في فضاء النقاش اللغويِّ، ثمَّة ميكانيكيّة تعمل بصمت. لا يُعلَن عنها غالبًا، ولاتُناقَش علنًا، لكنَّها تظهر بوضوح لمن يقف ويقارن: العربيَّة من جهة، وأيُّ لغة أوروبيَّة من جهة أخرى. الموازين شبه موحّدة. لكنَّ اليد الّتي تمسك بالميزان تختار أين تضغط. الاختلاف الداخليُّ في الأوروبيَّة يُستقبل كتاريخ، كثراء، كعلامة على مسار طول يستحقُّ التتبُّع والاحتفاء. الاختلاف نفسه – ولو كان بدرجة أقلّ بكثير – حين يظهر في العربيَّة، يُستقبل كشقاق، كدليل على أنَّ ما بدا وحدةً ليس كذلك في الحقيقة، محتجّين بأطروحات فيرغسون وغيره. وفي الحقيقة أنا أعترف أنّ الموقف الغربيّ ليس موحّدًا، وهو أعقد ممّا ينقله من يتحامل على العروبة محتجًّا بمقولات رفضها كثير من العلماء الرصينين.
لكنَّ الاختلاف، في طبيعته، مادَّة خام. ليس له وجهة مسبّقة. يمكن أن تقرأه دليلًا على حيويَّة مجتمع يتحرَّك في جغرافيا واسعة، أو تقرأه دليلًا على تصدُّع. ما يحدِّد القراءة ليس في الاختلاف ذاته، بل في الإطار الّذي يُوضع فيه، وفي القرار الصامت الّذي يسبق التحليل، ذلك القرار الّذي يختار ما يدخل في الإطار وما يُترك عند بابه. تذكرون الكاريكاتير الذي يمثّل مصوّرًا يركّز على جزء من الصورة الكلّيّة ليفضح النفاق الإعلاميّ؟ حسنٌ، النفاق ذاته حاضر، ولو بصورة ضمنيّة في الأكاديميا.
حين تُدرس اللغات الأوروبيَّة، هناك شيء يشبه الصبر العلميَّ في التعامل مع التباعد: استعداد لتتبُّع الخيوط إلى الوراء، لبناء شجرة نسب حتَّى حين تكون الفروع متباعدة إلى حدٍّ أنَّ أصحابها لا يتفاهمون بسهولة في يومهم العاديِّ. الهولنديُّ يفهم من حديث الألمانيِّ ما لا يتجاوز نصفه أو أقل قليلًا، والعكس صحيح، لكنَّ هذا لا يمنع أحدًا من اعتبارهما ينتميان إلى جذر واحد، إلى عائلة تستحقُّ أن تُرسم لها خريطة ممتدَّة في الزمن. الفهم المباشر لا يُطرح كشرط حاسم، بل كطبقة سطحيَّة فوق تاريخ أعمق يجوز تجاوزه مؤقَّتًا لصالح رؤية البنية الكبرى. هذا الاختيار لا يُقدَّم عادةً بوصفه اختيارًا، بل يبدو إجراءً علميًّا بديهيًّا، مع أنَّه مشحون بافتراضات تحدِّد مسبّقًا ما يُحسب وما يُهمل.
حين ينتقل المنهج نفسه إلى العربيَّة، يتبدَّل وزنه دون إعلان. فجأةً يصبح الفهم المباشر معيارًا حاسمًا ويُرفع إلى الواجهة. اللهجات تُقرأ كقطيعة لا كتنوُّع داخل نسق واحد. الفصحى تُعزل في برج من الكتب، مع أنَّها لمن يقترب منها قليلًا تعمل داخل العقول بالآليَّات ذاتها الّتي تعمل بها العاميَّات، حتَّى حين يختلف الإيقاع أو تتبدَّل المفردة. ما يتبدَّل هنا ليس طبيعة اللغة. ما يتبدَّل هو زاوية النظر وشروط الحكم المسبّقة، وكأنَّ الميزان لم يتغيَّر لكنَّ الكفَّتين استُبدلتا سرًّا. وقد قمت بتجربة تقديم نصّ من الشعر النبطيّ من الجزيرة العربيّة لصديق ليبيّ فقرأه كأنّه نصّ فصيح، وفهمه فهمًا بأفضل ما يمكن أن يفهمه ابن بيئة ذلك الشعر.
العربيَّة لغة واسعة فعلًا، وفيها مسافات حقيقيَّة بين لهجاتها، وبعض هذه المسافات ليس هيِّنًا. لكن تحت هذا الاتِّساع خيط لا ينقطع بسهولة: نظام اشتقاقيٌّ مشترك، بنية نحويَّة متقاربة، ذاكرة نصيَّة ممتدَّة، وإحساس موحَّد بطريقة توليد المعنى وتركيبه، وحرف كتابيّ واحد، ومجازات مشتركة، ومعنى صوتيّ قديم، واتّصال بتاريخ اللغة على مستوى النصوص القديمة. هذا الخيط غير مرئيٍّ لمن يقف عند السطح، لكنَّه حاضر بإصرار لمن اعتاد السماع في أكثر من طبقة، ويعرف كيف ينتقل بين سياقات مختلفة دون أن يشعر كلَّ مرَّة أنَّه يعبر من لغة إلى أخرى.
العمانيُّ يُتابع نشرة الأخبار المغربيَّة فيفهمها تمامًا رغم وضوح اختلاف النبر واللهجة، ويستمع إلى لقاء صحافيّ تونسيّ مع وزير فيفهم أغلبه، وقد يعاني كثيرًا مع الحديث اليوميّ. هذا التفاهم ليس مصطنعًا ولا متكلَّفًا، بل ينبع من بنية مشتركة تعمل في العمق، أعمق من الاختلافات الصوتيَّة أو المعجميَّة السطحيَّة. العربيَّة والآراميَّة إذا بصرنا بتركيبهما، وبآليّة عمل انفصال اللغتين في الزمن، قد يقال إنّهما لهجات من لغة واحدة بناء على معايير محدّدة، ولكن لنقل إنّهما لغتان مختلفتان حقًّا، يفصل بينهما ما يفصل بين أنظمة لغويَّة لا تلتقي إلَّا في جذر بعيد. لكنَّ ما يفصل بين لهجات العربيَّة ليس من هذا النوع – إنَّه تنوُّع داخل بنية واحدة، لا قطيعة بين بنى مختلفة.
الغريب أنَّ هذا النوع من الخيوط يُمنح قيمة عالية في أماكن أخرى، ويُبنى عليه خطاب كامل عن “العائلة اللغويَّة”، و”الجذور المشتركة”. لكنَّه هنا يُدفع إلى الهامش، كأنَّ هناك قرارًا ضمنيًّا بأنَّ ما يُحسب هناك لا يُحسب هنا. ليس تصريحًا واضحًا، بل سلوك متكرِّر يتراكم حتَّى يصبح كأنَّه حقيقة بديهيَّة. ومع التكرار، يبدأ المتلقِّي نفسه في تبنِّي هذه النظرة، فيشعر أنَّ ما يتكلَّم به منفصل عمَّا يقرأه، وأنَّ العلاقة بينهما ضعيفة أو مصطنعة، كأنَّهما نظامان لا يلتقيان إلَّا اضطرارًا. هذا مع أنّ المسافة بين العاميّة والفصيحة تورث نوعًا من الثنائيّة اللغويّة وترسيخ طريقة بناء المعنى عند العرب، فهذا ليس سلبيًّا بالضرورة.
اللهجات الصينيَّة تقف في الجهة المقابلة من هذا الميزان. الكانتونيَّة والماندرين لا يتفاهم أصحابهما شفويًّا على الإطلاق – حوار عاديٌّ بينهما مستحيل دون وسيط أو تعلُّم مسبق. لكنَّ أحدًا لا يُطالب بتفكيك الصينيَّة إلى لغات منفصلة. السبب؟ نظام كتابة مشترك، وإرادة سياسيَّة موحَّدة ترى في هذا التنوُّع ثراءً لا تهديدًا. العربيَّة تملك الاثنين – نظام كتابة موحَّد وذاكرة نصيَّة مشتركة – لكنَّ الميزان لا يُرفع بالطريقة ذاتها. المعيار الّذي يُطبَّق هنا يختلف عن المعيار الّذي يُطبَّق هناك، والاختلاف ليس في طبيعة اللغات بل في طبيعة النظرة إليها.
الازدواجيَّة في المعايير لا تنبع من قصور بريء في أدوات القياس. هي تعكس، جزئيًّا على الأقلِّ، توازنات قوَّة ترسَّخت عبر تاريخ طويل وحدَّدت سلفًا شكل النتائج المرغوبة. أوروبا الّتي حوَّلت تباينها اللغويَّ الشاسع إلى “عائلة ذات جذور مشتركة” لم تفعل ذلك بدافع حبٍّ مجرَّد للتاريخ المقارن. فعلت ذلك في سياق أفرزته الثورة الصناعيَّة وصعود الدولة القوميَّة، إذ كانت السرديَّة اللغويَّة الموحِّدة جزءًا من مشروع أشمل: بناء السوق القوميَّة، والجيش الموحَّد، والتعليم المركزيِّ. الأوروبيّون اليوم يحرصون على تعليم الطالب لغتين أوروبيّتين على الأقلّ.
في الجهة المقابلة، إبراز التباعد بين العاميَّات العربيَّة ورفعه إلى مستوى “قطيعة” يعمل في اتِّجاه مختلف: يُضفي على التجزئة السياسيَّة القائمة طابعًا لغويًّا يبدو طبيعيًّا وسابقًا للقرار البشريِّ. تضخيم الفروق السطحيَّة يجعل “الدولة القطريَّة” تبدو كأنَّها قدر تاريخيٌّ كامن في بنية اللغة نفسها، لا قرارًا سياسيًّا يمكن مساءلته. وهذا يطرح سؤالًا يصعب تجاهله: هل يصف المنهج اللغويُّ الواقع كما هو، أم يُعيد إنتاج شروط إطاره السياسيِّ في صورة اكتشاف علميٍّ؟ والأهمّ من هذا كلّه أنّ الحدود لا تتطابق مع اللهجات، فابن الأنبار في العراق قريب في لهجته إلى ابن سكاكا في السعوديّة أكثر من قربهما من لهجات من دولة كلّ منهما، وهذا واضح بين درعا والرمثا، وبين الجليل والنبطيّة.
المشكلة في جوهرها ليست في التحليل اللغويِّ، بل في نقطة البداية. من أين ننظر أوَّلًا؟ البدء من الفروق السطحيَّة يقود غالبًا إلى خرائط مجزَّأة تُضخِّم المسافات على حساب الروابط. البدء من البنى العميقة يكشف اتِّصالًا لا يمكن تجاهله، حتَّى حين يُعترف بحجم التباين في المستويات الأعلى. كلا المسارين ممكن مبدئيًّا، لكنَّ اختيار أحدهما دون الآخر ليس بريئًا تمامًا – إنَّه قرار يسبق النتيجة، ثمَّ تجيء النتيجة لتبدو كاكتشاف موضوعيٍّ لما “هو قائم” في اللغة، لا لما صُنع لها من إطار.
العاميَّات العربيَّة، في هذا الضوء، ليست شوائب على جسد الفصحى. هي تجليَّات طبيعيَّة لتنوُّع النشاط البشريِّ وحركة المجتمعات عبر جغرافيا واسعة، وهي تشترك مع الفصحى في بنية اشتقاقيَّة صلبة وذاكرة نصيَّة متراكمة ونظام توليديٍّ يعمل في العمق، وقد أظهرت لي القراءة في الكتب القديمة التي توثّق كلام الناس كما هو أنّ اللهجات المحلّيّة تنافس الفصيحة في القدم، فربّما كانت اللغة العربيّة بطبيعتها متعدّدة المستويات الخطابيّة. هذا لا يعني القفز إلى مسلَّمات، بل يعني ببساطة أنَّ الإنصاف المنهجيَّ يستوجب تطبيق المعيار ذاته: من يتحمَّل صبر الخيوط الأوروبيَّة الطويلة، عليه أن يتحمَّل، بالقدر نفسه، صبر الخيوط العربيَّة.
وفوق الازدواجيّة هذه فثمّة أمور مريبة أخرى في مقولات كثير من المستتبعين للغرب، لا تصمد حتّى عند الرصينين من الغرب نفسه، ومن الغربيّين من لا تنطلي عليه هذه المغالطات، مثل تسمية “لغات ساميّة” أي إنّهم يسمّون اللغة بناء على أسطورة مستحيلة في أصلها، وعنصريّة جدًّا كقصّة سام وحام ويافث، والعلميّ يسمّي هذه اللغات آفروآسويّة، وفوق ذلك فإنّ كثيرًا من المستتبعين يردّدون أقوالًا قديمة عن غزو عربيّ لمناطق ذات بادية واسعة! عرفها العرب ومرّت في آدابهم.
ثمّ إنّ الدراسات الّتي درست عمر اللغة العربيّة لا يظهر أنّها نظرت بجدّيّة كافية في نمط الحياة، ولا في التاريخ، فصعود العرب الرحّل من مجموعة موجودة على هامش الحواضر إلى نسيج ضامّ لحواضر المنطقة، يجد ما يناسبه من حوادث انهيار شبكة المدن الكبرى والطرق بينها، ليصبح الجمل وسيلة النقل الأساسيّة، وهذا يؤرّخ له بتاريخ أقدم بكثير ممّا يعدّ بداية العربيّة، علمًا بأنّ ثلاثمئة سنة قبل البعثة، أو حتّى ضعفها لا يكفي لظهور فنّ شعريّ له ميزانه العروضيّ ونمط صورته وطريقته في بناء المعنى وانتشاره، بل وانتشار طريقة تعليمه، والاختلاف الحادث في هذا المستوى منذ البعثة حتّى اليوم ليس بذي بال، فلنا أن نقول إنّ اللغة تمتدّ في العمق إلى أقدم من ذلك بكثير. هل روعيت هذه الأمور عندما استخدم شاهد النقش حصرًا كعلامة يستنبط منها بدء عمر اللغة!
إنّ ما حصل هنا يشبه أن يكتشف العلماء كائنًا حيًّا عالي التطوّر منتشرًا في مجال حيويّ ضخم، ثمّ يحدّدون عمره بأقدم أحفورة شديدة الحفظ، رغم وجود بيئته الحيويّة منذ ملايين السنين ووجود أحافير قريبة منه أقدم بملايين السنين. إنّ حاجة البدويّ للكتابة والموادّ التي كتب بها وعليها ليست موادّ مؤهّلةً للحفظ، فهي مثل كائن يعيش في منطقة لا توفّر أسباب تشكّل الأحافير، فالعربيّ اعتمد على الذاكرة السمعيّة وكان التواصل الشعريّ حيًّا في المنطقة.
إنّ الحطّاب، اّلذي ينظر أيّ ساق شجرة يقطع، محكوم بما يريد، وما يقدر عليه، وبطول قامته وحجمه واقترابه من الغابة، لذلك هو لا يبصر تشابك الجذور في الأسفل، ولا تشابك الأفرع في الأعلى، ولا أنّ الصفة الفلانيّة في النبات لا يمكن أن تكون تطوّرت إلّا ردّة فعل على وجود كائن محدّد من طير أو حشرة. والدارس الأوروبيّ في حقل الألسنيّات وتاريخ اللغة عندما قدم إلى لدرس العربيّة طبّق ما لديه، وعميَ عن كثير من خصائص العربيّة. ولذلك فميزانه في أصله معيب، لكنّ الاعتراض الأساس في طرحي كلّه أنّه لم يكن نزيها بما وزن حتّى بميزانه.
الميزان لا يختلُّ من تلقاء نفسه. السؤال الّذي يظلُّ معلَّقًا فوق كلِّ هذه الطبقات هو: هل يمكن أن يوجد معيار واحد يُطبَّق بالجديَّة ذاتها وبالصبر ذاته، أيًّا كانت اللغة الّتي نخضعها للتحليل؟ وهل يصحّ ذلك في أمم ذات سياقات حضاريّة مختلفة؟ لا يملك هذا السؤال جوابًا نهائيًّا، وربَّما يظلُّ مفتوحًا بقدر ما تظلُّ القراءات قابلة للمراجعة. لكنَّه يستمرُّ في الضغط على كلِّ قراءة لاحقة – يذكِّرها بأنَّ الميزان، كيفما رُفع، يحمل في كفَّته شيئًا من اليد الّتي تمسك به.
