طالما راودتني نفسي أن أهجر هذا اللفظ الثقيل: “الحضارة”. سعيتُ أن أنفضه عن ذاكرتي كما ينفض المرءُ عن كتفيه معطفًا عتيقًا، تشرّبت خيوطه كلَّ ذكريات التاريخ الموبوءة. فما إن يلامس هذا اللفظ شفتيّ، حتى أذوق مرارة إرثه الاستعماريّ، وأستشعر صقيع منطقه الفولاذيّ الذي رتّب أعراق البشر على سُلّمٍ قاسٍ، يعتليه سيّدٌ أبيض، وتتكدّس عند أسفله بقيّةٌ ملوّنة من البشريّة، موسومةً بالهمجيّة أو مختومةً بالتخلّف. أليس هذا المصطلح هو السيف الأيديولوجيّ الذي استُلَّ ليُشرعن الغزو والسلب باسم الأنوار؟ ألم يكن هو القناع الأخلاقيّ البارد الذي ارتدته أبشع وجوه الجشع الإنسانيّ؟
