قراءة منجمية في الاقتصاد: تأملات على تخوم اقتصاد العدالة

كل من يبذل جهده في ماكينة هذا العالم يصطدم في النهاية بتلك المفارقة: كيف يتحول عرقنا اليومي إلى أرقام تتكدس في حسابات غرباء لا نعرفهم. الأيدي الخشنة في مناجم إنجلترا مطلع الثورة الصناعية، والفلاحون في سهول روسيا القيصرية، والشاب الذي يجلس اليوم في مقاهي القاهرة أو عمّان حاملاً شهادة جامعية يلفظها سوق العمل؛ جميعهم يتقاسمون هذا الواقع.

هذا التساؤل الهادئ في ظاهره يحمل شحنة ثقيلة، فقد تراكمت الإجابات عنه عبر قرنين لتتخثر وتتحول إلى أيديولوجيات صلبة. الأيديولوجيات حين تتكلس تغدو جدراناً خانقة. هذا ما يهمس به التاريخ في آذاننا، وهو ما نتجنب سماعه تفادياً للتكلفة الباهظة المتمثلة في إعادة البناء من نقطة الصفر.

​بزغت الرأسمالية فجراً ابتلع الندرة وأخرج لنا ثروة مادية هائلة. معجزة إنتاجية لا يمكن إنكارها. في غمرة هذه الديناميكية، تحول الإنسان إلى مجرد خانة رقمية في دفتر حسابات، ومُسخت الأرض إلى مستودع استخراج، وتفكك نسيج المجتمع ليصبح غابة من الصفقات الباردة.

​عندما يستحوذ واحد بالمئة من سكان الكوكب على ثروة تفوق ما يملكه باقي البشر مجتمعين، نحن نقف أمام اكتمال دقيق لغاية النظام الأصلية. هذه آلة تتغنى بحرية التبادل في واجهتها، وتعمل بانتظام على مراكمة السلطة في أقبائها.

​جاءت الاشتراكية رغبة جارفة في استعادة كرامة المسحوقين. في سعيها لاحتضان الإنسان، أنتجت دولة تدعي امتلاك بوصلة مصيره. وفي محاولتها استئصال الاستغلال، استنبتت بيروقراطية رمادية تستنزف الموارد باسم “الشعب”. النوايا الماركسية الطاهرة تبددت تحت وطأة السلطة المطلقة، تلك السلطة التي تذيب أصلب المبادئ بمجرد احتكارها للقرار.

​وسط هذا الشلل المزدوج، برز في عقول الحالمين الجدد مشروع تكنولوجي يطمح لتهجين وحشين: استعارة حيوية الرأسمالية وأنيابها التنافسية، وزرعها في جسد اشتراكي ينبض بالعدالة التوزيعية. طُرحت الفكرة بجرأة: استبدال البيروقراطي المترهل بخوارزمية محايدة، واقتلاع المستثمر الطفيلي لغرس تعاونيات يديرها العمال بأنفسهم، ونزع قدرة النقد على التراكم اللانهائي عبر عملة رقمية مبرمجة سلفاً. الفكرة تحمل فتنة معمارية، وتختزن ذكاءً إنسانياً يتوق للعدالة.

​يُعرف هذا النموذج بـ “الاشتراكية السيبرانية التعاونية”، ويرتكز على دعائم ثلاث. تتمثل الركيزة الأولى في إحلال التعاونية العمالية مكان الشركة المساهمة، حيث يتحول المصنع إلى مساحة ديمقراطية يمتلكها من يعمل فيها. الركيزة الثانية تفكك النقد التقليدي لصالح عملة وطنية مبرمجة تسمح بالاستهلاك، وتصاب بالعقم التقني إذا حُوّلت إلى رأس مال يُستعبد به الآخرون. الركيزة الثالثة هي التخطيط السيبراني؛ حواسيب هائلة تحلل احتياجات المجتمع الأساسية وتوزعها كحقوق، وتترك مضمار الكماليات لتعاونيات حرة تتنافس على الجودة، ليصبح السوق مجرد شبكة استشعار للرغبات.

​هذا التناظر الهندسي يخلب اللُّب، وهو الهاوية التي يسقط فيها الفكر حين يغتر بتصاميمه. تكمن العلة في الاعتقاد الواهم بأن التصميم المُحكم يولد تلقائياً سلوكاً عادلاً. صفحات التاريخ تقدم أدلة معاكسة.

​حين ابتكر روبرت أوين في القرن التاسع عشر “شهادات العمل” كأداة تبادل، اصطدم بجدار الواقع الصلب. محاولة اختزال العالم في معادلات رياضية تتجاهل تعقيد الأشياء ذاتها. لنتأمل فيزيائية الثمار؛ التفاحة ليست مجرد جسم كروي، هي تكثيف لحبة بذر، ورعاية يد بشرية، وحفنة سماد، وقطرات مطر، ووهج شمس. هي طاقة وضوء وزمن متجسد. السيارة هي حصيلة اختراع متعاقب، وجهد عمال، وتنقيب في المناجم، واحتراق طاقة.

​إذا أردنا تحويل هذا كله إلى قيم رقمية بحتة، يبرز السؤال المعقد: كيف نحدد كم تفاحة تعادل سيارة واحدة؟ نتذكر هنا هنري ديفيد ثورو في عزلة “والدن”، حين كان يحسب بدقة طريفة كمية القمح وقرشيات النحاس التي تلزمه ليقيم أود حياته، محولاً الزمن والجهد والطبيعة إلى دفتر حسابات بدائي.

​مساواة قطرة العرق على جبين الحداد بنبضة التفكير في دماغ المعلم تستعصي على أي ميزان رياضي؛ إنها ساحة سياسية، ومعركة قيم وصراعات نفوذ. من يمتلك مسطرة هذا التقييم، ويقرر قيمة التفاحة مقابل السيارة، يمتص السلطة الفعلية برمتها.

​لنا في تعاونيات “مونتراغون” الإسبانية مرآة نتأمل فيها هذا التعقيد. بدأت التجربة عام 1956 في إقليم الباسك عبر عمال حالمين بقيم التشارك، وتضخمت لتؤوي اليوم أكثر من ثمانين ألف عضو. مع زحف الألفية الجديدة، فرض الضغط التنافسي العالمي شروطه؛ تحول أكثر من ثلثي القوة العاملة إلى مجرد أُجراء، وانساقت المؤسسة لافتتاح فروع في المكسيك بأجور متدنية، مقلدةً الشركات متعددة الجنسيات التي وُلدت لتكون نقيضاً لها. الدستور التعاوني لم يُمس، الجشع التنافسي هو الذي تسلل إلى أدمغة الأعضاء وغيّر الممارسة. النصوص المنظمة تظل مجرد أقفال معدنية على أبواب خشبية تفقد معناها إذا قرر أهل البيت خلع الباب من الداخل.

​عند التحديق في العملة الرقمية المبرمجة المقيدة بعقود ذكية، نجد أنفسنا أمام ضباب المتاهة. منع الكود البرمجي تقنياً من شراء وسائل الإنتاج يواجه مشكلة الحدود السائلة؛ أين ينتهي الاستهلاك ويبدأ الإنتاج؟ الحاسوب الشخصي أداة ترفيه في يد مراهق، ومصنع يُدر القيمة في يد مبرمج. الشاحنة التي تحمل عائلة في نزهة، هي ذاتها التي تنقل البضائع للعمل. كل تصنيف آلي سيخلق ثغرات يمر منها المنتفعون.

​المعضلة الأعمق تتمثل في منبع التمويل. من سيغذي التعاونيات الناشئة إن مُنع المال من التوجه نحو الإنتاج؟ الحل المطروح يتمثل في “صندوق الاستثمار الاجتماعي”، وهو ما يعيدنا إلى انتزاع قرار توجيه رأس المال من السوق ليُسجن في قبضة جهة مركزية.

​الترقيع المطروح لهذه المعضلة هو “الديمقراطية السائلة” المنسوجة بخيوط البلوكشين، حيث يصوت المواطنون مباشرة لتوجيه أموال الصندوق. يبرز هنا “قانون الأقلية الحديدي” لروبرت ميشيلز: كل تنظيم جماعي بشري ينزلق حتماً ليكون محكوماً بنخبة صغيرة. التجارب الموثقة على المنظمات اللامركزية الرقمية فضحت هذا النمط؛ يتكتل النفوذ في أيدي سحرة الأكواد ومن يملكون وقت الفراغ لمتابعة التفاصيل الدقيقة.

​تتفوق هذه النخبة السيبرانية باختبائها خلف قناع “الحياد الموضوعي للخوارزمية”. درع الخوارزمية يحيل المساءلة إلى مهمة متعذرة. السياسي البشري نجرّه إلى مقاعد المحاسبة ونسائله. حين تقرر الخوارزمية، يتحول النقد إلى نقاش تقني يستوجب استدعاء الخبراء، وتغدو ممارسة المواطنة حكراً على من يجيد لغة الآلة.

​يطفو على سطح هذا الحوار بُعدٌ جغرافي وتاريخي مهمل. النظريات السابحة في فضاء ما بعد الرأسمالية نبتت جميعها في تربة مجتمعات الوفرة لتُعالج أزمة توزيع الثروة المتراكمة. هذا الهم مبرر في برلين وبرشلونة وبوسطن.

​في دول الجنوب العالمي، الأزمة هي شلل عظمي وقصور إنتاجي بنيوي مقترن بتركز شديد للثروة. الجدب الصناعي هناك لم يتولد عن كسل تاريخي أو شح طبيعي. الشمال الصناعي شيّد وفرته عبر استخراج ممنهج لموارد الجنوب على مدى قرون؛ المطاط من الكونغو، والقطن من مصر، والنفط من الخليج. الحديث عن سوء التوزيع في الشمال مع التعامي عن كيفية تراكم تلك الثروة، يمثل كتابة مجتزأة للتاريخ.

​الأمة التي تعجز عن تصنيع دوائها وزراعة غذائها، تقف عاجزة عن استنساخ نظريات التوزيع. طباعة النقد بلا غطاء إنتاجي هو توزيع لأرقام مجردة سيفضي إلى تضخم مدمر. الجنوب العالمي يحتاج مشروع “سيادة إنتاجية”. صك إرادة صناعية محلية يصطدم بنظام عالمي صُمم لإعاقته عبر شِباك براءات الاختراع وتدفقات رأس المال.

​السيادة الإنتاجية تتطلب سياسات صناعية تديرها الدولة بوعي لتوجيه الابتكار. التطور التكنولوجي لم يكن يوماً حكراً على عبقرية رأسماليين منعزلين؛ معظم القفزات المعرفية الكبرى كانت ثمرة مشاريع عملاقة مولتها الدول. هنا يبرز تحدي تحديد آلية منح حقوق استغلال هذا المنتج المعرفي الممول من دافعي الضرائب.

​في هذا السياق، تبرز فكرة “الجوتشي” الكورية الشمالية، كعقيدة مجردة تقوم على الاعتماد على الذات وتقديس العمل البشري الخالص كعنصر أسمى ومحرك وحيد للخلاص. استخدام هذا المبدأ كإطار فكري يُحصن السياسات الوطنية ضد أهواء التبعية، ويستدعي حماية الأسواق الناشئة، وتوجيه الموارد لتأسيس بنية معرفية صلبة، وإعادة التفاوض مع الاقتصاد العالمي من موقع المكتفي بذاته.

​يطرح بعض المفكرين الصينيين تفريقاً لافتاً بين مجتمعات تُدار بعقلية “المهندسين”، كما في الصين التي هندست ديموغرافيتها بقانون الطفل الواحد، ومجتمعات تُدار بعقلية “الحقوقيين والمحامين” كما في بريطانيا. الواقع يؤكد خضوع كلا النموذجين في النهاية لسطوة رأس المال.

​البديل الأنجع يكمن في تغليب “التفكير الشملاني”؛ العقل الذي يلتقط الصورة الكلية ويدرك تقاطعات الاقتصاد مع الاجتماع والتاريخ. هذا العقل الشملاني يمتلك القدرة على تفكيك أعقد النظريات وتعميمها على الناس متى ما توفرت قنوات الشرح الشفافة، فالمجتمعات قادرة تماماً على استيعاب الأفكار الكبرى متى ما غادرت أبراج الأكاديميا المعزولة.

​عقدة السيادة الإنتاجية تفرض التزاماً متوازياً بالمساءلة السياسية كشرط مكمل لا غنى عنه. الدول التي شيدت سيادة إنتاجية في غرف مظلمة تغيب عنها المساءلة، مارست استخراجاً داخلياً قاسياً. الاتحاد السوفيتي بنى صناعة ثقيلة وسلاحاً نووياً، وحمّل العمال تكلفة فادحة من العرق دون منحهم أي أداة لمساءلة من يقبع في دوائر القرار. إقامة سيادة إنتاجية مقطوعة الصلة بالمساءلة تفرز رأسمالية وطنية تتطابق في جوهرها مع الرأسمالية الأجنبية.

​يقودنا هذا إلى ضرورة بناء مؤسسات قادرة على اكتشاف أخطائها وتصحيحها ذاتياً. النظم المغلقة، التي تتبجح بحسم التناقضات عبر خوارزمية، أو عقيدة، أو إجماع تقني، تدفع بالمجتمعات نحو الهاوية. الكوارث تتولد من إزالة آليات التصحيح ومكابح الطوارئ. الرأسمالية تمارس هذا الخنق حين تُقنن شراء القرار السياسي. والاشتراكية تمارسه حين تجرّم المعارضة. والنظام السيبراني يقترفه حين يربط المساءلة باشتراطات الكفاءة التقنية. الانغلاق هو مكمن الخطر بمعزل عن العقيدة التي يتدثر بها.

​تتجسد الحلول العملية في خيوط تحتمل التوترات وتديرها. الخيط الأول يؤكد أن تفتيت الملكية وتوزيعها أجدى من مصادرتها. يمكن هندسة التوزيع عبر ضرائب تصاعدية تطال الثروات الموروثة، وتأسيس صناديق أسهم للعمال. هذا النهج يحتضن غريزة الابتكار ويحور الملكية تدريجياً إلى مستحق يُكسب بالجهد. نجاح النموذج الاسكندنافي ارتبط بسياق دقيق من الثقة الاجتماعية والنقابات القوية، واستيراده خارج شروطه يعد إهداراً للجوهر.

​الخيط الثاني يطرح الديمقراطية التداولية كمسار أعمق من التصويت المباشر. مؤسسات التداول المنظم، كمجالس المواطنين العشوائية في أيرلندا وكندا، مُنحت الوقت والموارد لتشريح القرارات المعقدة. أنتجت هذه المجالس قرارات تتسم بالدقة، ومنحت المواطن العادي فرصة التعلم وتغيير القناعات بعيداً عن خفة الاستفتاءات العابرة.

​الخيط الثالث يؤكد أن السيادة الإنتاجية مشروع سياسي متكامل. تشييد قدرة تصنيعية محلية يفرض تبني سياسات صناعية مقصودة، وحماية نسبية للأسواق الناشئة، وإعادة توجيه فوائض الموارد لبناء البنية التحتية المعرفية. التطور التكنولوجي كان دائماً ثمرة مشاريع مولتها الدول واحتضنتها.

​تميل العقول نحو المعماريات النظرية التي تصهر الأضداد وتخرج بوحدة مريحة كالجدلية الهيغلية. ادعاء الوصول إلى تركيبة نهائية تغلق النزاع يبعث على الريبة. الأفكار العظيمة تُفرز توترات أشد دقةً وأرقّ تركيباً، وهذه التوترات هي العلامة الحقيقية لتقدم الفكر البشري.

​يستقر الجهد الذهني في التأسيس لمعايير تتصدر أي مشروع إصلاحي. الفحص الحقيقي للنظام يكمن في امتلاكه آليات لمعالجة انحرافاته، وتحديد الجهة التي تملك حق التصحيح، والمكاشفة بحجم الثمن الذي سيدفعه الطرف الأضعف في مرحلة الانتقال. النظام الذي يمتلك هذه الآليات يستحق نيل الثقة. عظمة الأنظمة تتجلى في قدرتها على النجاة من أخطائها في قلب الاضطراب.

​الاضطراب هو الحالة الوحيدة التي تتسم بالديمومة. النظام الذي يزعم قدرته على إلغائها يمارس تضليلاً بيناً ويتجاهل دروس التاريخ. هذا النسيان الإرادي يمثل عبئاً ثقيلاً نستدين به نحن، وتُدفع فواتيره القاسية من أعمار أجيال قادمة.