تقدّم الجزيرة منذ بدأت عرضًا مستمرًّا يناسب جماعة “بلا توقّف”، فهي حتّى قبل اختراعها القنوات الفرعيّة كالجزيرة مباشر، والجزيرة مباشر – مصر وغير، كانت تحرص على وجود شريطين واحد للأخبار وواحد للتعليقات، وهكذا تدّعي أنّها تمنح صوتًا للمقموعين، في حين أنّها في ذاتها كانت قامعة لأصوات القطريّين أنفسهم عندما سحبت الحكومة منهم الجنسيّات وأذلّت قبيلة كاملة… المهم في عرض الجزيرة ألّا تخسر انتباه أيّ متابع، ولذلك فيمكن بسهولة أن تستنتج أنّ متابع الجزيرة شخص منزوع القدرة على الفعل رغم متابعته الدائمة لها، لكن هل يمكن أن نعدّه متابعًا للأخبار؟
الإجابة القصيرة هي: لا! نفي قاطع، الذي يتابع الجزيرة لا يتابع الأخبار، ولا أقصد هنا جريدة “الأخبار” بالطبع، بل أقصد الأخبار بمطلقها. فالجزيرة تتحكّم بجمهورها بطريقة مزعجة، فما لا تستطيع قوله من باب الحفاظ على أدنى معايير الكياسة الصحفيّة توظّف محلّلًا ليقوله، إمّا بأن تنتقي المحلّل ليكون موافقًا لها، أو أن تملي عليه ما يقول بكل وقاحة، ففي النهاية ثمّة تعويض ماليّ، ومتى دخل المال من الباب، خرج الرأي الحرّ من الشبّاك.
خلال تغطية الجزيرة لسقوط دمشق بيد جبهة النصرة ولفيفها من الجماعات المسلّحة بعد عمليّات التجميل التي تعرّضت لها هذه الجماعات، كانت الجزيرة تهمل بصورة مبالغ فيها مجموعة من الأخبار المهمّة الّتي لا يجوز إهمالها عن العالم وعن المنطقة العربية وعن سوريّا نفسها: رفع أعلام داعش، اقتتال الجماعات المسلّحة، تواصل القصف الصهيوني على الجنوب، تواصل حرب الإبادة على غزّة، احتلال أجزاء استراتيجية وواسعة من سوريّا من قبل الصهاينة.
وممّا يجب على الناس فهمه هو أنّ العمل الصحفيّ لصيق بالجاسوسيّة، لا سيّما في “إدارة العملاء”، إذ طال ما كان الصحفيّون مادّة خصبة لدوائر المخابرات من أجل تيسير عمل الشبكات الجاسوسيّة، بل وتشكيلها أيضًا، فهم لديهم عذر في التواصل مع أناس مختلفين، ولديهم عذر في سريّة هذا التواصل، وهم نقطة جذب وتشبيك للاتصال بها في حال كان عندهم رغبة للإدلاء بتصريح ما.
ولا أريد الاستطراد في أمثلة تاريخيّة كثيرة توثّق لهذه العلاقة العضويّة بين الجاسوسيّة والمؤسّسات الصحفيّة، لكن يكفينا أن جمهور الجزيرة كان موجّهًا للاحتفال وثمّة أرض عربيّة تضع رجلها على طريق الفوضى، وتسيطر عليها جماعات معروفة بحرابتها للناس، فمن المشهور انخراط الجولاني في أعمال إرهابية وتفجيرات في البلاد المجاورة، وأنّه مجرم مطلوب محكوم.
مارست الجزيرة أيضا “الغسيل الورديّ” لهذه الجماعات، من خلال تكرار إعلانات حالمة بمعاقبة من يتعرّض لامرأة ويملي عليها ما ترتدي، وأي شخص يستطيع حلّ معادلة تربيعيّة ويمتلك القدرة على التعويض، يستطيع أن يصل لقناعة أنّ هذه الإعلانات فارغة، لا تسمن ولا تغني من جوع، والجميع يعلم أنّها أتت لكسب الرأي العام الدوليّ وتخفيف وطأة حادثة سقوط بلد كامل في براثن الإرهاب.
لم تتناول الجزيرة حقيقة واضحة صادمة الوضوح كان يجب أن تظلّ هي الزاوية التي يرى الناس منها الحدث كلّه، وهي أنّ هذه الجماعات تحرّكت بأمر من نتنياهو، وكان هذا الأمر صريحًا وقيل في خطاب رسميّ له، إذ شدّد على أنّ وقف إطلاق النار مع لبنان هدنة مؤقّتة تسمح له بتنظيم قوّته، وتوعّد الأسد بإسقاطه، وبينما كان يتكلّم بدأت القطاعات الإرهابيّة حركتها مدعومة من تركيّا مموّلة من قطر، وكلاهما حليف لا يشكّ في حلفه للصهاينة.
قد تقول: “هذه تفاصيل. المهم أنّ السوريّين ارتاحوا من طاغية!” وربّما تظنّ أنّني أحاول التشويش عليك بهذه الأقوال، لكن اعلم أنّ الأمر أعمق من ذلك، وعليك أن تذكر وقتًا سابقًا، كان قبل أن تختلف قطر والسعوديّة و”تفلت الصيدة”، إذ كان من المعلن فيه سعر الخيانة حسب الرتبة، ولا بدّ أنّ كثيرًا ممّن قبلوا العرض القطريّ بالخيانة لم يعلنوا انشقاقهم فورًا، وظلّوا يمارسون مهمّاتهم على رؤوس عملهم في الجيش السوريّ منتظرين ساعة الصفر هذه.
هؤلاء الضبّاط الذين ضعفت نفوسهم أمام الإغراء القطريّ، وأمام انسداد الأفق السوريّ، وربّما جرّ نظام الجماعات المستقلّة الفاسدة منهم الحقد على النظام، وهذا نظام راسخ نذكر أنّه أعيا الأسد في أقوى فترات شعبيّته منذ 99 حتّى 2007، ولم يستطع تفكيكه، لا بدّ أنّهم كان لهم دورهم الفاعل في كشف ظهر حزب الله وطعنه. أنا لا أشكّ أنّ حادثة البيجر جاءت من خلال اختراق في الجناح السوريّ من محور المقاومة، وذلك لتفاصيل تقنية تتعلّق بطريقة إدارة مشتريات أي جماعة غير قانونية.
وبعد ذلك، ربّما نعلم في قادم الأيّام تفاصيل هذا السقوط، وأجزم أنّها ستحوي أخبارًا عن عصيان أوامر القيادة السوريّة من قبل ضبّاط ميدانيين وغير ميدانيين، فالجنود السوريّون لم يكونوا لينسحبوا دون أوامر صريحة من قبل قيادتهم المباشرة، وهذا يعرفه كلّ من يعرف كيف تعمل الأمور في أي جيش.
خلاصة الأمر، إن كنت تشاهد الجزيرة فأنت تلبس عمايات دابّة تجعلها تظنّ أنّها تسير دربا طويلة، بينما هي تدور في ساقية تروي النبت الصهيونيّ الخبيث في بلاد العرب وفي وعيهم، وإن كنت إخوانيًّا فأنت بعض هذا الزرع الخبيث.
