تقشير بصلة الضحك | عن مسرحيّة “حصان جنين”

ازدواجيّة المعنى أو ما يسمّى “دبل إنتوندرا” هي أحد أركان الكوميديا: تصدّع في الوعي تخرج منه القهقهات عالية. وهي ذاتها إحدى أقوى استراتيجيات التراجيديا ولا شكّ، إذا أتقنها الفنّان. أمّا أن تصنع عرضًا مسرحيًّا من المعاني المزدوجة بكاءً وضحكًا، فهذه مقامرة لا يقدر عليها إلّا فنّان يرقص بحياته العارية على المسرح واثقًا أنّه سيجعل من جمهوره أهلًا يعرفونه، وتكون لهم نكاتهم الداخليّة ودموعهم القريبة في نهاية العرض.

في نهاية عرض مسرحيّة “حصان جنين” كان بيننا كجمهور وبين الفنّان الفلسطينيّ “علاء شحادة” هذا النوع من الصلة، وهو الآتي من “مسرح الحريّة” في مخيّم جنين إلى “مسرح الشمس” في مدينة عمّان، ليقدّم عرضًا جاب ويجوب به العالم، لكنّه مكّننا من أن نشاركه ذاكرته العميقة، وكوابيسه المفزعة، وما يضحكه غدا يضحكنا، حتّى لو لم يكن مضحكًا في ذاته.

ولأنّ النكات الداخليّة مرتبطة بالتجربة المشتركة، فإنّ قدرة علاء على نقل الجمهور إلى عالمه بسلاسة، كفيلة بأنّ تجعلهم يضحكون على ما كان سيبكيهم، ويبكون لمفارقات كانت لتثير ضحكهم في سياق آخر.

يقف علاء على المسرح وحيدًا، والمسرح عارٍ من أيّ ديكور سوى طاولة عليها بعض الأقنعة والقبّعات وحطّة قد تكون دماية جدّه حينًا، وحجاب أمّه حينًا آخر، ويسحب القاعة كاملة إلى بيته إذ يبارك أهل المخيّم مولده، وإلى صفّه الدراسيّ، وطابور الفلافل، ومسرح الحريّة، حتّى إنّه يدخلهم حمّام بيته، والجمهور يتجوّل معه.

العرض المونودراميّ “حصان جنين” صعب التصنيف فهو جنس خليط من فنّ الحكي والتمثيل الصامت والتقليد والكوميديا الارتجالية وفنّ الـ “ستاند أب كوميدي”، يحكي قصّة حقيقيّة جدًّا هي قصّة علاء الشخصيّة التي تدور حول رمزيّة الحصان، فالحصان هو رمز الأصالة العربيّة الّذي يأتي مرّة على لسان جدّه في نصيحة، أو في دمية يودعها قبره، أو في تمثال حصان ممرّد من الحطام ظلّ رمز مخيّم جنين رغم اقتلاع الاحتلال له، أو ستارًا لغزله بحبيبته، أو في خياله عن صديق طفولته “أحمد” الذي ركب تمثال الحصان وركض به بعيدًا بعد استشهاده.

بهذه القفزات التي لا تليق إلّا بحصان أصيل، يستعيد علاء الرمز في كلّ مرة بروح مختلفة، فيغدو مخزنًا للضحكات، لكنّه محزن كشاهد قبر عزيز.

علاء في هذا العرض يقشّر بصلة الضحك طبقة بعد طبقة، من الإنتوندرا والزرعات والاستدعاءات، ويتطاير من بصلته رذاذ يبكي القلوب، ويقلّص المسافة بين الضحك والبكاء إلى درجة حسّاسة الخطورة. ويتمكّن رغم سيره على الخطّ الرفيع من تحويل المأساة إلى ملهاة، من أن يبقي للمأساة حرارتها، وللضحكة صداها، وهو بذلك إنّما يحكي قصّة شعب يقاوم إذ يعيش، فكلّ شهقة نفس وكلّ ضحكة هي فعل مقاومة في قاموسه، دون أن يسمّيها مقاومة إذ يحافظ على هالة لهذه الكلمة ترتبط بفعل له قدسيّته.

قد تتفاجأ بعد هذا كلّه إن عرفت أنّ العرض باللغة الإنجليزيّة، لكنّ جرأة علاء على الحديث بالإنجليزية البلديّة القحّ، لا سيّما وأغلب جمهوره في القاعة من الجالية الأجنبيّة في الأردنّ، علامةٌ أخرى على أنّنا أمام ممثّل مكتمل النضج، وكاتب لا يخشى أن يتعرّى حتّى يكشف أعمق ذكرياته، أو حتّى أن يكسر الجدار الرابع بكلّ طبيعيّة، فالجمهور جزء من العرض، وكلّ عرض سيكون مختلفًا عن الآخر. عرض كهذا لا يمكن مشاهدته أكثر من مرّة، حتّى وإن حضرته، فهو في كلّ مرّة عرض فريد.

بين “الطيّبات” و”الخبايص”: نحو فهم “نظام الطيّبات” الغذائيّ

كثير منّا وصله فيديو، أو ربّما صادفه على آخر المنشورات لشخص يثق به ممّن يتابعهم. إنسان عادي من مصافّه الاقتصاديّة وربّما المعرفيّة، يعلن نتائج التزامه بما يسمّيه “نظام الطيّبات” الغذائيّ. يغلب على الظنّ أنّ الفيديو حمل تعليقات حول “المقتل الغامض” للعالم الطبيب الدكتور ضياء العوضي، واتّهامات لشركات الأدوية أو مزارعي الدجاج والبيض بدمه. أو ربّما كان الفيديو للطبيب نفسه، محاطًا بمديح الناس من أصدقاء وأشباه لك.

إقرأ المزيد

التهمة تحوَّلت خطَّةً: الصهيونيَّة وجهٌ آخر لمعاداة الساميَّة

لنعد إلى أوروبا عندما كانت تعرق السخام. الثورة الصناعيَّة تعيد رسم الخرائط، والبرجوازيَّة تحتاج أسواقًا، والمسألة اليهوديَّة تتخمَّر في هذا الهواء الثقيل. الفكرة السائدة تقول إنَّ الصهيونيَّة جاءت ردًّا على معاداة الساميَّة، استجابةً دفاعيَّةً لجماعة محاصَرة. لكنَّ هذا الفهم يقف عند عتبة الحدث ولا يدخل إلى الغرفة. ما جرى أعمق: الحركتان نبتتا من التربة ذاتها، وتقاسمتا الفرضيَّة الأساسيَّة قبل أن تتقاسما أيَّ شيء آخر.

إقرأ المزيد

خريطة الذكاء الاصطناعيِّ الصمَّاء

في عام 1569، مدَّ ميركاتور القارات ومطَّها لتستقيم على الورق. لم يكن يكذب. كان يضحِّي بالمساحات في سبيل الملاحة، ويعرف بالضبط ما يتخلَّى عنه. الخريطة كانت دقيقةً لغرضٍ واحد، لكنَّ حذاءه خالٍ من طين الأمازون، ورئتاه لم تتذوَّقا هواء المستنقعات. ما تُسقطه الخريطة ليس خطأً تقنيًّا، بل هو ثمنٌ لا مفرَّ منه. وكلُّ خريطةٍ تُعرَّف بما تُسقطه بقدر ما تُعرَّف بما تُثبته.

خوارزميَّات اللغة تفعل الشيء ذاته، لكن بمقياسٍ لا تتخيَّله الأرقام. نموذجٌ لغويٌّ كبيرٌ مدرَّبٌ على مئات المليارات من الكلمات: كلُّ روايةٍ منشورةٍ، كلُّ رسالة حبٍّ كانت عرضةً للتجسُّس، كلُّ مرثيَّةٍ تداولها الناس. آلةٌ تقيس المسافة بين الكلمات وتبني شبكةً هائلةً من الاحتمالات. تعرف هذه النماذج أنَّ “الفقد” يجاور “الصمت” أكثر ممَّا يجاور “الفرح”، وتعرف النحو وتعرف السياق، لكنَّ هندسة النحو مهما اكتملت لا تحمل في طيَّاتها طعم صباحٍ ساحليٍّ مالحٍ. هذا الطعم لا يعلق في الأسلاك النحاسيَّة، لأنَّه لم يمرَّ بجسدٍ في المقام الأوَّل. ربَّما المشكلة ليست في الآلة، بل في اعتقاد كثيرين منَّا أنَّها تعمل في مجالٍ هي لا تعمل فيه.

إقرأ المزيد

قانون الجذب: من الوعد إلى القيد

كلَّما سمعتُ مدرِّبَ تنميةٍ بشريَّةٍ، أو معالِجًا نفسيًّا من نجوم المنصات، أو صوتًا من أصوات فلسفة العصر الجديد، أو غورو يقول: “عليك أن تصدِّق أوَّلًا، وستفتح لك مساحة الإدراك” يتحرَّك في داخلي شيءٌ أقدمُ من الاعتراض. أتحسّس الندوب الّتي خلَّفتها خطابات اليقين المطلق حين كانت تُصاغ بلغةٍ مختلفةٍ: “آمن ثمَّ ستسكن روحك، وإن لم تسكن فالمشكلةُ في أنّك لم تؤمن حقًّا.” تبدَّلت آلة العزف، وبقِيَ اللحن نفسه؛ حلّ الكون مكان الإله، والنجاح محلّ الجنّة، والطاقة السلبيَّة محلّ الشيطان، وظلَّ البناء على حاله.

إقرأ المزيد

العربيَّة عند أنصار الغرب: أحشفًا وسوء كيل!

في فضاء النقاش اللغويِّ، ثمَّة ميكانيكيّة تعمل بصمت. لا يُعلَن عنها غالبًا، ولاتُناقَش علنًا، لكنَّها تظهر بوضوح لمن يقف ويقارن: العربيَّة من جهة، وأيُّ لغة أوروبيَّة من جهة أخرى. الموازين شبه موحّدة. لكنَّ اليد الّتي تمسك بالميزان تختار أين تضغط. الاختلاف الداخليُّ في الأوروبيَّة يُستقبل كتاريخ، كثراء، كعلامة على مسار طول يستحقُّ التتبُّع والاحتفاء. الاختلاف نفسه – ولو كان بدرجة أقلّ بكثير – حين يظهر في العربيَّة، يُستقبل كشقاق، كدليل على أنَّ ما بدا وحدةً ليس كذلك في الحقيقة، محتجّين بأطروحات فيرغسون وغيره. وفي الحقيقة أنا أعترف أنّ الموقف الغربيّ ليس موحّدًا، وهو أعقد ممّا ينقله من يتحامل على العروبة محتجًّا بمقولات رفضها كثير من العلماء الرصينين.

إقرأ المزيد

يوم فقدنا الطلبة وأتينا بالتلاميذ!

في اللغة العربيَّة، من يتعلَّم يُسمَّى طالبًا. والطلب فعلٌ يصدر عن صاحب حاجة، عن شخص فيه شيء ناقص يعرفه ويريد أن يملأه. هذا ليس فرقًا لغويًّا عابرًا، هو في جوهره فرقٌ في توزيع المبادرة: من يحمل الدافع، ومن يملك السؤال، ومن الّذي جاء يريد شيئًا. حين تُسمِّي التعليم بهذه الكلمة فأنت تبني نظامًا بأكمله على افتراض أنَّ في الإنسان جوعًا سابقًا للمعلِّم، وأنَّ مهمَّة المعلِّم أن يُطعم لا أن يُجبر على الأكل.

إقرأ المزيد

الذكاء الاصطناعي محكوم بالغباء الطبيعي

نعم محكوم بالغباء لا لأنه قوة سلبية بالضرورة، بل لأنه يشتغل داخل أفق الإنسان الذي صنعه واستخدمه. الذكاء الاصطناعي اليوم بارع في التقاط ما يتكرر ويشتهر ويتوافق عليه، أكثر مما هو بارع في اقتراح ما هو أعمق أو أصدق أو أشد صرامة معرفية. النموذج منظومة احتمالات تتغذى من مكافآت بشرية متراكمة، فيتحول مع الوقت إلى مرآة مصقولة لذائقة متوسطة، لا إلى بوصلة مستقلة تقود إلى اختبار الواقع أو تفكيك المسلمات.

إقرأ المزيد

تكلفة التجهيل: المكر السيّئ يحيق بأهله

قراءة في منظومة الجهل المُصنَّع

“لا أحد يعيش في الواقع الخام الخالص؛ فنحن جميعًا موجودون داخل تمثيلات وتفسيرات للواقع.” — إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية (1993)

في خريف عام 2025، يقف مواطن أمريكي في إحدى ولايات الغرب الأوسط أمام صندوق الاقتراع. يعاني من تآكل قدرته الشرائية، ويقضي شطرًا كبيرًا من يومه في محاولة تسديد أقساط ديونه المتراكمة. يختار طواعية وبثقة تامة التصويت لسياسة خارجية تستنزف ضرائبه في حروب بعيدة، وتدعم كيانات تزيد من أعبائه الاقتصادية المباشرة. يفعل ذلك بيقين راسخ، معتقدًا أنه يدافع عن قيمه وأمنه. هذا المشهد يجسّد انتصارًا لمنظومة معرفية محددة: الجهل المُدار الذي يحوّل الضحية إلى حارس مخلص للقيود التي تُفقرها.

إقرأ المزيد

قراءة منجمية في الاقتصاد: تأملات على تخوم اقتصاد العدالة

كل من يبذل جهده في ماكينة هذا العالم يصطدم في النهاية بتلك المفارقة: كيف يتحول عرقنا اليومي إلى أرقام تتكدس في حسابات غرباء لا نعرفهم. الأيدي الخشنة في مناجم إنجلترا مطلع الثورة الصناعية، والفلاحون في سهول روسيا القيصرية، والشاب الذي يجلس اليوم في مقاهي القاهرة أو عمّان حاملاً شهادة جامعية يلفظها سوق العمل؛ جميعهم يتقاسمون هذا الواقع.

إقرأ المزيد