قانون الجذب: من الوعد إلى القيد

كلَّما سمعتُ مدرِّبَ تنميةٍ بشريَّةٍ، أو معالِجًا نفسيًّا من نجوم المنصات، أو صوتًا من أصوات فلسفة العصر الجديد، أو غورو يقول: “عليك أن تصدِّق أوَّلًا، وستفتح لك مساحة الإدراك” يتحرَّك في داخلي شيءٌ أقدمُ من الاعتراض. أتحسّس الندوب الّتي خلَّفتها خطابات اليقين المطلق حين كانت تُصاغ بلغةٍ مختلفةٍ: “آمن ثمَّ ستسكن روحك، وإن لم تسكن فالمشكلةُ في أنّك لم تؤمن حقًّا.” تبدَّلت آلة العزف، وبقِيَ اللحن نفسه؛ حلّ الكون مكان الإله، والنجاح محلّ الجنّة، والطاقة السلبيَّة محلّ الشيطان، وظلَّ البناء على حاله.

تبدأ هذه الفكرة من أرضٍ تبدو صلبةً. توجد ظواهر تعمل حين نتعامل معها كأنَّها قائمةٌ بالفعل. الطالب الّذي يُعامَل كمتفوِّقٍ يتلقَّى خطابًا مختلفًا، فيبذل جهدًا مختلفًا، فتتغيَّر نتائجه، ويكتمل التصنيف الّذي بدأ افتراضًا. البنك الّذي تحاصره شائعة الإفلاس ينهار بفعل الاندفاع الجماعيِّ للسحب، لا بسبب تقاريره الماليّة. في مثل هذه الحالات، يدخل التوقّع في صميم الحدث، ويغدو جزءًا من آليّته.

تظلُّ الفكرة معقولةً ما دامت في هذا النطاق. تظهر آثارها في العلاقات، وفي الأسواق، وحتَّى في الطبِّ حين يطلق التوقع الإيجابيِّ استجاباتٍ حقيقيةً عبر ما يسمّى تأثير البلاسيبو – الدواء الوهميّ. لكنَّ التحوُّل الحاسم يحدث في زاوية لا تلتقطها العين، حين تغادر الفكرة مجالها المحدَّد نحو ادّعاءٍ شاملٍ. من ملاحظة أنَّ بعض الوقائع تتشكَّل بالتوقّع، إلى تصوُّر العالم كلِّه كمرآةٍ داخليَّةٍ، إذ كلُّ عثرةٍ إشارةٌ إلى خللٍ في النيَّة أو الوعي أو القلب.

عند هذه النقطة، يبرز التشابه مع خطاباتٍ تبدو بعيدةً ظاهريًّا. في الحالتين، يوجد مبدأٌ يسبق التجربة ويعيد تشكيلها، ثمَّ منظومةٌ تفسيريَّةٌ تستوعب كلَّ ما يعترضها، ثمَّ آليةٌ تحوِّل أيَّ اعتراضٍ إلى دليلٍ إضافيٍّ على صحَّة الأصل. في الخطاب الدينيِّ: “لو اكتمل يقينك لرأيت الأثر.” في الخطاب التنمويِّ: “لو آمنت بقدرتك لانفتحت الأبواب.” تتبدَّل الكلمات، وتبقى البنية.

يتّسع المبدأ حتَّى يزحف إلى ما لا يعنيه. يتحوَّل الفقر، والمرض، والعنف البنيويِّ، والقرارات السياسيَّة، والوراثة، إلى إشاراتٍ على خللٍ داخليٍّ. يغيب العالم بشروطه الثقيلة، وتُختزل تعقيداته في حالةٍ نفسيَّةٍ. لا يعود الواقع ساحةً متعدّدة العوامل، بل انعكاسًا خالصًا لصورةٍ فرديَّةٍ.

وحين تظهر الوقائع الّتي تقاوم هذا التفسير، تُعاد صياغتها داخل الإطار نفسه. من آمن ولم ينجح، يُقال إنَّ إيمانه لم يكتمل. ومن شكَّ ونجح، يُفترض وجود يقينٍ خفيٍّ في داخله. كلُّ طريقٍ يسلكه الواقع ينتهي إلى خدمة المبدأ، حتَّى يبدو الاستثناء زينةً إضافيَّةً على تاجه.

تغدو الفكرة في هذه المرحلة نظامًا مغلقًا. الاعتراض القادم من الخارج يُرفض لعدم قبوله قواعد اللعبة، والاعتراض من الداخل يُعاد تفسيره كخللٍ في الفهم أو ضعفٍ في التطبيق. يقول الإنسان: “أنا متعبٌ ولم تنفعني هذه الوصفات،” فيسمع أنَّ المشكلة في الطريقة. يتساءل أحدهم: “لعلَّ الفكرةَ مبالغٌ فيها،” فيُقال إنَّ هذا صوت الخوف. لا يبقى مكانٌ للوقوف على مسافةٍ.

يتكرَّر هذا النمط خارج خطاب التنمية أيضًا. في بيئات بعيدة كلّ البعد، يُعاد توجيه اللوم إلى قناعات الفرد. وفي مجتمعاتٍ ذات بنية ضاغطة، يُطلب من الإنسان إعادة تفسير الضغط كمسألةٍ ذهنيَّةٍ. يتحوَّل التوتّر الخارجيِّ إلى مسؤوليَّةٍ داخليَّةٍ خالصةٍ، ويُمحى السياق الّذي صنعها.

يحمل هذا التحوُّل أثرًا مزدوجًا. يمنح شعورًا بالقدرة، ويعد بإمكانيَّة التأثير من الداخل، ثمَّ يحمِّل صاحبه عبئًا مفتوحًا. كلُّ ما لم يحدث يصبح دَينًا عليه. يتحوَّل الإحساس بالفاعليَّة إلى محاسبةٍ مستمرّةٍ للذات، إذ يُقرأ الفشل كخيانةٍ داخليَّةٍ أو ضعفٍ في النيَّة. تنشأ قسوةٌ صامتةٌ، تتغذّى من فكرةٍ تبدو في ظاهرها داعمةً.

يظهر الفرق بين تصوُّرٍ يعرف حدوده وآخر يتمدَّد بلا نهايةٍ. هنا خطابٌ يعترف بالمجال الّذي يعمل فيه، ويضع فاصلًا بين ما يتأثّر بالتوقّع، وما هو بعيد عنه. وهناك خطابٌ يصف عالمًا خاصًّا به، ثمَّ يتمدّد لِيَسعَ كلَّ شيء، متخفّيًا في لغةٍ تبدو علميَّةً أو محايدةً.

من اطّلع على طريقة عمل شركات التسويق الشبكيّ والهرميّ من الداخل، رأى بأمّ عينه كيف يحفر الضحيّة قبرًا أعمق بتشجيع من الشركة، يلتزم بكميّات أكبر ، يدفع ثمنها بثقة من يستطيع بيعها، بحجّة أنّ عليه أن يؤمن ويحرق سفنه. وكذلك مساقات تعلّم أن تكون ثريًّا، وكيف يبيعون له المساق الأغلى كلّ مرة، كما اشتهر عن صاحب كتاب “الأب الغني والأب الفقير”. ولا يختلف هذا عن الزمر العقديّة الجديدة الّتي تنبت كالفطر في هذا الجو الفكريّ العفن. تستطيع البحث عن أنواع الزمر من خلال كلمة “cult” وسترى مئات الأمثلة، لكن عليك الغوص عميقًا في سبب أنّها تنطلي على أذكياء.  

يبقى السؤال معلَّقًا في الخلفيّة: متى يُسمح للفكرة أن تكون مخطئةً؟ داخل هذا النوع من الأنظمة، يتحوَّل الخطأ إلى خللٍ في الشخص، لا إلى تصادمٍ بين الفكرة والواقع. التعب خطأٌ في الإيمان، والتساؤل خطأٌ في الثقة، ومراجعة القاعدة خطأٌ في أدوات النقد. ينحصر الخلل في الفرد، وتظلُّ المنظومة بعيدةً عن المساءلة.

تتّضح المسافة هنا بين إيمانٍ يوسِّع وعي الإنسان بحدود تأثيره، وإيمانٍ يختزل العالم في مرآةٍ داخليَّةٍ ثمَّ يطالبه بتفسير كلِّ ما يراه فيها. يترك الأوَّلُ مساحةً لعبارةٍ بسيطةٍ: “فعلت ما أستطيع، والباقي خارج قدرتي.” ويضيق الثاني حتَّى تختفي هذه الجملة، ويغدو الإنسان مطالَبًا بحمل العالم كلِّه في داخله.

لهذا، فإنّ من أهمّ ما يمكن أن تعلّمه لابنك، ولنفسك، أنّ تلتقط هذا النمط سريعًا، وتقول: حتّى بعد أن أرى، أحتاج أن أفهم، ويظلّ يلزمني الكثير لأصدّق، وتصديقي لا يمنع الشكّ. لكنّني وفي كلّ حال، ومهما حدث، فلن أصدّق من أجل أن أرى، فالغاية لم تزل هي الرؤية، ومن كانت غايته الرؤية فهو لم يصدّق، حتّى وإن استخدم التصديق وسيلةً.

أمّا السؤال الّذي نخشى أن نتناوله، فهو: ما الذي جعلنا ضعفاء أمام هذه الحيلة المعرفيّة البهلوانية؟ الفقر والفقد والأزمات الوجوديّة فقط، أم أنّ حضور هذا النمط في التربية الدينية لعب دورّا في خدمة خصومها؟ وهل حافظت الأديان على هذا النمط لسبب أعمق؟