كثير منّا وصله فيديو، أو ربّما صادفه على آخر المنشورات لشخص يثق به ممّن يتابعهم. إنسان عادي من مصافّه الاقتصاديّة وربّما المعرفيّة، يعلن نتائج التزامه بما يسمّيه “نظام الطيّبات” الغذائيّ. يغلب على الظنّ أنّ الفيديو حمل تعليقات حول “المقتل الغامض” للعالم الطبيب الدكتور ضياء العوضي، واتّهامات لشركات الأدوية أو مزارعي الدجاج والبيض بدمه. أو ربّما كان الفيديو للطبيب نفسه، محاطًا بمديح الناس من أصدقاء وأشباه لك.
إذا وصلك الخبر بهذه الطريقة، فقد اطّلعت على نظام غذائيّ سهل مناسب جدًّا للأطفال الذين يكرهون الخضار ويحبّون الحلويّات وشرائح البطاطا المقليّة، ورأيته محمولًا على سرديّة مثيرة تناسب رؤية كثير منّا للعالم. شركات الأدوية تشعر بالتهديد منه، يستغني المرضى عن أدويتهم وجلسات غسيل الكلى، نقابة الأطبّاء المصريّة تفصله، والإعلام يمنحه منبرًا واسعًا، وتتشكّل حوله طائفة من المؤيّدين.
المأزق الذي لا تراه
هنا أنت في مأزق حقيقيّ، أوّل ما يجعله مأزقًا أنّك على الأغلب لا تراه مأزقًا ولا تشعر به. إذا جرّبت النظام من باب الفضول وأنت تعرف أنّها أشياء تأكلها عادةً، فلن تقتلك فورًا، أي أنّها تحمل مخاطرة منخفضة التكاليف. ستلاحظ على الأغلب أنّ ما كنت تعانيه من عدم ارتياح في البطن أو مشاكل النوم أو التركيز قد زال، وحينها تأخذ ذلك تأكيدًا لا يقبل التشكيك على حزمة كاملة من المعتقدات، تبدأ من مقولات طبّيّة ولا تنتهي بتآمر شركات الأدوية التي تراها تنهبك. وعندما ترى المعسكر الآخر يسخر من “مدرسته الغذائيّة” التي تنصح بشوكولاتة الدهن “النوتيلّا”، تفسّر ذلك هجومًا مغرضًا على جزء هامشيّ من طرح طبيب ذي شهادة معتمدة، يدرّس في كبرى جامعات البلدان العربيّة.
سواء كنت مصدّقًا بطرح ضياء العوضيّ أو معارضًا له، فأنت لا تنكر وجود الدجل الطبّيّ لا سيّما في مجال الغذاء والتغذية العلاجيّة. هو أمر جيّد التوثيق في مسيرة الشركات والبحوث التي موّلتها. يولد الدجل الطبّيّ دائمًا من تزاوج معاناة المرضى مع استغلال غير المتخصّصين، ويزدهر في بيئته المثلى وسط الألم الحقيقيّ، يتغذّى على الصبر المنهك والبحث المحموم عن أيّ طوق نجاة. و”نظام الطيّبات” امتداد طبيعيّ لموجات الخداع الكبرى التي سبقته، احتفظ بالمعادلة ذاتها واكتفى بتغيير الأدوات وتغليفها بنصوص دينيّة.
حين تمنح الشهرة صكوك الغفران
صنعت أوبرا وينفري أسطورة “يوحنا الإله” عام 2013، حين بثّت حلقة كاملة عن “معجزاته” في بلدة برازيليّة صغيرة. توافد عليه آلاف الحالمين بالشفاء من كلّ أرجاء الأرض، وسردت القصص عن معجزاته الطبّيّة المختلطة بالدين وبياض اللباس الرامز للنقاء. طال الأمر خمس سنوات من الدجل، وفي 2018 واجه أكثر من ستمئة اتّهام باعتداء جنسيّ تحت ستار “جلسات الشفاء”، وانتهى به الأمر محكومًا بأحكام سجن تجاوزت 180 عامًا موزّعة على قضايا متعدّدة.
تتكرّر المأساة مع الطبيب “أوز”، محمّد مهمت أوز، الذي بنى إمبراطوريّة إعلاميّة روّج من خلالها لعلاجات وصفها كبار أطبّاء جامعة كولومبيا بـ”الدجل الصريح”، قبل أن يعترف هو نفسه أمام لجنة مجلس الشيوخ بافتقار منتجاته للسند العلميّ. الشهرة تضاعف حجم الضرر وتمنح الوهم بريقًا زائفًا يكفي لإسكات المشكّكين. وقد تكرّر الأمر مع الدكتور فيل، الذي يشكو قطاع الطبّ النفسيّ كلّه من انتشار ترّهاته بين الناس.
الرخصة المغلّفة بالوعود
بعد كثير من الحوادث المماثلة ظهر “نظام الطيّبات”. أدرك “مبتكره” إرهاق الجماهير من صرامة الحميات الصحّيّة، فقدّم لهم رخصة الانفلات مغلّفةً بوعود برّاقة: إباحة المقليّات والسكّريّات والحلويّات. ولتحصين هذه الوصفة من النقد، أُلبست عباءة الدين عبر تأويل متعسّف لآيات قرآنيّة، ليصبح كلّ من يجرؤ على المساءلة الطبّيّة في موضع المشكّك في النصوص المقدّسة والمناصر لشركات الأدوية ومزارعي الدجاج.
ولكنّ الناس يتحسّنون فعلًا
يطرح المدافعون عن هذا النظام تساؤلًا بصدق ظاهر: لماذا يتحسّن من يتّبعونه؟ والإجابة لا تستدعي معجزة، وهي من عدّة مستويات. أوّلًا: امتناع الإنسان عن الأطعمة فائقة المعالجة والدقيق الأبيض يمنح أعضاءه فرصة طبيعيّة للتعافي، وهذه حقيقة طبّيّة مستقرّة يستولي عليها مبتكر النظام وينسبها لنفسه، نصيحة صحيحة بين كوم قشّ.
يُضاف إلى ذلك تأثير التصديق، أو العلاج الوهميّ (Placebo). وفقًا لدراسة نشرتها مجلّة Pain — المجلّة الرسميّة للجمعيّة الدوليّة لدراسة الألم — في يونيو 2020، أجرتها باحثة من جامعة مانشستر وشملت 237 مشاركًا من مرضى الألم المزمن والأصحّاء، فإنّ مرضى الألم المزمن يستجيبون للعلاج الوهميّ بالقدر ذاته الذي يستجيب به الأصحّاء. وفي حالات الفايبروميالجيا تحديدًا، أظهرت تجارب سريريّة متعدّدة تحسّنًا موثّقًا في مستويات الألم والنوم لدى مجموعات تلقّت علاجًا وهميًّا. الثقة العمياء بالمعالج هي ما يسكّن الألم في كثير من الأحيان، لا المعالج نفسه. وقد يكفي أحيانًا انتباه الإنسان لبعض الأمور ومراقبتها ليشهد بوجود تحسّن فيها، وهذا من باب اختياريّة الملاحظة والذاكرة.
أمّا تحريم الفول مثلًا، فالفول في مصر فعلًا أصعب للهضم وأشهر بتهييج القولون. غير أنّ هذا توظيف مشوّه لمعلومة طبّيّة معروفة؛ إذ طوّر باحثو جامعة موناش الأستراليّة في ملبورن مفهوم حمية الـFODMAP، وهي مجموعة كربوهيدرات لا تُمتصّ كاملًا في الأمعاء الدقيقة فتتخمّر في القولون ممّا يسبّب انتفاخًا وألمًا لدى أجساد بعينها دون سواها. تعميم هذا المنع على الجميع درع زائف يوحي بالدقّة العلميّة ليحمي النظام من المساءلة، لا لحماية المريض. وبعض ما ينصح به ضياء العوضيّ صحيح فعلًا، كتناول أطعمة سهلة الهضم والابتعاد عن الصودا وعدم الأكل إلّا عند الجوع، لكنّ ذلك لا يعني أنّ كلّ نصائحه جيّدة صحّيًّا، فمنها الخطير ومنها القاتل.
الخطر المحدق بمرضى الحصوة
الماء عماد وظيفة الكلى؛ بدون كميّات كافية منه يرتفع تركيز البول وتتبلور الأملاح وتتكوّن الحصوات. توصي بروتوكولات علاج حصوات الكلى المعتمدة في المراكز الطبّيّة الكبرى باستهلاك كميّات كافية من الماء يوميًّا كخطوة أولى لا غنى عنها لتخفيف تركيز البول ومنع تبلور الأملاح، حتّى لو لم يكن المريض يشعر بالعطش.
يتعمّد هذا النظام ألّا تشرب الماء إلّا حسوًا دافئًا صباحًا، وألّا تشرب إلّا عند العطش ولا تكثر منه، ممّا يؤدّي مباشرة إلى تركّز البول وتكلّس الأملاح وتضخّم الحصوات بصمت تامّ. وتتفاقم الخطورة مع الأطعمة التي يبيح أكلها بكميّات؛ إذ تؤكّد دراسة نشرتها مجلّة Kidney International للباحثَين إريك تايلور وغاري كورهان من جامعة هارفارد، وشملت 241,538 مشاركًا تتبّعتهم على مدى عقود، أنّ من يقعون في أعلى خُمس في استهلاك الفركتوز يرتفع لديهم خطر تكوّن حصوات الكلى بنسبة تتراوح بين 27 و37 بالمئة، إذ يرفع الفركتوز مستويات حمض اليوريك ويزيد إفراز الأوكسالات ويخفّض حموضة البول. السكّريّات المصنّعة التي يبيحها النظام هي ذاتها المحظورات الصارمة في عيادات الكلى العالميّة.
وتكتمل دائرة الخطر بحرمان المريض من درعه الطبيعيّ. تؤكّد مايو كلينيك، إحدى أبرز المؤسّسات الطبّيّة الأكاديميّة في العالم، أنّ الأطعمة الغنيّة بالسترات كالليمون والبرتقال تمنع تكوّن حصوات الكالسيوم في الكلى بطريقة فيزيائيّة مباشرة معروفة، وتوصي بها ضمن خطط الوقاية الأساسيّة. يجرّد هذا النظام المريض من هذا الدرع ويدفعه نحو المزيد من السكّريّات مع كميّات أقلّ من الماء، لتتراكم حصوات حمض اليوريك كأنّها دَين متأخّر يهدّد بخنق الحالب في لحظة اقتضائه المفاجئة.
ماذا عن الضحايا الفوريّين
تتجاوز التداعيات مسألة الحصوات لتلامس حدود الخطر المباشر. مريض الفشل الكلويّ يعتمد على جلسات الغسيل لتنقية دمه وإبقائه حيًّا، وإيقاف هذه الجلسات بالتزامن مع إباحة أطعمة غنيّة بالبوتاسيوم والفوسفور كالشوكولاتة والأجبان يهدّد بتوقّف القلب بلا إنذار. أمّا حجّته بأنّه تمكّن من تقليل الجلسات لدى بعض المرضى، فمن المعروف أنّ مريض الفشل الكلويّ قد يعيش بجلسة أو جلستين أسبوعيًّا بدلًا من ثلاث، لكنّ ذلك يهدّد صحّته لاحقًا.
يمتدّ هذا النهج إلى إيقاف الأنسولين عن مرضى السكّريّ من النوع الأوّل وتعطيل أدوية ضغط الدم، ممّا يضع المريض على حافّة الغيبوبة والنهاية، مع السماح لهم بتناول السكّر. وثمّة وقائع موثّقة لضحايا استمعوا نصائحه، وهم غير متحمّلين الذنب الكامل لنهايتهم المأساويّة، فقد وثقوا بطبيب مرخّص. هؤلاء والأطبّاء الذين اطّلعوا على حالاتهم هم من اشتكوا على ضياء العوضيّ ومنعوه من ممارسة المهنة، لا شركات الأدوية.
ورغم جسامة هذه الممارسات، تخلو المجلّات الطبّيّة المحكّمة من أيّ ورقة بحثيّة تدعم ادّعاءً واحدًا منها. هواء معبّأ في قوارير طبّيّة لامعة، بل هواء سامّ كريه الرائحة أيضًا. والطبّ حقل يقوم على تبنّي ما ينفع، فلو كان في كلامه نفع فطريق اعتماد العلاجات الجديدة مفتوح للطبيب ضياء العوضيّ ولغيره، حتّى إنّها مفتوحة لغير الأطبّاء طالما التزموا بالممارسات ورفعوا دراسات الحالة لمراجعة المتخصّصين.
عن الجسد والإعلام
يزدهر الدجل دائمًا في مناطق الاحتياج. تصديق الملايين لـ”يوحنا الإله” وأمثاله ينبع من رغبة حقيقيّة عميقة في الشفاء، لا من غباء. غير أنّ هذه الرغبة لا تحصّن أصحابها من الضرر حتّى عند من لا يعانون من حالات مزمنة خطيرة كالفشل الكلويّ وداء السكّريّ من النوع الأوّل؛ أمّا هؤلاء الأخيرون فالثمن قد يكون حياتهم.
هذه العجائبيّة خصبة للإعلام، فالإعلاميّ يفكّر بالقراءات والمشاهدات ويهرع لمقابلة كلّ شخصيّة جدليّة. وثمّة أمر قد يغيب عن البعيدين عن هذا القطاع: آخر طبيب رأيته في مقابلة على قناة فضائيّة خاصّة دفع ما يقارب ثلاثة آلاف دولار ثمن ظهوره (اسمها إعلان ضمنيّ ولها ثمن يختلف من قناة لأخرى)، وكان ذلك استثمارًا ماليًّا جيّدًا له في مرضى ومتابعين. وثمّة ادّعاءات جادّة واضحة لم يردّ عليها المتّهمون بأنّ ضياء العوضيّ كان يدفع للإعلاميّين، وكان مسكونًا بحبّ الظهور.
الحكم الحقيقيّ هو الجسد ذاته لا الإحساس به: أرقام الفحوصات، نتائج صور الأشعّة، طاولة تشريح الجثث، والأبحاث الخاضعة للتمحيص المستمرّ. أيّ ادّعاء يعجز عن الصمود تحت المجهر العلميّ يفقد صفته الطبّيّة تمامًا، ولو حمل صاحبه أعظم شهادات الأرض، لأنّ الجسد البشريّ في النهاية سجلّ قد يتأخّر في الكتابة لكنّه لا يكذب.
ولكن لماذا قتلوه؟
دهون غير مشبعة، وزيوت مهدرجة، وتدخين شره، واستهلاك كحول، وشخصيّة انفعاليّة، وبناء نفسيّ يظهر فيه جنون العظمة، وعراك مستمرّ مع أطبّاء مشهورين أكثر منه بآلاف المرّات، وقضايا مستمرّة من أتباعه، وادّعاءات يعجز عن إيصالها لمستوى الادّعاء الوجيه، وسحب رخصة مزاولة المهنة، وطلاق، وتناول حشيش وجد في تحليل جثّته، أليس كلّ هذا سببًا أقرب لموته بالجلطة التي أشار إليها تقرير الوفاة في بلد محايد، من كون مافيات الدواء والدواجن استهدفته؟ ولو وجدته مقتولًا بالطعن لذهب ذهني إلى أهل ضحاياه أوّلًا، لا لشركات الدواء أو مزارع الدواجن!
إنّ أرباح شركات الدواء منشورة، ومسيرتها العمليّة لم تتأثّر بضياء العوضي، أمّا أسطورة تأثّر سعر البيض في مصر، فالرجل له متابعون مغاربة كثر، ولم نر مثل ذلك في المغرب، والّذي حدث في مصر ليس سابقةً، فعند توفير العلف بسعر أرخص ينزل سعر البيض بنسبة مقاربة، ويجب ذكر أنّ النزول في السعر لم يكن حادًّا أصلًا، فهو لا يتجاوز ١٠٪ من سعره الأصليّ.
المواقع الإخباريّة ذاتها التي نشرت أنّ العالم كلّه تآمر على ضياء العوضي، نشرت خبر انتشال جثمانه وإعادة تشريحه ومن ثمّ دفنه، وجرى تأكيد نتائج التشريح: الرجل مات بجلطة قلبيّة حادّة، كتب معادلتها بنفسه مع نظامه الغذائيّ اللوذعيّ المكذوب، وثمّة من الأطبّاء من تنبّأ له بهذه النهاية.
وظائف العلم هي: الرصد، التفسير، التنبّؤ، التحكّم. أمّا التخرّص والسرد وبناء وجهة النظر عن العالم فمهامّ الفلسفات والأديان. والعلم مهما بدا دوغمائيًّا لغير المتخصّصين، فهو يلتزم ببيان حدوده دائمًا، وباستثناء بعض الحركات الأيديولوجيّة العلمويّة المتطرّفة لن تجد من يدّعي فكرة علميّة لا يسندها بحشد من الأدلّة ولا يبقيها منفتحة للمراجعة.
سمعت ضياء العوضيّ وهو يقول: أيّ شخص بعيد عن الالتزام الكامل بالنظام ولو خمسة سنتيمترات فهو لا يعرفه. يطلب الالتزام قبل النقاش، وهذه علامة واضحة على شخص مضطرب. أمّا لو أردت العمل بطريقته لأخذت حوادث من حياته كالطلاق وتعاطي الحشيش الذي يسبّب الذهان فعلًا عند نسبة من الناس، وبعض كلامه الذي ينضح غرورًا كأنّه “أينشتاين الطبّ”، وبدأت أقرع له بالشنان. لكنّني ببساطة لا أريد ذلك، وأردّد لنفسي سؤالًا كوميديًّا: هل الأمر في النهاية انتخاب طبيعيّ؟
بعيدًا عن المزاح، من وقعوا ضحيّة نظام الطيّبات أناس طيّبون ومنهم حادّو الذكاء. لكنّهم حاصرتهم ظروف إحباطهم من المنظومة الطبّيّة التي تصرّح في مستوياتها العليا أنّها تعمل بالتجربة والخطأ والتقدير والتجريب ومراقبة النتائج، وهذا قد يحبط من يظنّ جسمه سيّارة تحتاج ميكانيكيًّا أمهر وفقط. الخليّة الواحدة، أو حتّى نواتها وحدها، فيها من التعقيد ما ليس في مركبة فضائيّة. الجسم البشريّ منظومة أنظمة معقّدة، ولهذا يظلّ ثمّة متّسع للكذب والدجل من جهة، وللأخطاء الطبّيّة والمماطلة في العلاج من جهة أخرى.
