذات تحطيم هذه القشرة السلفية المتيبسة، واستعادة الجوهر السني بمؤسسته الدافئة وعقلانيته، لتقف الأمة بصلابة عقائدية وتاريخية حقيقية في مواجهة أي مشروع يسعى لتحويل العالم إلى مسطرة خشبية من الأوامر والحدود الدموية.