في عام 1569، مدَّ ميركاتور القارات ومطَّها لتستقيم على الورق. لم يكن يكذب. كان يضحِّي بالمساحات في سبيل الملاحة، ويعرف بالضبط ما يتخلَّى عنه. الخريطة كانت دقيقةً لغرضٍ واحد، لكنَّ حذاءه خالٍ من طين الأمازون، ورئتاه لم تتذوَّقا هواء المستنقعات. ما تُسقطه الخريطة ليس خطأً تقنيًّا، بل هو ثمنٌ لا مفرَّ منه. وكلُّ خريطةٍ تُعرَّف بما تُسقطه بقدر ما تُعرَّف بما تُثبته.
خوارزميَّات اللغة تفعل الشيء ذاته، لكن بمقياسٍ لا تتخيَّله الأرقام. نموذجٌ لغويٌّ كبيرٌ مدرَّبٌ على مئات المليارات من الكلمات: كلُّ روايةٍ منشورةٍ، كلُّ رسالة حبٍّ كانت عرضةً للتجسُّس، كلُّ مرثيَّةٍ تداولها الناس. آلةٌ تقيس المسافة بين الكلمات وتبني شبكةً هائلةً من الاحتمالات. تعرف هذه النماذج أنَّ “الفقد” يجاور “الصمت” أكثر ممَّا يجاور “الفرح”، وتعرف النحو وتعرف السياق، لكنَّ هندسة النحو مهما اكتملت لا تحمل في طيَّاتها طعم صباحٍ ساحليٍّ مالحٍ. هذا الطعم لا يعلق في الأسلاك النحاسيَّة، لأنَّه لم يمرَّ بجسدٍ في المقام الأوَّل. ربَّما المشكلة ليست في الآلة، بل في اعتقاد كثيرين منَّا أنَّها تعمل في مجالٍ هي لا تعمل فيه.
إقرأ المزيد