ماذا لو كان المال فانياً؟


“اقتصاديٌّ ألمانيٌّ طواه النسيان طويلاً، جادل بأن المجتمع والاقتصاد سيغدوان أفضل حالاً لو أمسى المالُ سلعةً هالكة. فهل كان مجرَّد مُهرطقٍ فوضويٍّ، أم نبيّاً يبشِّر بعالمٍ أفضل؟
بقلم جاكوب باينهام، الكاتب الحائز على جائزة المجلة الوطنية والأستاذ المتميز سابقاً في كلية الصحافة بجامعة مونتانا.”

ترجمناه عن جاكوب باينهام لمجلة نويما


قبل أسابيع قليلة، اخترع ابني ثيو، ذو السنوات التسع، عملةً صورية لتيسير التبادل التجاري في حصنه المُشادِ في غرفة الجلوس. وبوصفه رأسمالياً يافعاً، افتتح متجراً للهدايا داخل الحصن، عارضاً للبيع فواصلَ كتبٍ صُنعت على عجلٍ من ورقٍ مطويٍّ وشريطٍ لاصقٍ استُخدم بسخاء. نُقشت عليها شعاراتٌ من قبيل: “حبّ”، و”أنا الزعيم”، و”غنيمة، مال، نقود، كاش”.
أبدى شقيقه جوليان، ذو السنوات الست، اهتماماً بتلك الفواصل، فابتهج ثيو بعرضها للبيع مقابل دولارٍ واحدٍ للقطعة.
“مهلاً!” صاحَ صوتي من الغرفة المجاورة. “لن تبيعها بمالٍ حقيقيّ.” (نعم، أعلم، هذا تدخلٌ حكومي).
بترددٍ وافق ثيو. وبعد هنيهة تفكير، طبق نظاماً جديداً يسمح لشقيقه بطباعة نقوده الخاصة بقلم تخطيطٍ وورق. وتُصبح كل ورقةٍ نقديةٍ عُملةً قانونيةً حالما يخطُّ عليها جوليان عبارة “أنا أستطيعُ الكتابة” ثلاث مرات. الأخطاء الإملائية تُبطل الورقة وتفقدها قيمتها.
علّل ثيو قائلاً: “لا بدّ أن تكون لها قيمة ما، وإلا لأمكنك ببساطة طباعة ملايين الدولارات”.
تمتم جوليان متذمراً، لكنه سرعان ما استبدل ثروته الحديثة بفاصلِ كتابٍ. أودع ثيو النقودَ في جيبه، وهكذا، انطلقت عجلة التجارة في الحصن.
ما المال حقّاً؟
تاريخُ المالِ، كما يسطِّر جاكوب غولدشتاين في كتابه الشائق “المال: القصة الحقيقية لشيء مُختلَق”، حافلٌ بتشريعاتٍ لا تقلّ غرابةً وبمنطقٍ لا يخلو من نزق. فقبل ظهور المال، اعتمد البشر على المقايضة، ذلك النظام المُعْوِزُ الذي يتطلب “مصادفةَ الرغباتِ المزدوجة”. فإن كان لديّ قمحٌ ولديك لحم، فإن عقدَ صفقةٍ بيننا يستلزمُ رغبتي بلحمك في ذات الوقت الذي ترغب فيه بقمحي. نظامٌ يفتقر إلى الكفاءة أيَّما افتقار.
طوّرت ثقافاتٌ عديدةٌ طرقاً طقوسيةً لتبادل الأشياء ذات القيمة – في الزواج مثلاً، أو كفديةٍ لدفع القصاص، أو في القرابين. وتنوعت السلعُ المستخدمة في هذه المبادلاتِ بين أصداف الوَدَعِ والماشيةِ، وأسنانِ حوتِ العنبرِ والخنازيرِ ذاتِ الأنيابِ الطويلة. وقد أسهمت هذه السلعُ في أداء وظيفتينِ مركزيتينِ للمال:
* أنها كانت بمثابةِ “وحدةِ حساب” (مُقدمةً طريقةً معياريةً لقياسِ القيمة).
* أنها عملت “كمخزنٍ للقيمة” (أشياءٌ يمكنك تكديسها الآن واستعمالها لاحقاً).
وبسبب عللِ نظام المقايضة، لم تؤدِّ تلك السلعُ الوظيفةَ الثالثةَ للمال، ألا وهي:
3.  العمل “كوسيطٍ للتبادل” (موردٌ محايدٌ يمكنُ تحويله بسهولةٍ مقابل السلعِ والخدمات).
المالُ الذي أدّى هذه الوظائفَ الثلاثَ معاً لم يُصَكّ إلا حوالي عام 600 قبل الميلاد، حين ابتكرت ليديا، المملكةُ القائمةُ في تركيا الحالية، ما يعتبره كثرٌ من المؤرخين أولى العُملاتِ النقدية: كُتَلٌ من خليط الذهب والفضة خُتمت بصورة أسد. انتشرت الفكرةُ إلى اليونان، حيث شرع الناس يتبادلون سلعهم مقابلَ العملاتِ في فضاءاتٍ عامةٍ تُدعى “أغورا”. وسرعان ما أوجد المالُ بدائلَ لنُظم العمل التقليدية؛ فبدلاً من العملِ في مزرعةِ مالكِ أرضٍ ثريٍّ لعامٍ كاملٍ مقابلَ الطعامِ والمأوى والكساء، أصبح بوسعِ المرءِ أن يتقاضى أجراً عن عملٍ قصيرِ الأجل. منح هذا الأمرُ الناسَ حريةَ تركِ وظيفةٍ سيئة، ولكنهُ أيضاً جلب معه قلقَ البحثِ عن عملٍ كلما دعت الحاجةُ إليه.
لم يكن أرسطو، على سبيل المثال، مقتنعاً بهذا التحول؛ فقد خامره القلقُ من أن الإغريق يفقدون شيئاً جوهرياً في غمرةِ سعيهم خلفَ العملاتِ المعدنية. ففجأةً، لم تعد ثروةُ المرءِ تُحدَّدُ بجهدهِ وأفكارهِ فحسب، بل وبدهائهِ ومكرهِ أيضاً. في صيفٍ من الصيفات، تنبأ الفيلسوف طاليس (صاحب القول المأثور: “اعرف نفسك”) بأن اليونان ستحظى بموسم زيتونٍ وفير. وقبل أن ينضج المحصول، استأجر جميع معاصر الزيتون في الجُزر، ليغتنيَ بعد ذلك حينما جاء موسم القطاف وأقبل عليه الجميع لعصر زيتونهم. قد نُسمي هذا اليوم حُسنَ تدبيرٍ تجاري؛ أما أرسطو فقد نعتهُ بأنه “غير طبيعي”.
ولم يكن أرسطو وحيداً في ارتيابه من التجارة. ففي الأساطير، كان هيرميس إلهَ التجارِ واللصوصِ في آنٍ واحد. وفي الأناجيل، تُروى قصةُ المسيحِ وهو يقلبُ موائدَ الصيارفةِ والتجارِ في هيكلِ أورشليم. فمنذ البداياتِ الأولى، وكما هو الحالُ اليوم، انطوت التجارةُ على معنى الاستغلال – استغلالِ المواردِ الطبيعيةِ واستغلالِ البشرِ. (على النقيض من ذلك، شيّد الإنكا حضارةً كاملةً دون مالٍ إطلاقاً، معتمدين فقط على نظامٍ معقدٍ من الجِزى والتخصصِ المُنظَّمِ للعمل).
ورغم كلّ شيء، انتشر مفهوم المالِ. ففي عام 995 للميلاد، ظهر النقدُ الورقيُّ في سيتشوان بالصين، حين أصدر تاجرٌ في مدينة تشنغدو إيصالاتٍ مُنمَّقةً للناس مقابلَ عملاتِهم الحديدية. أعفت هذه الأوراقُ الناسَ من العبءِ الماديِّ لحملِ ثرواتِهم، ممّا يسَّر التجارةَ عبر مسافاتٍ أبعد.
وبمرور الزمن، غدا المالُ رمزياً بشكل متزايد. كانت الأوراقُ النقديةُ الأولى بمثابة “صكوك دينٍ” قابلةٍ دوماً للاستبدالِ بعملاتٍ معدنيةٍ ذاتِ قيمٍ متنوعة. لكن في أواخر القرن الثالث عشر، اخترع الإمبراطورُ المغوليُّ قوبلاي خان نقوداً ورقيةً لا تستند إلى أيّ غطاءٍ ماديّ؛ لقد كانت مالاً لأن الإمبراطورَ قال إنها مال، وقَبِلَ الناسُ بذلك. وفي القرون التي تلت، استحضرت فكرةُ المالِ قفزاتٍ إيمانيةً أكثر إذهالاً مع اختراعِ البورصةِ، والمصارفِ المركزيةِ، ومؤخراً، العملاتِ المشفّرة.
اليوم، يبلغ حجمُ النقدِ الأمريكيِّ الماديِّ المتداولِ حوالي 2.34 تريليون دولار، ويُحتفظُ بما يصل إلى نصفِ هذا المبلغِ خارجَ البلاد. لا يمثل هذا سوى 10% من الناتجِ المحليِّ الإجماليِّ للبلاد (القيمة النقدية الكلية لجميع السلع والخدمات المنتجة). ويبلغ إجمالي الودائعِ المصرفيةِ الأمريكيةِ نحو 17 تريليون دولار. في المقابل، يصلُ إجمالي الثروةِ في هذا البلد، بما في ذلك الأصولُ غير النقدية، إلى قرابة 149 تريليون دولار، أي ما يزيد عن 63 ضعفَ إجمالي النقدِ المتاح. الفجواتُ السحيقةُ بين هذه الأرقامِ أشبهُ بالمادةِ المظلمةِ في الكون؛ فنحن لا نمتلكُ سبيلاً لحسابِها تجريبياً، ورغم ذلك، فبدونها ينهارُ فهمُنا للكونِ، أو للاقتصاد.
بالنسبةِ لغالبيةِ الناسِ في العالمِ المتقدم، المالُ هو مجردُ أسطرِ بياناتٍ على حاسوبِ مصرفٍ ما. المالُ مفهومٌ مجردٌ، بل وسخيف. إنه منظومةُ معتقداتٍ، لغةٌ، عقدٌ اجتماعيّ. المالُ هو الثقة. لكن قواعدَ هذه اللعبةِ ليست منقوشةً في الصخر. يكتبُ غولدشتاين: “ثمّةَ أمرٌ يتكررُ دوماً مع المال: أياً كان شكلُ المالِ في لحظةٍ معينة، فإنه يبدو الشكلَ الطبيعيَّ الذي ينبغي أن يكون عليه، وكلُّ ما عداهُ يبدو ضرباً من الجنونِ غيرِ المسؤول”.
المُعضِلة، كما رآها ألمانيّ واحد
قبل أكثرَ من قرنٍ من الزمان، اقترح سيلفيو جيزيل – رجلُ الأعمالِ الألمانيُّ غريبُ الأطوارِ، النباتيُّ، الداعيةُ إلى الحبِّ الحرِّ، والاقتصاديُّ العصاميُّ – إصلاحاً جذرياً للنظامِ النقديِّ الذي نعرفه. أرادَ أن يصنعَ نقوداً “تفسدُ” بمرورِ الوقت. لقد أوضحَ أن مالَنا الحاليَّ وسيلةُ تبادلٍ قاصرة؛ فالرجلُ الذي يمتلئُ جيبهُ بالمالِ لا يمتلكُ ثروةً مكافئةً للرجلِ الذي يحملُ كيساً من المحاصيلِ الزراعية، حتى وإن أجمعَ السوقُ على أن المحاصيلَ تساوي قيمةَ ذلك المال. يكتبُ جيزيل في مؤلَّفِهِ التأسيسيِّ “النظام الاقتصادي الطبيعي” (الصادر عام 1915): “فقط المالُ الذي يتقادمُ كصحيفةٍ، ويتعفَّنُ كبطاطا، ويصدأُ كحديدٍ، ويتبخَّرُ كأثيرٍ، هو القادرُ على الصمودِ في اختبارِ كونهِ أداةً لتبادلِ البطاطا والصحفِ والحديدِ والأثير”.
وُلِدَ جيزيل عام 1862 فيما يُعرف اليوم ببلجيكا، وكان السابعَ بين تسعةِ أشقاء. تركَ الدراسةَ الثانويةَ لعجزِ والديهِ عن تحمُّلِ نفقاتِها، وعملَ في خدمةِ البريد، ثم رحلَ في العشرينَ من عمرهِ إلى إسبانيا للعملِ في بيتٍ تجاريّ. وبعد أربعِ سنواتٍ، هاجرَ إلى الأرجنتين، حيث أسَّسَ شركةً لاستيرادِ المعداتِ الطبيةِ ومصنعاً لإنتاجِ الصناديقِ الكرتونية.
شهدت الأرجنتينُ طفرةً اقتصاديةً في ثمانينياتِ القرن التاسع عشر. فبفضلِ رؤوسِ الأموالِ المُقترَضةِ من أوروبا، استثمرت البلادُ في السككِ الحديديةِ وغيرها من مشاريعِ البنيةِ التحتيةِ بهدفِ فتحِ مواردِها أمامَ التجارةِ الدولية. إلا أنَّ عوائدَ تلكَ المشاريعِ تباطأت في الظهور، وعانتِ البلادُ لسدادِ ديونِها. وفي غضونِ ذلك، كان التضخمُ يلتهمُ قيمةَ العملة، وتتآكلُ الأجورُ الحقيقيةُ للعمال. وفي عام 1890، تخلَّفت الأرجنتينُ عن سدادِ ديونٍ وطنيةٍ تقاربُ 48 مليون جنيه إسترليني، كان معظمُها بضمانِ مصرفٍ تجاريٍّ بريطانيّ. فهوى الناتجُ المحليُّ الإجماليُّ بنسبة 11% في عامٍ واحد، وانزلقتِ البلادُ إلى ركودٍ عميقٍ واضطرابٍ سياسيٍّ خانق.
وفي عام 1898، انتهجت الحكومةُ الأرجنتينيةُ سياسةً انكماشيةً في محاولةٍ لمعالجةِ عللِها الاقتصادية. فارتفعتْ معدلاتُ البطالة، ودفعَ انعدامُ اليقينِ الناسَ إلى اكتنازِ أموالِهم. فتجمدَ الاقتصادُ وتوقفتْ عجلتُه. أدركَ جيزيل حينها أن المالَ متوفرٌ بكثرة، لكن المعضلةَ أنه لا يدور. وحاججَ بأن خصائصَ المالِ ذاتَها – أيْ ديمومتهُ وقابليتهُ للتكديس – هي ما يعيقُ تداوله: “حين تسودُ الثقة، يتدفقُ المالُ في السوق؛ وحين تنعدمُ الثقة، ينسحبُ المال”.
ويُعاني من هذا الخللِ أولئكَ الذين يعيشون على كدِّهم وعرقِ جبينِهم. فإذا ذهبتُ إلى السوقِ لأبيعَ سلةً من الخيارِ في وقتٍ تنخفضُ فيه أسعارُ الغذاء، فقد يُحجمُ المشتري عن شرائِها، مفضلاً الانتظارَ للأسبوعِ القادمِ ليحصلَ عليها بسعرٍ أقل. لكن خياري لن يصمدَ لأسبوع، فأُضطرُّ لخفضِ سعري. وهكذا قد تنشأُ حلقةٌ مُفرغةٌ من الانكماش. وقد عبّرَ عن ذلكَ الاقتصاديُّ الفرنسيُّ بيير جوزيف برودون بقوله: “تتخيلُ أن المالَ هو المفتاحُ الذي يفتحُ أبوابَ السوق. ليس هذا صحيحاً – المالُ هو المزلاجُ الذي يُوصدُها”.
وتتمادى عيوبُ المالِ إلى أبعدَ من ذلك، كما كتب جيزيل. فعندما تحصلُ المشاريعُ الصغيرةُ على قروضٍ من المصارف، يتوجبُ عليها دفعُ فوائدَ على تلكَ القروض، مما يعني اضطرارَها لرفعِ الأسعارِ أو خفضِ الأجور. وهكذا، تُصبحُ الفائدةُ كسباً خاصاً على حسابِ الصالحِ العام. وفي واقعِ الممارسة، يزدادُ الأغنياءُ ثراءً والفقراءُ فقراً. واقتصادُنا حافلٌ بأمثلةٍ على ذلك، حيث يجني أصحابُ المالِ المزيدَ (كاستثماراتِ صناديقِ التحوطِ عاليةِ العائدِ التي تتطلبُ حداً أدنى 100 ألف دولار)، بينما يتحملُ من لا يملكون تكاليفَ باهظةً (مثلَ قروضِ الربا الفاحشِ المفترسة). يكتبُ جيزيل: “التاجرُ والعاملُ وسمسارُ البورصةِ جميعُهم يسعون لهدفٍ واحد: استغلالُ ظروفِ السوق، أي استغلالُ الجمهورِ عامةً. ولعلَّ الفرقَ الوحيدَ بين الربا والتجارةِ هو أن المرابيَ المحترفَ يوجِّهُ استغلالَهُ بشكلٍ أكثرَ تحديداً ضدَّ أشخاصٍ بعينِهم”.
ويرى جيزيل أن الدافعَ الأكثرَ مكافأةً في اقتصادِنا الحاليِّ هو أن نُعطيَ أقلَّ ما يمكنَ وأن نأخذَ أكثرَ ما يمكنَ في كلِّ معاملة. وبفعلِنا هذا، كما يعتقد، نزدادُ فقراً على الصعيدِ الماديِّ والأخلاقيِّ والاجتماعيّ. ويرثي حالنا قائلاً: “إن استغلالَ حاجةِ القريب، والنهبَ المتبادلَ المُمَارَسَ بكلِّ حيلِ البيعِ وألاعيبهِ، هو أساسُ حياتِنا الاقتصادية”.
ولمعالجةِ هذه العللِ الاقتصاديةِ والاجتماعية، أوصى جيزيل بتغييرِ طبيعةِ المالِ نفسِها بحيث تعكسُ بشكلٍ أفضلَ طبيعةَ السلعِ التي يُتبادلُ بها. فكتبَ قائلاً: “يجبُ أن نجعلَ المالَ أسوأَ كسلعةٍ إذا أردنا أن نجعلهُ أفضلَ كوسيطٍ للتبادل”.
ولتحقيقِ ذلك، ابتكرَ شكلاً من المالِ مُنتهي الصلاحيةِ أسماهُ “فرايْجِلد” (Freigeld)، أي “المال الحر” (حرٌّ لأنه سيتحررُ من قيودِ الاكتنازِ والفائدة). وتقومُ النظريةُ على الآتي: الورقةُ النقديةُ من فئةِ 100 دولار من هذا المالِ ستحملُ على ظهرِها 52 خانةً مُؤرَّخة، ويتوجبُ على حاملِها أن يُلصِقَ طابعاً بقيمةِ 10 سنتاتٍ كلَّ أسبوعٍ لكي تحتفظَ الورقةُ بقيمتِها الاسميةِ (100 دولار). فإذا احتفظتَ بالورقةِ لعامٍ كامل، سيتعيَّنُ عليكَ إلصاقُ 52 طابعاً – بتكلفةٍ إجماليةٍ قدرُها 5.20 دولار – لكي تظلَّ قيمةُ الورقةِ 100 دولار. وهكذا، تنخفضُ قيمةُ الورقةِ بنسبةِ 5.2% سنوياً على حسابِ حاملِها (أو حامليها). (ويمكنُ ضبطُ قيمةِ الطوابعِ ومعدلِ إلصاقِها حسبَ الحاجة).
يعملُ هذا النظامُ بعكسِ نظامِنا الحاليِّ تماماً، حيث تزدادُ قيمةُ المالِ المُحتفَظِ بهِ بمرورِ الوقتِ بفعلِ تراكمِ الفائدة. أما في نظامِ جيزيل، فتُمثِّلُ الطوابعُ تكلفةً فردية، بينما تُصبحُ الإيراداتُ المتأتيةُ منها كسباً عامّاً، مما يُقلِّلُ حجمَ الضرائبِ الإضافيةِ التي تحتاجُ الحكومةُ لجبايتِها، ويُمكِّنُها من دعمِ العاجزينَ عن العمل.
ويمكنُ إيداعُ هذا المالِ في المصرف، حيثُ يحتفظُ بقيمتهِ لأن المصرفَ سيتحملُ مسؤوليةَ إلصاقِ الطوابع. ولكي يتجنبَ المصرفُ دفعَ تكلفةِ الطوابع، سيُحفَّزُ على إقراضِ المالِ بسرعة، مُمرِّراً بذلك عبءَ الاحتفاظِ بهِ إلى الآخرين. وفي رؤيةِ جيزيل، ستقرضُ المصارفُ المالَ بسخاءٍ لدرجةِ أن أسعارَ الفائدةِ ستنخفضُ في نهايةِ المطافِ إلى الصفر، ولن تجبيَ المصارفُ سوى قسطِ مخاطرةٍ ضئيلٍ ورسومٍ إدارية.
ومعَ استخدامِ هذه العملةِ “المُدمَّغةِ”، ستُطلَقُ الطاقاتُ الإنتاجيةُ الكامنةُ للاقتصادِ عنانَها. وسيُصبحُ رأسُ المالِ في متناولِ الجميع. وفي الوقتِ نفسهِ، سيُحافظُ “مكتبٌ للعملةِ” على استقرارِ الأسعارِ عبرَ مراقبةِ كميةِ المالِ المتداول؛ فإذا ارتفعتِ الأسعار، أتلفَ المكتبُ جزءاً من المال، وإذا انخفضت، طبعَ المزيد. في ظلِّ هذا الاقتصاد، سيدورُ المالُ بسرعةِ لعبةِ “البطاطا الساخنة”. ولن يعودَ هناكَ مجالٌ “للدخلِ غيرِ المكتسبِ” الذي يجنيَهُ المُرابونَ من الفوائد. بل سيرتبطُ النجاحُ الاقتصاديُّ للفردِ ارتباطاً مباشراً بجودةِ عملهِ وقوةِ أفكارِه. وتصوّرَ جيزيل أن هذا سيخلقُ نوعاً من “الانتخابِ الطبيعيِّ” الداروينيِّ في الاقتصاد: “فالمنافسةُ الحرةُ ستُحابي الأكفاءَ وتقودُ إلى تكاثرِهم”.
وسيُصاحِبُ هذا “النظامَ الاقتصاديَّ الطبيعيَّ” الجديدَ إصلاحٌ في ملكيةِ الأرضِ – “الأرض الحرة” – حيثُ لا تعودُ الأرضُ ملكيةً خاصة. سيُعوَّضُ مُلّاكُ الأراضي الحاليونَ من قِبَلِ الحكومةِ بسنداتٍ أرضيةٍ تُسدَّدُ على مدى 20 عاماً. ثم يدفعونَ إيجاراً للحكومة، وهذا الإيجارُ، كما تصوَّرَ جيزيل، سيُستخدَمُ لتغطيةِ النفقاتِ الحكوميةِ ولإنشاءِ مخصصاتٍ سنويةٍ للأمهاتِ، بهدفِ مساعدةِ النساءَ على تحقيقِ استقلالهنَّ الاقتصاديِّ عن الرجالِ والتحررِ من أيِّ علاقةٍ إذا رغبنَ في ذلك.
لقد أنقذتْ أفكارُ جيزيل روحَ المُبادرةِ الفرديةِ التنافسيةِ مما اعتبرهُ هو عيوباً بنيويةً في الرأسمالية. يمكنُ وصفُ جيزيل بأنه اشتراكيٌّ مناوئٌ للماركسية؛ فقد كان ملتزماً بالعدالةِ الاجتماعية، لكنه اتفقَ أيضاً مع آدم سميث على أن المصلحةَ الذاتيةَ هي الأساسُ الطبيعيُّ لأيِّ اقتصاد.
وبينما دعا ماركس إلى السيادةِ السياسيةِ للمُعدَمينَ عبرَ التنظيم، حاججَ جيزيل بأننا بحاجةٍ فقط لإزالةِ العوائقِ الاقتصاديةِ لنُطلقَ العنانَ لقدرتِنا الإنتاجيةِ الحقيقية. يمكنُ، كما أكدَ، “تكبيرُ الكعكةِ” وتقاسمُها بعدالةٍ أكبرَ عبرَ تغييراتٍ بنيوية، لا بإعادةِ توزيعِها عبرَ ثورة. وكتبَ متسائلاً: “لن نُورِّثَ خلفَنا نبعَ دخلٍ دائمَ الفيضان، ولكن أليسَ كافياً أن نُورِّثَهم ظروفاً اقتصاديةً تكفلُ لهم جنيَ ثمارِ عملِهم كاملةً؟”
ورغم أن كثيرينَ نبذوا جيزيل واعتبروهُ مُهرطِقاً فوضوياً، إلا أن أفكارَهُ لقيتْ ترحيباً لدى كبارِ الاقتصاديينَ في عصرِه. ففي كتابهِ “النظرية العامة للتشغيل والفائدة والنقود”، خصصَ جون ماينارد كينز خمسَ صفحاتٍ لجيزيل، واصفاً إياه بـ “النبيِّ الغريبِ الأطوارِ والمُهمَلِ بغيرِ حقّ”. وأكدَ كينز أن الفكرةَ الكامنةَ وراءَ العملةِ المُدمَّغةِ سليمةٌ. وكتبَ: “أعتقدُ أن المستقبلَ سيتعلّمُ من روحِ جيزيل أكثرَ ممّا سيتعلّمُ من روحِ ماركس”.
في عام 1900، تقاعدَ جيزيل وامتهنَ الزراعةَ في سويسرا، حيثُ أصدرَ منشوراتٍ وكتباً ومجلةً عن الإصلاحِ النقديّ. وفي عام 1911، انتقلَ إلى “إيدن”، وهي مستوطنةٌ تعاونيةٌ نباتيةٌ ذاتُ ضريبةٍ موحدةٍ تقعُ خارجَ برلين، وهناك انتقدَ الزواجَ الأحاديَّ ودعا إلى الحبِّ الحرّ. وفي عام 1919، حين أعلنَ شعراءٌ ومسرحيونَ مسالمونَ قيامَ جمهوريةِ بافاريا السوفيتيةِ في ميونيخ، عرضوا على جيزيل منصبَ وزيرِ المالية. فوضعَ جيزيل خططاً لإصلاحِ الأراضي، وتطبيقِ الدخلِ الأساسي، وإصدارِ “المالِ الحر”. لكنَّ الجمهوريةَ لم تدمْ سوى أسبوعٍ واحدٍ قبلَ أن يُطيحَ بها الحزبُ الشيوعيُّ ثم الجيشُ الألمانيّ، الذي اعتقلَ جيزيل ووجّهَ إليهِ تهمةَ الخيانة. وقدّمَ جيزيل دفاعاً مُفعماً بالحماسِ أمامَ المحكمة، قائلاً: “أنا لا أُهاجمُ رأسَ المالِ بالقوة، ولا بالإضراباتِ وشلِّ الأعمالِ والمصانع، ولا بالتخريب. أنا أُهاجمهُ بالسلاحِ الوحيدِ المُتأصِّلِ في البروليتاريا: العمل. فبتوصيتي للجماهيرِ بالعملِ الدؤوبِ الذي لا يعرفُ الكللَ ولا القيود، أُسقِطُ صنمَ الفائدة”. بُرِّئَ جيزيل وعادَ إلى الكتابة. وتُوفيَ بالتهابٍ رئويٍّ عام 1930، في “إيدن”، عن عمرٍ ناهزَ 67 عاماً.
ثم حدثَ الأمرُ فعلاً
في العامِ نفسهِ الذي تُوفيَ فيه جيزيل (1930)، حاولَ مالكُ منجمِ فحمٍ مُعطَّلٍ قربَ بلدةِ شفاننكيرشن البافاريةِ عبثاً الحصولَ على قرضٍ مصرفيٍّ لإعادةِ تشغيلِ المنجم. وبعدَ أن أُحبِطَ مسعاهُ لدى ممثلي التمويلِ التقليدي، توجَّهَ إلى “جمعيةِ تبادلِ ڤارا” (Wära)، وهي مجموعةٌ أُنشئتْ لتطبيقِ أفكارِ جيزيل. وافقتِ الجمعيةُ على منحِ مالكِ المنجمِ 50 ألفَ “ڤارا”، وهي عملةٌ متناقصةُ القيمةِ تُعادلُ 50 ألفَ رايخ مارك ألماني.
جمعَ مالكُ المنجمِ عمالَ المناجمِ العاطلينَ وسألهم إن كانوا مستعدينَ للعودةِ إلى العمل، لا مقابلَ العملةِ القانونية، بل مقابلَ هذه العملةِ الجديدة. فوافقوا على أن أيَّ مالٍ أفضلُ من لا شيء. اشترى مالكُ المنجمِ الطعامَ والكساءَ والمستلزماتِ المنزليةَ من مخازنَ كانتْ تستخدمُ عملةَ “ڤارا” بالفعل. واستخدمَ العمالُ، الذين عادوا لحفرِ الفحم، أجورَهم لشراءِ هذه السلعِ من مالكِ المنجم. وسرعانَ ما رغبتْ مشاريعُ تجاريةٌ أخرى في البلدةِ باستخدامِ العملةِ للاستفادةِ من التدفقِ النقديِّ المفاجئ. ولأنَّ قيمةَ العملةِ كانتْ تتناقصُ بنسبةِ 1% شهرياً، كانَ الجميعُ يتوقونَ للتخلُّصِ منها، فدارتْ بسرعةٍ هائلةٍ في شتّى مفاصلِ الاقتصاد. وفي وقتٍ قصير، حلّتْ عملةُ “ڤارا” محلَّ الرايخ مارك في مقاطعاتٍ بأكملِها، مما أثارَ قلقَ المصارفِ الكبرى والحكومة. وأخيراً، أنهى مصرفُ الرايخ (البنك المركزي الألماني) التجربةَ بحظرِ تداولِ العملة.
وبعدَ عامين، في بلدةِ ڤورغل (Wörgl) النمساوية، بُعثتْ أفكارُ جيزيل من جديد. ففي عام 1932، سعى عمدةُ البلدة، وهو مهندسُ قاطراتٍ اشتراكيّ، يائساً لإعادةِ ناخبيهِ إلى سوقِ العمل. ولكونهِ من مؤيدي أفكارِ جيزيل، وضعَ خطةً تُستبدَلُ بموجبِها الشلناتُ النمساويةُ بـ “شهاداتِ عملٍ” تتناقصُ قيمتُها بنسبةِ 1% شهرياً.
وظّفَ العمدةُ أبناءَ البلدة، ودفعَ لهم أجورَهم بـ “شهاداتِ العمل”، لتعبيدِ الطرقِ وتركيبِ إنارةِ الشوارعِ وبناءِ جسرٍ خرسانيّ. دارتْ شهاداتُ العملِ بسرعةٍ بينَ التجارِ والمستأجرينَ والمُلّاكِ وحساباتِ الادخار. وسارعَ الناسُ لدفعِ ضرائبِهم مبكراً لتجنبِ دفعِ تكلفةِ الطوابع. وفي عامٍ واحد، تبودلتْ شهاداتُ العملِ 463 مرة، مُولِّدةً سلعاً وخدماتٍ بقيمةِ 15 مليون شلن نمساوي تقريباً. وبالمقارنة، لم يُتبادَلِ الشلنُ العاديُّ سوى 21 مرةً فقط خلالَ الفترةِ نفسِها. أُطلِقَ على التجربةِ اسمُ “معجزةِ ڤورغل”. ولفتتْ انتباهَ صحفِ فيينا. وأبدتْ الحكومةُ الفرنسيةُ اهتمامَها. وشرعَ مئتا عمدةٍ في النمسا بتصميمِ برامجَ مماثلةٍ في مجتمعاتِهم. لكنْ مرةً أخرى، شعرتِ السلطاتُ الماليةُ بالانزعاج، بحجةِ أن هذهِ العملاتِ المحليةَ المُدمَّغةَ تُقوِّضُ سلطةَ البنكِ الوطنيِّ في إصدارِ العملة. وبحلولِ خريفِ عام 1933، حظرتِ المحكمةُ النمساويةُ العُليا تداولَها.
وجرتْ تجاربُ “جيزيليةٌ” مماثلةٌ في الولاياتِ المتحدةِ وكندا أيضاً، مدفوعةً بأزمةِ الكسادِ الكبير. ففي عام 1932، في هاواردن بولايةِ آيوا، طُرِحَ للتداولِ مبلغٌ محدودٌ من عملةٍ مُدمَّغةٍ لدفعِ تكاليفِ الأشغالِ العامة. وفي العامِ نفسهِ، طُبِّقَ برنامجٌ مشابهٌ في آناهايم بكاليفورنيا. وفي عام 1933، حاولتْ ولايةُ أوريغون طباعةَ ما قيمتهُ 80 مليون دولار من هذه العملة، لكنَّ وزارةَ الخزانةِ الأمريكيةَ أوقفتِ المحاولة. كما طرحتْ حكومةُ رئيسِ الوزراءِ ويليام “بايبل بيل” أبيرهارت في مقاطعةِ ألبرتا الكنديةِ “شهاداتِ الرخاء” متناقصةَ القيمةِ عام 1936 (والتي سرعانَ ما أطلقَ عليها الناسُ اسمَ “دولاراتِ السرعة”). وخلالَ ذلكَ العقدِ في الولاياتِ المتحدة، حاولتْ 37 مدينةً وثماني مقاطعاتٍ وبعضُ مجموعاتِ الأعمالِ إصدارَ ما يقاربُ 100 نوعٍ مختلفٍ من العملاتِ المُدمَّغة. كانتْ كلُّ هذهِ التجاربِ محليةً، ومحدودةَ النطاقِ، وقصيرةَ الأجل. وفي عام 1933، حاولَ الاقتصاديُّ إيرفينغ فيشر، الذي وصفَ نفسهُ بأنه “تلميذٌ متواضعٌ لسيلفيو جيزيل”، إقناعَ الرئيسِ فرانكلين روزفلت بتبني عملةٍ مُدمَّغةٍ على المستوى الوطنيّ، بل ونجحَ في إقناعِ سيناتورٍ من ألاباما بتقديمِ مشروعِ قانونٍ كان سيُصدِرُ ما يصلُ إلى مليارِ دولارٍ من العملةِ متناقصةِ القيمة. لكنَّ مشروعَ القانونِ لم يُطرَحْ للتصويتِ أبداً؛ فقد كان روزفلت، الذي يستعدُّ لإخراجِ البلادِ من معيارِ الذهب، يخشى أن تؤدي أيُّ ابتكاراتٍ اقتصاديةٍ إضافيةٍ إلى زعزعةِ الاستقرارِ بشكلٍ كبير.

ومن بينِ مَنْ بشّروا بأفكارِ جيزيل أيضاً المعماريُّ فرانك لويد رايت والشاعرُ عزرا باوند، ابنُ خبيرِ فحصِ المعادنِ في دارِ سكِّ العملةِ الأمريكيةِ بفيلادلفيا. ففي طفولتهِ، زارَ باوند أباهُ في عملهِ؛ وهناك، في قبوٍ سفليّ، رأى رجالاً عراةَ الصدورِ يتصببون عرقاً وهم يغرفونَ بمجارفَ عملاقةٍ عملاتٍ فضيةً تُقدّرُ بملايينِ الدولاراتِ ويلقونَ بها في آلاتِ العدِّ “كما لو كانتْ قمامة”. ولاحقاً، كتبَ أن من غيرِ الطبيعيِّ أن يخلقَ المُموِّلُ مالاً من لا شيء بمجردِ جنيِهِ فوائدَ القروض. ورأى الشاعرُ أن نظامَنا الاقتصاديَّ الحاليَّ يُثبِّطُ العملَ الحقيقيَّ والإبداعَ، بينما يُحفِّزُ التلاعبَ بالأسواقِ والخُططَ الماكرةَ – وغيرَ النزيهةِ أحياناً – لجنيِ الربح. بالنسبةِ لباوند، غدا مفهومُ المالِ مُهيْمِناً وبديهياً إلى درجةِ أنه أصبحَ غايةً في ذاتهِ، لا وسيلةً كما كانَ يُفترضُ بهِ أن يكون.
وفي عام 1935، كتبَ مقالاً بعنوان “فيمَ يُستخدمُ المال؟” روّجَ فيه بحماسةٍ بالغةٍ لنقودِ جيزيل المُنتهيةِ الصلاحية. وكتبَ: “إنَّ هدفَ أيِّ نظامٍ اقتصاديٍّ سويٍّ ولائقٍ هو ترتيبُ الأمورِ بحيثُ يتمكّنُ الناسُ الكرامُ من الأكلِ وامتلاكِ الكساءِ والمأوى في حدودِ ما هو متاحٌ من سلع”.
أطلقَ باوند على فكرةِ جيزيل اسمَ “المالِ النباتيِّ”، وحاججَ بأنها قوةُ مُعادَلةٍ ضروريةٌ حتى لا يمتلكَ شخصٌ ثروةً ماليةً تتراكمُ في مصرفٍ بينما يمتلكُ آخرونَ ثروةً من البطاطا تتعفنُ في قبوِ بيتِهم. وفي نظرِ باوند، لا ينبغي أن تُقاسَ ثروةُ الأمةِ بمقدارِ ما لديها من مال، بل بازدهارِ فنونِها الإبداعيةِ والإنتاجية. فكتبَ: “حين لا تمتلكُ الأمةُ بأسرِها ما يكفي من غذاءٍ لشعبِها أو لا تستطيعُ تأمينَهُ، فتلكَ أمةٌ فقيرة. وحين يتوفرُ الغذاءُ الكافي ولا يستطيعُ الناسُ الحصولَ عليهِ بعملٍ شريف، فتلكَ دولةٌ فاسدة”.
بالنسبةِ لباوند، المالُ “العضويُّ” – الخاضعُ للولادةِ والفناء، المتدفقُ بحريةٍ بين الناسِ والمُيسِّرُ للكرمِ – هو الأقدرُ على ربطِ أوصالِ المجتمعِ بدلاً من عزلِ أفراده. فالمالُ المُنتهي الصلاحيةِ من شأنهِ أن يُثريَ الكلَّ، لا القِلّةَ المُختارة. لقد كانَ الربا – والذي يمكنُ أن نفهمَهُ هنا بمعنى الرأسماليةِ المُنفلتةِ من عقالِها – مسؤولاً عن موتِ الثقافةِ في حقبةِ ما بعدَ الإصلاحِ الدينيّ.
انتقلَ باوند في نهايةِ المطافِ إلى إيطاليا واعتنقَ فاشيةَ بينيتو موسوليني، داعياً إلى دولةٍ قويةٍ لفرضِ هذهِ الأفكار. وبذلكَ، تخلّى عن مثاليتِهِ الفنيةِ لصالحِ الحكمِ الاستبداديّ. كانَ باوند متشدداً في قناعاتهِ الاقتصادية، لكنهُ كانَ واقعياً أيضاً في نظرتهِ للطبيعةِ البشرية. فكتبَ: “أنشئْ نظاماً نقدياً مثالياً وعادلاً، وفي غضونِ ثلاثةِ أيامٍ سيبدأُ الأوغادُ – أولئكَ الأنجالُ ذوو العقليةِ التجاريةِ الاحتكاريةِ – بالتفكيرِ في حيلةٍ ما لخداعِ الناس”.
ماذا يعني هذا اليوم؟
يقولُ ديفيد أندولفاتو، النائبُ الأولُ السابقُ لرئيسِ بنكِ الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس ورئيسُ قسمِ الاقتصادِ بجامعةِ ميامي حالياً: “إن فكرةَ جيزيل عن المالِ المُتناقصِ القيمةِ تتعارضُ مع كلِّ ما تعلمناهُ عن الخصائصِ المرغوبةِ للمال. فلماذا بحقِّ السماءِ قد نرغبُ بأن يتصفَ المالُ بهذهِ الخاصية؟”
ولكنْ خلالَ الانكماشِ الاقتصاديِّ الذي أعقبَ جائحةَ كوفيد، أدركَ أندولفاتو القيمةَ الكامنةَ للمالِ المُنتهي الصلاحيةِ في أوقاتِ الأزمات. فشيكاتُ الإغاثةِ التي أرسلتْها الحكومةُ للأسرِ الأمريكيةِ لم تُحدِثْ أثرَها الفوريَّ المنشودَ في تحفيزِ الاقتصادِ، لأنَّ كثيراً من الناسِ ادّخروا المالَ بدلاً من إنفاقِه. وهذهِ هي “مفارقةُ التوفيرِ”، كما أوضحَ أندولفاتو: فما هو جيدٌ للفردِ قد يكونُ سيئاً للمجموع.
يتذكرُ أندولفاتو تساؤلهُ آنذاك: “حسناً، ماذا لو أعطيناهم المالَ ومعهُ فتيلٌ زمنيّ؟ أن تُعطيهم المالَ وتقولَ لهم: انظروا، إن لم تُنفقوهُ خلالَ فترةٍ زمنيةٍ محددة، فسوف يتبخّر”.
وفي ورقةٍ بحثيةٍ أعدّها للاحتياطي الفيدرالي عام 2020، أطلقَ أندولفاتو على هذا المفهومِ اسمَ “ائتماناتِ المالِ الساخن”. وأشارَ إلى أنهُ حينَ يدخلُ الاقتصادُ في حالةِ ركود، يحدثُ ما يُسمّى “فشلَ التنسيق”، حيثُ يتوقفُ الناسُ عن الإنفاقِ، فيتوقفُ آخرونَ عن الكسب. إنَّ حجبَ المالِ في أوقاتِ الخوفِ يخلقُ نبوءةً تُحقِّقُ ذاتَها بذاتِها عبرَ زيادةِ خنقِ الاقتصاد. فهل يمكنُ لفكرةِ جيزيل عن المالِ المُنتهي الصلاحيةِ أن تكونَ الدواء؟
أجابني أندولفاتو: “إنَّ مدى استصوابِ الأمرِ يعتمدُ على التشخيص. الأمرُ أشبهُ بطبيبٍ يُعطي دواءً لشخصٍ سليمٍ وآخرَ مريض. أنتَ تُعطي الدواء، ولهُ آثارٌ جانبية. فإذا كانَ الشخصُ سليماً، لنْ تجعلَهُ الدواءُ أفضلَ حالاً، بل قدْ تجعلُهُ أسوأ. أما إذا كانَ مريضاً، فقد يُحسِّنُ الدواءُ حالَه”.
المشكلةُ، كما قالَ أندولفاتو، هي أن إصدارَ شيكاتِ الجائحةِ بتاريخِ صلاحيةٍ سيضرُّ بأولئكَ الذين لا يملكون مدخراتٍ تُذكر. فالأشخاصُ الذين لديهم مالٌ في المصرفِ سيستخدمونَ هذا المالَ المُنتهيَ الصلاحيةِ كما يستخدمونَ المالَ العادي. أما من لا يملكون مدخرات، فقد يجدونَ أن هذا المالَ يُجبرُهم على الإنفاقِ لكنهُ لا يُسهمُ كثيراً في تحقيقِ استقرارٍ لأوضاعِهم المالية. وأردفَ أندولفاتو أنهُ منذُ أن كتبَ تلكَ الورقة، تعافى الاقتصادُ الأمريكيُّ بشكلٍ لافتٍ في ظلِّ سياساتٍ لم تتضمنْ إصلاحاتِ جيزيل الجذرية. وقال: “أعترفُ بأن الفكرةَ تستهويني. يمكنكَ تطبيقُها على مستوىً محليّ. لكنْ أتساءل، من الناحيةِ العملية، هل يمكنُ تطبيقُها على نطاقٍ واسع؟”
اعتبرَ كينز فكرةَ جيزيل عن المالِ المُنتهي الصلاحيةِ بمثابةِ “نصفِ نظرية”؛ فهي، كما حاججَ كينز، تُغفِلُ تفسيرَ تفضيلِ الناسِ للأصولِ السائلة، والتي ليسَ المالُ سوى مثالٍ واحدٍ عليها. ويقولُ ويليم بويتر، كبيرُ الاقتصاديينَ العالميينَ السابقُ في سيتي جروب: “المالُ كوسيطٍ للتبادلِ يجبُ أن يكونَ أيضاً مخزناً للقيمة”. وفي اقتصادٍ “جيزيليّ”، كما يتابعُ بويتر، سيقومُ الأثرياءُ ببساطةٍ بتخزينِ ثرواتِهم في شكلٍ آخر – كسبائكِ الذهبِ، ربما، أو القوارب – والتي يمكنُ تحويلُها إلى مالٍ حين يرغبونَ في إجراءِ المعاملات.
لا يعتقدُ بويتر أن مالَ جيزيل يمكنهُ حقاً معالجةُ اللامساواةِ الاجتماعيةِ العميقة، لكنهُ أشارَ إلى وجودِ أوقاتٍ كانَ من المفيدِ فيها للبنكِ المركزيِّ خفضُ أسعارِ الفائدةِ إلى ما دونَ الصفر، كما في حالاتِ انخفاضِ التضخمِ وأسعارِ الفائدةِ في السوقِ وحاجةِ الاقتصادِ لمزيدٍ من الخفضِ للحفاظِ على العمالةِ الكاملةِ واستغلالِ الموارد. ويمكنُ بسهولةٍ تطبيقُ أسعارِ فائدةٍ موجبةٍ أو سالبةٍ على المالِ الرقميِّ في اقتصادٍ غيرِ نقديّ، وهو ما دعا إليهِ بويتر وآخرون. لكن من الصعبِ تخيُّلُ كيف يمكنُ لحكومةٍ اليومَ أن تُطبِّقَ عملياً ضريبةً “جيزيليةً” على العملةِ المادية. يقولُ بويتر: “سيتعيّنُ عليكَ أن تكونَ قادراً على الخروجِ ومصادرةِ الأموالِ غيرِ المُدمَّغة. سيكونُ الأمرُ وحشياً إلى حدٍّ ما”.
في عام 1938، قضى عالِمُ النفسِ أبراهام ماسلو – الذي اشتهرَ لاحقاً بـ”هرمِ الحاجاتِ” الذي رتّبَ الضروراتِ البشريةَ من الفسيولوجيةِ (الهواء، الماء، الغذاء) إلى المُتعالية – ستةَ أسابيعَ معَ شعبِ السِّكْسِيكا (ذوي الأقدامِ السوداء) في جنوبِ ألبرتا. فاكتشفَ مجتمعاً لا تُقاسُ فيهِ الثروةُ بالمالِ أو بالمُمتلكات. فكتبَ: “إنَّ أغنى رجلٍ في نظرِهم هو ذاكَ الذي لا يملكُ شيئاً تقريباً، لأنهُ وهبَ كلَّ شيء”.
بالنسبةِ لغالبيتِنا اليوم، المالُ هو الضمان. نحنُ نعيشُ في ثقافةٍ يُشكِّلُ فيها السعيُّ وراءَ الأمانِ الأولويةَ القصوى. “ادَّخِروا المال”، هكذا يُقالُ لنا – لمواجهةِ أزمةٍ صحية، لتعليمِ أبنائِنا الجامعيّ، للتقاعد. ولكنْ هل يمكنُ حقاً الحصولُ على أيِّ ضمانٍ لسلامتِنا في الحياة، سواءٌ بالمالِ أو بأيِّ شيءٍ آخر؟
في كتابِها الجديدِ “عصرُ انعدامِ الأمان”، تكتبُ الناشطةُ أسترا تايلور: “اليوم، كثيرٌ من السُّبُلِ التي نحاولُ بها جعلَ أنفسِنا ومجتمعاتِنا أكثرَ أمناً – كالمالِ والمُلكيةِ والمُمتلكاتِ والشرطةِ والجيشِ – لها تأثيراتٌ متناقضة، إذ تُقوِّضُ الأمانَ ذاتَهُ الذي نسعى إليهِ، وتُسرِّعُ الضررَ اللاحقَ بالاقتصادِ والمناخِ وحياةِ الناس، بما في ذلكَ حياتُنا نحن”.
إنَّ العواقبَ الوخيمةَ لتراكمِ الثروةِ بلا قيودٍ واضحةٌ للعيان: فانتهاكاتُ حقوقِ الإنسانِ والفسادُ وتدميرُ الكوكبِ، كلُّها جرى تبريرُها في غمرةِ السعيِّ المحمومِ خلفَ الثروة. ومن الممكنِ تخيُّلُ تجسيداتٍ عديدةٍ للمالِ تخدمُ قيماً مختلفة. ففرضُ سعرٍ على انبعاثاتِ الكربونِ هو أحدُ السُّبُلِ لتعويضِ الضررِ البيئيِّ الناجمِ عن النموِّ الاقتصاديّ. كما أنَّ الدخلَ الأساسيَّ الشاملَ والتعليمَ العاليَ المجانيَّ سيساعدانِ في إعادةِ توزيعِ رأسِ المالِ الماليِّ والاجتماعيِّ وتحقيقِ المساواةِ فيه.
وتُطرَحُ أسئلةٌ أكثرُ جذرية: ماذا لو أنَّ المالَ الذي يجمعُهُ المرءُ في حياتهِ يموتُ بموته؟ ماذا لو حدّدَ الخبراءُ الاكتواريونَ مقدارَ المالِ الذي يحتاجُهُ الناسُ لعيشِ حياةٍ كريمة، ووُضِعَ سقفٌ للأرباحِ عندَ هذا الحدّ؟ كيفَ سيبدو عالمٌ تُحدِّدُ فيهِ حماسةُ المرءِ في عملهِ – لا مجردُ الحظِّ والجغرافيا والامتيازاتِ – مقدارَ ثروته؟
في كتابِ “الرجلُ الذي هجرَ المال”، يكتبُ مارك صندين عن رجلٍ في ولايةِ يوتا أودعَ مُدَّخراتِ حياتهِ في كابينةِ هاتف، مُنسحِباً بذلكَ من مؤسسةِ المالِ برُمَّتِها. وهذا تقليدٌ عريقٌ لدى الأتقياءِ ومُحطِّمي الأصنامِ في شتّى أنحاءِ العالم – أنْ يصبحَ المرءُ مُعتزِلاً لكي يُوافقَ نفسَهُ معَ إيقاعاتٍ تتجاوزُ الأعرافَ الاجتماعية. وكثيرٌ من أكثرِ الناسِ جاذبيةً تُحرِّكُهم عواطفُ وشغفٌ لا يجلبُ لهم مالاً، لكنهُ يُضفي على حياتِهم ثراءً لا يمكنُ للمالِ شراؤهُ. فحينَ نجدُ تلكَ الأشياءَ التي تُسنِدُنا – كالفنِّ والهواياتِ وخدمةِ الآخرين – فإنَّ قيمةَ هذهِ الأنشطةِ تتجاوزُ المالَ لتُشبعَنا على مستوىً أعمقَ وروحانيّ.
قد يكونُ المالُ لغةً، طريقةً لترجمةِ القيمةِ بمصطلحاتٍ نفهمُها جميعاً، لكنَّ المالَ ليسَ مجملَ ما لدينا لنقولَه. فكلما زادَ مالُ المرء، قلَّ المعنى الذي يحملُهُ العملُ بالنسبةِ له. وفي الوقتِ نفسهِ، فإنَّ أكثرَ الأعمالِ معنىً في الحياة، كتربيةِ الأبناءِ أو طهيِ وجبةٍ للآخرين، غالباً ما تكونُ بلا أجر. ومعَ ذلك، فهذا هو جوهرُ الحياةِ، هذا هو النسيجُ الذي يُحدِّدُ من نحنُ وكيفَ سيذكرُنا الآخرون.
اعتقدَ جيزيل أن الرأسماليةَ قد تغلبتْ على الشيوعية، لكنهُ أدركَ عيوبَ نظامِنا الاقتصاديِّ الحاليّ. فكتبَ: “الخيارُ يكمنُ بينَ التقدمِ أو الخراب… يجبُ أن نشقَّ طريقَنا عبرَ مستنقعِ الرأسماليةِ إلى الأرضِ الصلبةِ التي تكمنُ وراءَه”. فهل فكرتُهُ عن العملةِ المُنتهيةِ الصلاحيةِ أكثرُ سخفاً من الوضعِ الراهنِ الذي ورثناه؟ لعلَّ إسهامَهُ الأعظمَ هو تذكيرُنا بأنَّ قواعدَ المالِ يمكنُ إعادةُ ابتكارِها، كما كانتْ الحالُ دوماً. المالُ بناءٌ من صُنعِ خيالِنا الجماعيّ، يخضعُ لرضوخِنا وقناعتِنا الذاتية، نعم، ولكنهُ يخضعُ أيضاً لتساؤلاتِنا وقيمِنا وطموحاتِنا العُليا. لقد دعا جيزيل إلى فضولٍ مُنخرِطٍ ومُستقصٍّ تجاهَ مؤسساتِنا الاقتصاديةِ حتى نتمكّنَ من إعادةِ تصوُّرِها لكي تخدمَ بشكلٍ أفضلَ المجتمعاتِ التي نريدُ إنشاءَها. “النظامُ الاقتصاديُّ الذي يزدهرُ الرجالُ في ظلِّهِ”، كما كتبَ، “هو النظامُ الاقتصاديُّ الأكثرُ طبيعية”. وتحقيقاً لهذهِ الغاية، قد يكونُ نظامُنا الحاليُّ لا يزالُ عملاً غير ناجز.