قصة أصحاب رؤوس الأموال الكبرى اليوم مع قطاع الذكاء الاصطناعي تشبه من ينزلون بمعاولهم وجرافاتهم ليحفروا قنوات تسبق المطر. قبل أن تبلل قطرة واحدة الحصى، يرى هؤلاء غيومًا تتراكم عند الأفق، فيراهنون بأموالهم على قاعدة قديمة في السوق تقول إن من يشق المجرى أولًا يضع يده على ري الحقول يوم ينهمر الغيث.
بهذه الحمّى انطلقت أضخم دورة استثمارية في تاريخ التقنية الحديث، إذ تشير تقديرات مؤسسة «غارتنر» إلى إنفاق رأسمالي يبلغ تريليون دولار خلال عام 2026 وحده، في حين تنتظر ستة تريليونات أخرى دورها حتى عام 2030. والغبار الذي يثيره هذا “الحفر الكثيف لقنوات الريّ” يحجب عن المراقب العادي حقيقة الحركة المالية في القاع؛ فالمال الذي يبدو للناظر من بعيد تدفقًا استثماريًا جديدًا، يدور في جزء كبير منه داخل حوض مغلق بين عدد محدود من الشركات.
تقوم هذه الدورة المغلقة على آلية مالية قديمة تُعرف في المحاسبة باسم «تمويل المورّدين» (Vendor Financing)، هذه حيلة قانونية يلجأ إليها صانع البضاعة حين يريد تسريع مبيعاته فوق قدرة السوق النقدية؛ فيُقرض المورّدُ المالَ لعميله، أو يستثمر في أسهمه، أو يكفله أمام المصارف، ليأخذ العميل هذا المال نفسه ويشتري به بضاعة المورّد. وللعلم، فإن خطورة هذه الآلية تكمن في الطريقة التي تُقرأ بها الدفاتر المالية؛ إذ يسجل الصانع هذه الصفقة في قوائمه بوصفها «إيرادات مبيعات» ترفع قيمة سهمه في البورصة، بينما خرج النقد في الحقيقة من خزنته عبر نافذة الاستثمار والائتمان ثم عاد إليها عبر باب المبيعات. وقد شهدت الأسواق ذروة شبيهة بهذه الممارسة أواخر التسعينيات لدى شركات معدات الاتصالات الكبرى التي موّلت شركات التشغيل الناشئة لشراء مقاسمها وكابلاتها، فلما تعثر المشغلون تهاوت القوائم المالية للصنّاع والمقترضين معًا.
يتكرر هذا المشهد اليوم بأحجام مالية غير مسبوقة في تاريخ الصناعة. تخطط شركة «إنفيديا» لضخ ثلاثين مليار دولار في شركة «أوبن إيه آي»، وتضع ضمانات ائتمانية تصل إلى مئة وخمسة مليارات لبناء مراكز بيانات جديدة، فيما تتراوح الالتزامات المتداخلة بين «إنفيديا» و«أوبن إيه آي» و«أوراكل» في حدود تريليون إلى تريليون ونصف تريليون دولار. وتبقى هذه الأرقام المتداولة لصفقات التمويل الدائري تقديرات غير رسمية جمعها محللو السوق من تسريبات العقود، إذ يحتفظ أطرافها بالدفاتر الكاملة بعيدًا عن الإفصاح العلني. وفي مثال عملي على هذا التشابك، دفعت «إنفيديا» مليارًا ونصف المليار دولار في شركة «إس بي إنرجي» لتمويل منشأة طاقة ستملؤها «أوبن إيه آي» لاحقًا برقائق تشتريها من «إنفيديا» ذاتها.
هذا الوضع يذكّر بنكتة معروفة حول الناتج الإجمالي، تروي أن خرّيجي اقتصاد كانا يسيران في البريّة فرأيا روث حصان فتراهنا على أن يأكله أحدهما ويدفع الآخر له ١٠٠ دولار، وفعل، وبعد قليل من المسير ندم من أكل الروث، فعرض على الآخر الذي دفع له أن يراهنه على أكل كومة روث أخرى، ففعل، وهكذا قال أحدهما: لقد أكلنا الروث مجانًا. فردّ الآخر: لقد ساهمنا بارتفاع الناتج المحلي الإجمالي ٢٠٠ دولار. يقول مدرّسو الاقتصاد هذه النكتة ليشرحوا عقم الأرقام، لكن الإعلام يطير بكل صفقة ولو كانت فتؤخذ على أنها دليل على نجاح الشركة، لترتفع أسهمها بالفعل زمنًا ما.
ويزداد هذا التشابك حساسية حين ننظر إلى قدرة المشترين على السداد؛ إذ تُسجّل «أوبن إيه آي» خسائر متوقعة تقارب أربعة عشر مليار دولار في عام 2026 أمام التزامات تعاقدية تلامس 1.4 تريليون دولار. وفي الوقت نفسه تستدين شركة «كور ويف» (CoreWeave) عشرات المليارات من تحالفات مالية بضمان عقود الحوسبة المدعومة من صانع الرقائق نفسه. فإذا تباطأ الطلب النهائي في السوق، يتلقى الصانع الضربة مرتين: مرة حين تتراجع مبيعات رقائقه، ومرة في محفظته الاستثمارية وديونه المضمونة. وهذا قائد السوق الذي إذا اهتزّ سيغيّر مجرى الصناعة كلّها. فيجب أن نسأل عن الهزّة: هل هي قادمة فعلا؟
تضعنا هذه الأرقام أمام فجوة حسابية صريحة بين كلفة البناء وعائد التشغيل. تحسب «غارتنر» أن ملاك مراكز البيانات يحتاجون إلى إيرادات تراكمية تبلغ 8.5 تريليونات دولار بحلول عام 2030 لتغطية رأس المال وكلفة الاقتراض وتحقيق عائد سنوي نسبته اثنا عشر بالمئة، في حين تقف الإيرادات المتوقعة لهم عند سقف 3.6 تريليونات دولار. تقيس هذه الفجوة عجز من يحفر القناة عن تحصيل الإيجار الكافي لسداد ديونه، مع أن الماء نفسه قد يجري في الوادي وينتفع به غيره. فالشركة الزراعية أو الصناعية أو الخدمية التي تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي اليوم وتضاعف إنتاجها بنصف الكلفة القديمة تسجل أرباحها في دفاترها الخاصة، بعيدًا عن دفاتر مالك مركز البيانات. وقد حدث هذا الفصل بين باني البنية التحتية والمستفيد منها مطلع الألفية، حين أفلس المضاربون الذين مدّوا كابلات الألياف الضوئية تحت المحيطات، ثم جاءت شركات البرمجيات والإنترنت بعدهم فاستأجرت تلك الشبكات الجاهزة بأبخس الأثمان، وبنت فوقها ثروات طائلة دون أن تدفع دولارًا واحدًا لمن حفر وموّل. غير أن المقارنة بكابلات الألياف الضوئية تغفل فارقًا فيزيائيًا ومحاسبيًا جوهريًا بين طبيعة الأصلين.
الألياف الزجاجية التي دُفنت تحت الأرض والمحيطات مطلع الألفية حافظت على صلاحيتها التقنية عشرين عامًا؛ لأن فيزياء نقل الضوء عبر الزجاج بقيت ثابتة، فاحتفظ الأصل بقيمته الاستخدامية بعد إفلاس مالكه الأول. أما مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي فتقوم في معظم تكلفتها على معالجات رسومية ورقائق إلكترونية تعمل تحت ضغط حراري وكهربائي هائل على مدار الساعة، مما يستهلك عمرها المادي سريعًا. ويضاف إلى التآكل المادي تقادم اقتصادي أسرع؛ إذ تطرح شركات أشباه الموصلات جيلًا جديدًا من الرقائق كل عامين تقريبًا بكفاءة أعلى واستهلاك أقل للكهرباء، فتغدو الرقائق القديمة عبئًا تشغيليًا؛ لأن فاتورة تشغيلها وتبريدها تفوق القيمة السوقية لما تنتجه من حوسبة. وهكذا تفقد هذه الأصول قيمتها خلال ثلاث أو أربع سنوات بينما تظل أقساط قروضها مستحقة السداد، وحين يحين موعد التصفية سيجد المشتري المتربص بالصفقات الرخيصة مستودعات من الخردة الإلكترونية المتقادمة، وهو ما يفسر التقديرات التي تنذر باحتمال شطب أصول تتجاوز قيمتها 3.5 تريليونات دولار قبل نهاية العقد الحالي. وهنا علينا الالتفات إلى السياق الأكبر الذي يحدث فيه هذا كلّه.
يزداد هذا العبء ثقلًا بفعل البيئة المالية الكلية في الولايات المتحدة؛ فقد تجاوز العجز الفيدرالي الأمريكي تريليوني دولار في السنة المالية 2026، وتخطت فوائد الدَّين العام حاجز 1.1 تريليون دولار، فيما يختبر عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات عتبة الخمسة بالمئة عقب موجة بيع في أسهم التقنية. ولعلّ القارئ غير المختص بالأسواق المالية يتساءل عن علاقة سندات الحكومة بمراكز البيانات؛ فالعائد على سندات العشر سنوات الأمريكية يمثل «السعر المرجعي الخالي من المخاطر» في النظام المالي العالمي، وحين تمنح الحكومة الأمريكية المقترضين عائدًا يقارب خمسة بالمئة بضمان سيادتها، يطالب المقرضون التجاريون بفائدة أعلى بكثير (قد تصل إلى ثمانية أو عشرة بالمئة) حين يُقرضون شركة تقنية ناشئة ترهن رقائق سريعة التقادم. وسواء أكان اقتراض شركات الحوسبة هو ما يرفع كلفة المال في السوق أم كان الاقتراض الحكومي الضخم يزاحم القطاع الخاص على السيولة كما تجادل مؤسسة «بيمكو» (PIMCO)، فإن بقاء الفائدة فوق خمسة بالمئة يخنق الجدوى الاستثمارية للمشاريع المعتمدة على الديون. وتستطيع المنصات التقنية العملاقة أن تسحب من احتياطياتها النقدية الضخمة لاحتمال هذه الكلفة، وإن كنت لم أعثر في التقارير المتاحة على قياس موثق لنسبة هذا التمويل الذاتي لديها، في حين تواجه شركات الحوسبة السحابية الناشئة التي تأسست بالديون خطر اختناق ائتماني يهدد بابتلاع أربعة أخماسها قبل عام 2030.
وفي الجهة الشرقية من العالم، تتحرك بكّين بحسابات مغايرة تمامًا لحسابات مقرضي «وول ستريت». فالقوة العاملة الصينية تتجه نحو الانكماش بربع حجمها بحلول منتصف القرن نتيجة شيخوخة السكان، مما يجعل الاستثمار في الأتمتة والروبوتات والذكاء الاصطناعي هناك قرارًا سياديًا يهدف إلى تعويض النقص البشري، بصرف النظر عن العائد المالي المباشر على رأس المال. ومن تلك الجبهة تتدفق على السوق العالمية نماذج ذكاء اصطناعي «مفتوحة الأوزان» — أي نماذج تتيح شركاتها شفرتها ومعاملاتها المدربة مجانًا ليتمكن أي مطور في العالم من تنزيلها وتشغيلها على خوادمه الخاصة — وتقل تسعيرة تشغيلها بنسبة تتراوح بين ستين وتسعين بالمئة عن النماذج الأمريكية المغلقة وفق بيانات منصة «أوبن راوتر» (OpenRouter).
وقد اجتذبت هذه التسعيرة المنخفضة مطورين يراقبون النفقات بدقة في شركات مثل «كوينبيس» و«ليندي». ومع أن حصة هذه النماذج المفتوحة تقف حاليًا عند ستة بالمئة من إجمالي الشركات المتبنية بحسب مؤسسة «رامب» (Ramp)، فإن حرب الأسعار التي أشعلتها تضغط بشدة على عوائد المختبرات الكبرى. ولإدراك أثر هذه الحرب، ينبغي التفريق في اقتصاديات الذكاء الاصطناعي بين مرحلتين: مرحلة «التدريب» التي تبتلع مليارات الدولارات لبناء النموذج من الصفر، ومرحلة «الاستدلال» أو التشغيل، وهي استخدام النموذج الجاهز للإجابة عن طلبات العملاء، حيث تُباع الخدمة بالقطعة وفق وحدة قياس برمجية تُسمى «الرمز» (Token) تعادل كلمة أو جزءًا من كلمة. تقدر مؤسسة «مورنينغستار» هوامش الربح التشغيلي في مرحلة الاستدلال بنحو ثمانين بالمئة، وهو هامش مرتفع على الورق، غير أن تكاليف التدريب المستمر والبحث العلمي تبتلع هذه السيولة أولًا بأول. ومع انهيار سعر «الرمز» الواحد بفعل المنافسة الصينية والمفتوحة، يتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد الحقيقي، بينما يتقلص الدخل الدولاري العائد إلى خزينة من بنى مراكز البيانات.
المتوقع أن يستمر ضخ الأموال بتمويل متزايد لبضعة مواسم أخرى بحكم القصور الذاتي للعقود الموقعة، إلى أن تجتمع الفائدة المرتفعة مع اتساع كلفة التأمين على الديون المتعثرة عند الحلقات الأضعف، فتنكسر حلقة الإقراض المتبادل بين الموردين والمشترين.
عند تلك النقطة، ستنجو البنى التحتية التي تبيع حوسبتها لقطاعات إنتاجية حقيقية خارج دائرة التمويل الدائري، وبكلفة تشغيلية قادرة على مجاراة النماذج الرخيصة القادمة من الشرق؛ في حين يجد الممولون الذين أقرضوا بناء القنوات بضمان الرقائق أنفسهم أمام أصول متقادمة استُهلكت أعمارها الافتراضية، بينما يمضي المستفيد الفعلي — ذلك “المنتج أو المزارع” الذي وظف التقنية الجاهزة لخفض كلفته دون أن يشارك في نفقات “الحفر” — بمكاسبه الصافية بعيدًا عن ديون وادي السيليكون. العالم اليوم يقوده كيانان متنافسان، كلّ منهما يرى في الذكاء الاصطناعيّ اضطرارًا لا غنى له عنه، ولذلك نشكّ في حكمة قراراتهما، والرهان القصير المدى على نفاذ إرادتهما رابح، لكن على المدى الطويل الصورة مخيفة، على الأقل هذا ما يخبرنا به التاريخ.
