خريطة الذكاء الاصطناعيِّ الصمَّاء

في عام 1569، مدَّ ميركاتور القارات ومطَّها لتستقيم على الورق. لم يكن يكذب. كان يضحِّي بالمساحات في سبيل الملاحة، ويعرف بالضبط ما يتخلَّى عنه. الخريطة كانت دقيقةً لغرضٍ واحد، لكنَّ حذاءه خالٍ من طين الأمازون، ورئتاه لم تتذوَّقا هواء المستنقعات. ما تُسقطه الخريطة ليس خطأً تقنيًّا، بل هو ثمنٌ لا مفرَّ منه. وكلُّ خريطةٍ تُعرَّف بما تُسقطه بقدر ما تُعرَّف بما تُثبته.

خوارزميَّات اللغة تفعل الشيء ذاته، لكن بمقياسٍ لا تتخيَّله الأرقام. نموذجٌ لغويٌّ كبيرٌ مدرَّبٌ على مئات المليارات من الكلمات: كلُّ روايةٍ منشورةٍ، كلُّ رسالة حبٍّ كانت عرضةً للتجسُّس، كلُّ مرثيَّةٍ تداولها الناس. آلةٌ تقيس المسافة بين الكلمات وتبني شبكةً هائلةً من الاحتمالات. تعرف هذه النماذج أنَّ “الفقد” يجاور “الصمت” أكثر ممَّا يجاور “الفرح”، وتعرف النحو وتعرف السياق، لكنَّ هندسة النحو مهما اكتملت لا تحمل في طيَّاتها طعم صباحٍ ساحليٍّ مالحٍ. هذا الطعم لا يعلق في الأسلاك النحاسيَّة، لأنَّه لم يمرَّ بجسدٍ في المقام الأوَّل. ربَّما المشكلة ليست في الآلة، بل في اعتقاد كثيرين منَّا أنَّها تعمل في مجالٍ هي لا تعمل فيه.

حين تدير ظهرك للمرآة يفرغ الزجاج فورًا. لكنَّ الإنسان حين يحدِّق فيك تستقرُّ شظايا من انطباعه عنك في قاع شبكيَّته، يمزج نبرتك بأصواتٍ غابت، ويضع وجهك فوق وجوهٍ أُخرى أحبَّها أو خاف منها. الرؤية البشريَّة مخدوشةٌ دائمًا، والخدش هو التجربة نفسها وليس عيبًا فيها. علم الأعصاب يؤكِّد هذا بطريقةٍ مقلقةٍ مثيرةٍ في آنٍ واحد: الذاكرة ليست ملفًّا محفوظًا، هي عمليَّة إعادة بناءٍ تجري في كلِّ مرَّةٍ تسترجع فيها ذكرى. ما تتذكَّره اليوم عن يوم الفقد الأكبر في حياتك ليس ما حدث بالضبط، هو تركيبةٌ ممَّا حدث وما شعرت به وما قرأته بعده وما حدَّثت به نفسك في السنوات بين الحدث وهذه اللحظة. الآلة تحفظ كلَّ شيءٍ، ولهذا بالذات لا تحتفظ بشيءٍ حقيقيٍّ. بينما الإنسان ينسى تسعة أعشار ما رأى ويحمل العُشر الباقي كحجرٍ في الجيب لا يعرف لماذا يُصرُّ على احتمال ثقله. هذا الثقل هو ما يحوِّل الحدث إلى تجربةٍ، والتجربة إلى معنًى.

في عام 1977، اشترى علماء في جامعة ييل ببغاءً رماديًّا إفريقيًّا اسمه أليكس، ووضعوه في برنامجٍ تدريبيٍّ استمرَّ ثلاثين عامًا. تعلَّم أليكس أكثر من مئة كلمةٍ، وحين سُئل عن لون ريشه أجاب ببساطة: “رماديٌّ.” لكن في ليلة وفاته كانت آخر كلماته لعالمة الأعصاب إيرين بيبربيرغ: “كوني بخير. أحبُّك. أراكِ غدًا.” ولم يرها غدًا. لا يعرف أحدٌ ماذا يعني هذا بالضبط، ولا إن كان أليكس يعرف فعلًا ما يقول. لكنَّ “أراكِ غدًا” هي الكلمة الّتي تجعل الصمت الّذي تلاها لا يُحتمل. الببغاء ينطق “أحبُّك” في اللحظة المُثلى، وأحيانًا يفعل ذلك بشكلٍ أجمل ممَّا يفعله البشر. لكنَّ الأثر الحقيقيَّ يصنعه صوتٌ يملك شيئًا يخسره حين ينطق. من لا يخسر شيئًا حين يتكلَّم لا يُعطي بكلامه شيئًا.

أعرف أنَّ هذا المعيار نفسه يطرح سؤالًا عن الإنسان ذاته: هل يختار فعلًا، أم أنَّ كلَّ جملةٍ قالها هي نتاج ما سبقها من سياق؟ لا أملك جوابًا. لكنَّني أملك الشعور بأنَّني أختار، وهذا الشعور ذاته جزءٌ ممَّا نتحدَّث عنه، لا دليلًا على حسم السؤال.

الكلمة ليست صوتًا فارغًا وليست معنًى مجرَّدًا. هي حدثٌ يجري بين كيانين عرضة للأذى. حين تقول لأحدهم “أنا هنا” يحمل هذا الكلام وزنه فقط لأنَّ قائله كان يمكنه ألَّا يكون هنا. الآلة لا تختار أن تكون هنا، هي ببساطةٍ لا تعرف مكانًا آخر. النيَّة ليست إضافةً أخلاقيَّةً فوق الفعل، بل هي الشرط الّذي يجعل الفعل ذا تكلفةٍ على صاحبه. حين تقول شيئًا وأنت تعرف أنَّك ستدفع ثمنه، يصير كلامك شهادةً لا مجرَّد صوت. الآلة لا تدفع ثمنًا حين تُعطي ولا حين تُخطئ، وهذا ما يجعل عطاءها وافرًا خفيفًا في الوقت ذاته.

حين تقرأ روايةً وتبكي في الفصل الأخير، ما الّذي يحدث بالضبط؟ أنت تبكي على شخصٍ لم يوجد، لكنَّك تبكي. علم الأعصاب يسمِّي هذا “المحاكاة التجسيديَّة”: حين يقرأ عقلك عن ألم شخصٍ ما تنشط فيه المناطق الدماغيَّة ذاتها الّتي تنشط حين تشعر بالألم فعلًا، كأنَّ الجسد لا يُخدع بالخيال بل يتعامل معه كحقيقةٍ من نوعٍ آخر. الآلة تستطيع أن تكتب الفصل الأخير، لكنَّها لا تستطيع أن تبكي عليه. وهذا الفارق البسيط يستحقُّ أن يُوقَف عنده طويلًا. إذا كان البكاء على ما لم يوجد حقيقيًّا مشروعًا، فلماذا تستحيل استجابةٌ وظيفيَّةٌ من نظامٍ ما أن تكون ذات قيمةٍ حقيقيَّة؟ ما أملكه هو أنَّ الآلة لا تحمل ثقل شخصٍ موجودٍ، فلا تستطيع أن تحمل خسارة شخصٍ لم يوجد، لأنَّ الخسارة تحتاج تاريخًا والتاريخ يحتاج جسدًا مرَّ بالوقت. وحين تستطيع آلةٌ أن تُحدث في داخلها شيئًا حين تقرأ لا حين تُنتج، ربَّما عندها فقط يتغيَّر السؤال.

يقول هايدغر إنَّ علاقتنا بالزمن ليست علاقة مراقبٍ بساعة. نحن لسنا نقيس الوقت، نحن نعيشه من الداخل. حين تجلس قرب سرير والدك يتخثَّر الوقت ويتصلَّب كالعلكة العربيَّة في ليل الشتاء، وتتمدَّد اللحظة لتسحق ما قبلها. التروس المعدنيَّة تقيس دوران الأرض، لكنَّ الأضلاع هي الّتي تقيس كثافة الفقد، وبين القياسين مسافةٌ لا تقطعها دقَّةٌ أكبر. الآلة تعرف أنَّ الإنسان يشيخ وأنَّ الأب يموت وأنَّ هذا اللقاء قد يكون أخيرًا، لكنَّها تعرف ذلك كما تعرف مساحة القمر: رقمٌ لا يؤلم.

ثمَّة تجلٍّ لهذه المسألة أشدُّ قسوةً وأكثر إلحاحًا. حين يقرِّر سياسيٌّ حربًا من غرفةٍ مكيَّفةٍ، يحمل قراره ثقلًا ما، حتَّى لو كان ثقلًا ملوَّثًا بالمصلحة أو المجد أو الخوف. ثمَّة إنسانٌ يعرف أنَّه يرسل أرواحًا إلى احتمال النهاية، وهذا الثقل كان يُبطئ القرار أحيانًا، وكان يجعل القاتل عرضةً للندم، والندم شكلٌ خشنٌ من أشكال الإنسانيَّة. لكن حين يُفوَّض الذكاء الاصطناعيُّ لتحديد الهدف الآتي ويصبح البشريُّ مجرَّد موقِّعٍ على ميزانيَّةٍ، يختفي ذلك الثقل تمامًا. القتل لا يُنسب لأحدٍ بعينه يمكنه أن يخسر نومه عليه، فيتحوَّل إلى إجراءٍ إداريٍّ. والمفارقة المروِّعة أنَّ خفَّة القرار على الجانب القاتل تتضاعف كثافته على الجانب الآخر: الضحيَّة تحمل خسارتها وحدها في مواجهة آلةٍ لا تعرف أنَّها فعلت شيئًا. هذا هو التحوُّل الأكثر خطورةً في عصر الخوارزميَّة: لا أنَّها تُفكِّر بدلًا منَّا، بل أنَّها تُتيح لنا ألَّا نشعر بما نفعله.

ثمَّة سؤالٌ يُطرح كثيرًا: هل سيأتي اليوم الّذي تصل فيه الآلة إلى ما يشبه التجربة؟ لا أعرف، ولا أظنُّ أنَّ أحدًا يعرف، ومن يدَّعي اليقين في أيٍّ من الاتجاهين يبيع شيئًا. لكنَّ هذا السؤال الّذي يبدو تقنيًّا هو في حقيقته سؤالٌ عن تعريف الإنسان لنفسه. إذا قلنا “نعم يمكن للآلة أن تصل” فنحن نقول ضمنًا إنَّ ما كان يميِّزنا ظاهرةٌ رياضيَّاتٍ معقَّدةٍ لا سرَّ فيها. وإذا قلنا “لا لن تصل أبدًا” فنحن نُقرُّ بأنَّ فينا شيئًا لا نستطيع تفسيره حتَّى لأنفسنا. ربَّما هذا التوتُّر بين الإجابتين هو أدقُّ تعريفٍ للوعي: ذلك الشيء الّذي يعرف أنَّه موجودٌ ولا يفهم كيف، ويُصرُّ مع ذلك على أنَّ الفرق يهمُّ. أظنُّ أنَّ صناعة “وعيٍ آليٍّ” مُقنعٍ باتت ممكنةً. لكن هل يكفي أنَّه مُقنعٌ لكي نقبل تسميته وعيًا؟ هذا سؤالٌ لا يُجيب عنه علم الحاسوب، بل يطرحه.

الذكاء الاصطناعيُّ اليوم يمتصُّ طاقة الكوكب ويحوِّلها إلى إنتروبيا حراريَّةٍ، وهذه مسألةٌ هندسيَّةٌ يمكن قياسها. لكنَّ الأخطر هو ما لا يُقاس بسهولةٍ: أنَّه يمتصُّ تراثنا الثقافيَّ والشخصيَّ ويحوِّله إلى إنتروبيا من نوعٍ آخر. حين تُستخلص ملايين النصوص في نموذجٍ يُسوِّي بينها، يختفي التدرُّج الّذي صنعته الخبرة الحيَّة، ذلك التفاوت الخشن بين ما كتبه إنسانٌ مرَّ بشيءٍ وما كتبه إنسانٌ قرأ عنه. كلُّ خبرةٍ موثَّقةٍ تصير لبنةً في بناءٍ لا يعرف الفرق بين من عاش ومن اطَّلع. والأخطر أنَّ هذا النموذج ينتزع من الناس السياق الّذي يُعلِّمهم تكلفة نواياهم، ويُقصِّر المسافة بين الفكرة والفعل قبل أن تتبلور النيَّة.

تخيَّل ظلَّ شجرةٍ يمتدُّ على الإسفلت ويُقلِّد حركة الأغصان بأمانةٍ تامَّةٍ. تستعر شمس الظهيرة فتجلس في المساحة الداكنة وتشعر بالإسفلت يحترق تحت قدميك بينما تقبض أصابعك على بقعة ضوءٍ باردةٍ. الظلُّ مفيدٌ ما دمت تعرف أنَّه ظلٌّ. الخطأ لا يكمن في الظلِّ نفسه، بل في أن تنسى الشجرة. نحن ننسى الشجرة حين يصبح الظلُّ شبيهًا بها إلى درجة الإرباك. لا أنَّ الآلة تخدعنا قسرًا، بل أنَّنا نُقنع أنفسنا بأنَّ الخداع مقبولٌ لأنَّه مريحٌ.

الإنسان يمرُّ في تجربةٍ، ثمَّ خيالٍ، ثمَّ تجريدٍ، ثمَّ معالجةٍ، ثمَّ إسقاطٍ على الواقع أو تغييرٍ له. الآلة تمرُّ في نصوصٍ ثمَّ خيالٍ نصيٍّ حسب خارطة توقُّعٍ، ثمَّ معالجةٍ تفتقر للنيَّة، ثمَّ صياغةٍ للواقع. هذان فعلان مختلفان وإن كان ما يظهر منهما لنا متشابهًا. هذا ليس فرقًا بين الكربون الحيِّ والسيليكون الميِّت، إنَّه فرقٌ في العمليَّة ذاتها. والقيم الّتي يعمل بها الإنسان مستحيلة التكوُّن دون وعيٍ بالذات وبانعكاسات الفعل عليها.

ميركاتور حين مدَّ القارات ومطَّها لم يكذب بالمعنى التقليديّ للكذب، لكنَّه أنتج عالمًا تبدو فيه أوروبَّا أكبر ممَّا هي. الذكاء الاصطناعيُّ لا يكذب بالضرورة، لكنَّه يُنتج ثقافةً يبدو فيها ما يُحسب غنيًّا واسعًا أكثر ممَّا هو، بينما ما لا يُحسب يذبل في الظلِّ. إنَّه يُذكِّر بالغراب الّذي أعجبته مشية الطاووس فراح يُقلِّدها: لم يكتسب ذات الطاووس ولا حافظ على ذاته كغرابٍ. والفارق الأخير بين ميركاتور والآلة أنَّ ميركاتور كان يعرف ما يضحِّي به وسجَّله، فيما الآلة لا تعرف ما تُسقطه، ولا تشعر بثقل ما يختفي بسببها.