تشير عالمة الذكاء الاصطناعي تيمنيت غيبرو إلى أن مسيرة بن غورتزل، مروج مصطلح “الذكاء الاصطناعي العام” ومؤلف أول كتاب عنه عام ٢٠٠٧ مع شين ليغ المؤسس المشارك لشركة “ديب مايند”، تكشف جذور الهرب الميتافيزيقي للشركات؛ إذ بعث برسالة مواساة من زنزانة جيفري إبستين المدان بجرائم الاعتداء الجنسي، معتبراً أن اتهامات الضحايا مردها عطب هيكلي في الدماغ البشري، قبل أن يَعِد بأن الذكاء العام الذي يهندسه سيخلق عقلاً جديداً يترفع عن توجيه اتهامات مماثلة.
في حوارها المصور مع الدكتورة ميريام فرانسوا، تفكك غيبرو جثة ما يُسمى “الخطر الوجودي”، موضحة أن فهم صراخ الرؤساء التنفيذيين اليوم عن نهاية العالم يتطلب التفتيش في غرفهم المظلمة بعيداً عن قاعات الكونغرس.
تطرح فرانسوا تساؤلات حول دوافع المنشقين الذين يتركون ثروات طائلة لتحذير العالم من الفناء، مثل دانيال كوكوتاجلو الباحث السابق في “أوبن إيه آي” الذي تخلى عن أسهم تقارب قيمتها أكثر من مليوني دولار بقليل ليشارك في كتابة تقرير يقدّر احتمالات الكارثة بسبعة أعشار بحلول عام ٢٠٢٧. وتردّ غيبرو بإشهار حزمة “تيسكريال” (TESCREAL)، كاشفةً عن طائفة دينية علمانية مغلقة تشبه “الساينتولوجيا”، يقطنون المجمعات ذاتها ويغترفون من جيوب المليارديرات أنفسهم، وتنحدر عقائدهم من شجرة “اليوجينيا” وتحسين النسل التي أفرزت المحرقة النازية وتجذرت في جامعات كاليفورنيا وستانفورد وأكسفورد وكامبريدج.
تستعجل هذه العقيدة خلق فصيلة “ما بعد بشرية” خالدة، وتتعامل مع كوكب الأرض بوصفه رحماً مؤقتاً يجب هجره لاستعمار المجرات، مبررةً سحق البشر الأحياء اليوم واستلاب مواردهم كقربان مشروع لضمان رفاهية تريليونات الأرواح الافتراضية، في انتظار ساعة “التفرد” التكنولوجي حين يخرج “الإله الآلي” عن السيطرة لمنح أتباعه الفردوس الموعود أو إبادة الخليقة، وهو الوعد الذي يجعل منظّراً مثل راي كورزويل يبتلع عشرات الفيتامينات يومياً طمعاً في اللحاق بقطار الخلود.
تفضح الوثائق التي جمعتها غيبرو مع زميلها إميل آباء هذه الكنيسة التقنية؛ فإيليزر يودكوفسكي زعيم “العقلانيين” ومؤسس منتدى (LessWrong) غادر المدرسة الثانوية دون شهادة، وجزبت حساباته عام ١٩٩٦ أن القيامة التكنولوجية ستعقبها القيامة عام ٢٠٢٥، ومضى الموعد وبقي الكوكب، ليواصل التنظير حول تراجع معدلات الذكاء أوروبياً وتحديد السن الذي يكتسب فيه الطفل البشري “حق الحياة” بثلاث أو أربع سنوات.
إلى جواره يبرز نيك بوستروم مخترع حقل “دراسات الخطر الوجودي” ومؤلف كتاب “الذكاء الفائق” عام ٢٠١٤ الذي فتن إيلون ماسك وبيتر ثيل، وموّلا “معهد مستقبل البشرية” التابع له في أكسفورد، وهو المعهد الذي ضمّ إبستين بين مموليه، بينما كشف أرشيف التسعينيات رسالة لبوستروم يقرر فيها كحقيقة موضوعية أن السود أشد غباءً من البيض.
تدار هذه الشبكة، وفقاً لشرح غيبرو، بذات الحيل التي أتقنتها شركات التبغ لصناعة إجماع علمي زائف؛ فشركة “أنثروبيك” تلوّح بتقرير تدقيق خارجي أصدَرته منظمة “ميتر” (METR)، متجاهلةً أن الملياردير يان تالين، أحد أقطاب الطائفة والمؤسس المشارك لـ”معهد مستقبل الحياة”، هو الممول الأكبر للمنظمة الفاحصة وللشركة المفحوصة معاً.
تدور لعبة الكراسي الموسيقية منذ عام ٢٠١٥، حين أصدر ذلك المعهد رسالته بتوقيع ماسك وديميس هاسابيس محذراً من فناء البشرية بالتوازي مع الوعد بالقضاء على الفقر؛ إذ أثار استحواذ غوغل على “ديب مايند” فزع ماسك وثيل فأسسا “أوبن إيه آي” لإنقاذ العالم، ثم انشق معتنقو “الإيثار الفعال” لتأسيس “أنثروبيك” بذريعة أنهم الأوصياء الأجدر بحراسة الإله الآلي، حتى أن المبلّغ الأخير جاكوب كوكسين لم يقضِ سوى نصف عام في “أنثروبيك” بعد انغماسه في طائفة العقلانيين ليخرج متفقاً مع ترامب وماسك وثيل على أن تغير المناخ خطر مبالغ فيه.
تستعيد غيبرو لحظة طردها من غوغل عقب نشر ورقتها “الببغاوات العشوائية” عام ٢٠٢٠، ثم مقالها في “وايرد” يوم إطلاق “تشات جي بي تي” عام ٢٠٢٢، لافتةً إلى أن غضب الرؤساء التنفيذيين كان لأن النقد مسّ جوهر تجارتهم، بينما التصفيق الإداري يفضح مسرحية المبلّغين الذين يكررون حرفياً ما يقوله داريو أمودي وسام ألتمان.
يخدم نفخ الرعب في قدرات النماذج اللغوية ثلاثة أغراض؛ أولها التسويق المجاني للمستثمرين وأرباب العمل الراغبين في استبدال العمال، وثانيها التملص من المساءلة القانونية عبر خرافة “النماذج المارقة”، مستشهدةً بفضيحة اختراق منصة “هاغينغ فيس” (Hugging Face) التي روّجت لها “أوبن إيه آي” كدليل على ذكاء نماذجها وقدرتها الذاتية على القرصنة، بينما تشير الحقيقة التقنية إلى رعونة الشركة في اختبار النموذج خارج بيئة معزولة وتحويل عورتها الهندسية إلى إعلان تجاري يغري الجيوش والمقاولي الدفاع.
يتجسد الغرض الثالث في الاستحواذ التنظيمي وسحق المنافسة؛ فقبل ثلاث سنوات تقمّص سام ألتمان دور “أوبنهايمر” الحزين تحت قبة الكونغرس متوسلاً تقييد صناعته، قبل أن يهدد بمغادرة أوروبا إثر تشريعات بروكسل الفعليّة. وترى غيبرو أن المطلوب هو تشريع مفصّل على مقاس الاحتكار الأميركي يحظر النماذج الصينية مفتوحة الأوزان بحجة الأمن القومي، ويصوّر أي حديث عن التمييز العنصري أو استنزاف مراكز البيانات للمياه والكهرباء وتفاقم الكارثة المناخية كثرثرة هامشية عطّلت تشريعات الأمان.
على مقصلة هذه الذريعة، يرمي سَدَنة الطائفة أرقاماً عشوائية من طراز وجود فرصة قدرها عُشر لأن يقتل البرنامج البشري خلال عقد من الزمان دون سند هندسي، ممارسين الشعوذة ذاتها التي يمارسها كهنة القيامة حين يجمعون أموال الأتباع استعداداً لنهاية العالم، فإذا لم تقم القيامة عدّلوا التقويم في دفاترهم وطالبوا بميزانيات إضافية وحق نهب الموارد لبناء سفينة النجاة.
