التهمة تحوَّلت خطَّةً: الصهيونيَّة وجهٌ آخر لمعاداة الساميَّة

لنعد إلى أوروبا عندما كانت تعرق السخام. الثورة الصناعيَّة تعيد رسم الخرائط، والبرجوازيَّة تحتاج أسواقًا، والمسألة اليهوديَّة تتخمَّر في هذا الهواء الثقيل. الفكرة السائدة تقول إنَّ الصهيونيَّة جاءت ردًّا على معاداة الساميَّة، استجابةً دفاعيَّةً لجماعة محاصَرة. لكنَّ هذا الفهم يقف عند عتبة الحدث ولا يدخل إلى الغرفة. ما جرى أعمق: الحركتان نبتتا من التربة ذاتها، وتقاسمتا الفرضيَّة الأساسيَّة قبل أن تتقاسما أيَّ شيء آخر.

الفرضيَّة هي أنَّ اليهود لا ينتمون إلى أوروبا. هذا ما قاله معادو الساميَّة. وهذا بالضبط ما قَبِله الصهاينة.
قبل “فيلهلم مار”، كانت الكراهية تسير بلا بوصلة. “مارتن لوثر” بدأ يأمل في اعتناق اليهود للإصلاح، وانتهى يكتب ضدَّهم بغضب يشبه الإهانة الشخصيَّة. “ماركس” و”باور” و”دوستويفسكي” تناولوا المسألة من زوايا مختلفة، لكنَّ الخيط المشترك كان سؤالًا واحدًا: من ينتمي إلى الدولة القوميَّة الناشئة؟ لم يكن الأمر أيديولوجيًّا بعد. كان ارتباكًا في تعريف الجماعة، حوادث تتبع حرارة اللحظة أكثر ممَّا تتبع خطَّةً.
جاء “مار” فألبس هذا الارتباك معطف المختبر. داروين كان قد وفَّر المفردات، وشظايا علم الأجناس كانت في متناول اليد. تحوَّل النفور إلى منهج، والانفعال إلى أيديولوجيا. الكراهية القديمة لم تختفِ، بل اكتسبت عنوانًا أكاديميًّا وثقة من يظنُّ أنَّه يصف الطبيعة، لا يُفرغ مرارته.
بتأخير بسيط يوحي بأنَّه ردُّ فعل، بدأت أفكار متفرِّقة تشكِّل ما سيصبح الصهيونيَّة. موسى هس، يهودا القلعي، ليون بنسكر، ناثان بيرنباوم الّذي سكَّ الاسم. رؤى متباينة، بعضها يحلم بالعيش تحت العثمانيِّين، وبعضها ينادي بدولة مستقلَّة بلغة تقترب من الشعر. لم تكن خطَّةً بعد. كانت صدى لجرح يبحث عن اتِّجاه.
“تيودور هرتزل” هو من حوَّل الصدى إلى مؤسَّسات. مؤتمر بازل 1897، المنظَّمة الصهيونيَّة العالميَّة، البنك الاستعماريِّ اليهوديِّ. هندسة باردة لحلم حار. والأكثر كشفًا هو ما دوَّنه هرتزل في يوميَّاته الخاصَّة، إذ رأى في معادي الساميَّة الأوروبيِّين حلفاء موضوعيِّين، قوَّة دفع نحو الهدف ذاته. قَبِلَ منطق عدوِّه. أخذ شظيَّة الزجاج المنغرسة في اللحم، وصنع منها رمحًا.
التاريخ يملأ هذا الإطار بوقائع يصعب تجاهلها. “آرثر بلفور” أغلق أبواب لندن أمام العائلات الهاربة عام 1905 بقانون الأجانب، ثمَّ منح وعده عام 1917 لبيت في الشرق. السياسة ذاتها، في الحالتين، تدفع باتِّجاه تصدير المشكلة من القارَّة. عام 1903 جلس هرتزل مع “بليفه”، وزير الداخليَّة الروسيِّ الّذي كان يهندس المذابح، والطرد كان رغبة مشترَكة تجعل صراخ الضحايا يتلاشى في طنين الملاعق الفضِّيَّة. “إدوارد درومون”، صاحب “فرنسا اليهوديَّة”، وجد في هجرة اليهود إلى فلسطين حلًّا يريحه. لم يكن ثمَّة تنسيق رسميٌّ، لكنَّ المنزل المرتَّب يستغني عن الاتِّفاقيَّات المكتوبة.
اتِّفاقيَّة هعفارا عام 1933 شقَّت البواخر الماء بين ألمانيا النازيَّة وحيفا لنقل ستِّين ألف يهوديِّ. الدوافع كانت متعاكسة تمامًا؛ برلين تريد التخلُّص من اليهود، والوكالة اليهوديَّة تريد إنقاذهم. النتيجة كانت واحدة. “أفراهام شتيرن” أكمل المسار بعرض التعاون مع النازيِّين ضدَّ بريطانيا، مشروطًا دائمًا بالاقتلاع من القارَّة. الجملة المنسوبة لتشرشل: “أنا مؤيِّد للصهيونيَّة لكنِّي لا أحبُّ اليهود”، ليست مفارقة. هي وصف دقيق لحالة يتوافق فيها طرفان على فكرة عدم الانتماء، بمعزل عن أيِّ عاطفة في أيِّ اتِّجاه.
“الأوخرانا” الروسيَّة اخترعت شبحًا. ضابطها “ماتفي جولوفينسكي” سرق هجاءً فرنسيًّا على نابليون الثالث وحوَّله إلى “بروتوكولات حكماء صهيون”. كشف “فيليب غرايفز” التزوير في التايمز عام 1921، وأثبت أنَّ مقاطع بأكملها منقولة حرفيًّا. لكنَّ الرهبة كانت قد صارت حقيقيَّة. الصهاينة ارتدوا هذا الوهم؛ جائع يلبس قناع تنِّين ليفاوض الملوك. تضخيم القوَّة الوهميَّة حوَّلها إلى نفوذ فعليِّ في المفاوضات، وهذا يظهر بوضوح في حلم “الدولة اليهوديَّة” وفي طريقة تلميح القادة إلى نفوذ عالميِّ لم يكن في حجمه الّذي يُوحى به.
ربَّما يذكر من قرأ “المحاكمة” لفرانز كافكا، ليرى الآن كيف أنَّ المتَّهم ابتلع ورقة اتِّهامه، وتسلَّل حبر الفريَة إلى مجرى الدم حتَّى صار نبضًا. التهمة المكذوبة صارت خطَّةً، والخطَّة صارت كيانًا. واليوم يقرأ المراقب الموضوعيُّ أنماطًا في التعامل مع الفلسطينيِّين تشبه ما كانت أوروبا تفعله: تطهير، وحصار، واقتلاع عائلات، ومحو تاريخ، واستعمار تدريجيٌّ للأرض. الأسوار، ومراقبة سكَّان بأدوات مثل تلك الّتي طوَّرتها شركة NSO Group، وخرائط “أرض إسرائيل الكبرى” الحاضرة في الخطاب الدينيِّ والسياسيِّ، وتوظيف فقراء اليهود أنفسهم كوقود لمشروع لم يُسألوا إن كانوا يريدونه. هذا كلُّه ثابت، وقد تُضاف إليه تساؤلات جادَّة عجيبة من عنصريِّين غربيِّين حول سيادة اليهود المتصهينين على قطاعات محرَّمة داخليًّا مباحة لليهود عند التعامل مع “الأغيار” مثل الربا، وقطاعات الترفيه المشبوهة؛ فهذا قابلٌ للبحث والتوثيق والنفي والإثبات.
أمَّا ما نعرف أنَّه ثابت، فهو دليل أنَّ الصهيونيَّة اتَّخذت التهمة خطَّةً، وأمَّا ما يحتاج لإثبات، فهو أنَّ اليهوديَّة تعرَّضت لطفرة جينيَّة محمولة على الفيروس الصهيونيِّ.