مقالات القرآن العظيم 47 | سورة يونس

مقدّمة السورة

تتنزّلُ سورةُ يونس (وهي الخمسون في ترتيبِ النُّزولِ التَّقريبيِّ) لِتَفْتتِحَ مَرحلةً جديدةً من مَراحلِ البيانِ القرآنيِّ في مَكّةَ، وهي مَرحلةُ “ألف لام را” التي تَتَّسمُ بتركيزٍ مِهيمنٍ على طبيعةِ الوحيِ وصِدقِ الكتابِ. تأتي هذه السورةُ بَعدَ سورةِ القصصِ لِتَنقلَ العقلَ من تتبعِ آثارِ الصِّراعِ الميدانيِّ بينَ الحقِّ والباطلِ، إلى مواجهةِ الأساسِ المَعرفيِّ لهذا الصِّراعِ، حيثُ يرتكزُ الخطابُ هنا على بِنادِ “اليقينِ” في مواجهةِ “الظنِّ”.

إنَّ سورةَ يونس تُريدُ تبيانَ حقيقةٍ كُبرى للمتلقّي: أنَّ هذا القرآنَ ليس سِحرًا ولا افْتراءً، بل هو قانونٌ كونيٌّ يَتّسقُ مَعَ مَنظومةِ الخَلْقِ والإبداعِ. السورةُ تُواجهُ حالةَ التعجُّبِ الجاهليِّ من بَشريّةِ الرَّسولِ، وتَرُدُّها إلى الحَقِّ الذي لا يَقبلُ الشَّكَّ. وهي السورةُ التي سُمّيَت باسمِ نبيِّ اللهِ يونس لِتُسجّلَ استثناءً تاريخيًّا وحيدًا؛ وهو إيمانُ قَرْيةٍ بَعدَ أن رأتْ بوادرَ العذابِ، لِتفتحَ بابَ الأملِ لِقُريشٍ -وللبشريّةِ كافّةً- بأنَّ العودةَ إلى الحَقِّ مُمكِنةٌ ما دامَ في العُمُرِ بَقِيّةٌ، وأنَّ مَشيئةَ اللهِ في الهدايةِ مَقرونةٌ بقرارِ الإنسانِ واختيارِهِ لِدخولِ مَأمنِ اللهِ.

الإضاءات اللغويّة والتأثيل البيانيّ

١. الْحَكِيمِ (الآية ١): {آياتُ الكِتابِ الحكيمِ}. التأثيلُ اللغويُّ يَرُدُّ الحكيمَ إلى الحَكَمةِ (وهي الحديدةُ في لِجامِ الفَرَسِ التي تَمْنعُهُ من الجُموحِ). فالكتابُ الحكيمُ هو النصُّ الذي يَحكُمُ الفِكْرَ ويَمْنعُهُ من الضَّلالِ والعَبثيّةِ، وهو مُحْكَمٌ في بِنادِهِ لا يَتطرّقُ إليهِ الخَللُ.

٢. عَجَبًا (الآية ٢): {أكانَ للنّاسِ عَجَبًا}. العَجَبُ هو دهشةٌ تَنْشأُ عن غِيابِ السَّببِ. السورةُ تُفكّكُ العَجَبَ السَّلبيَّ الذي يَمنعُ من القَبولِ، لِتُحوِّلَهُ إلى تفكُّرٍ في آياتِ الخَلْقِ.

٣. قَدَمَ صِدْقٍ (الآية ٢): {أنَّ لَهُم قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِم}. القَدَمُ لغةً تُشيرُ إلى السَّبْقِ والمَنْزلةِ (من القِدَمِ). والتعبيرُ يَعني السَّابقةَ الحسنةَ والمقامَ الرَّفيعَ الذي لا يَتزعزعُ. الإنسانُ اليومَ يَفهمُ هذا بكونِهِ الرَّصيدَ الحقيقيَّ من العَمَلِ الصالحِ الذي يسبقُ صاحبهُ إلى غَدِهِ.

٤. يُدَبِّرُ (الآية ٣): {يُدَبِّرُ الأَمْرَ}. من الدُّبُرِ (عَقِبُ الشيءِ). التدبيرُ هو النظرُ في عواقبِ وفواتِحِ الأمورِ لِتَقَعَ وِفْقَ حِكمةٍ مَقصودةٍ. هو نَفْيٌ للعشوائيّةِ التي يَظنُّها الإنسانُ الماديُّ في الكَوْنِ.

٥. يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ (الآية ٩): التأثيلُ اللغويُّ لـ “الإيمانِ” يربطُهُ بالجِذْرِ (أمَنَ). الإيمانُ هنا، وكما تقررَ في مَقالاتِنا، ليس مُجرّدَ “تصديقٍ” ذِهنيٍّ باردٍ، بل هو “مُعاهدةٌ على الأمنِ”. الباءُ في “بإيمانِهِم” هي باءُ السَّببيّةِ والمُصاحبةِ؛ أي أنَّ دخولَهُم في كَنَفِ اللهِ ومُعاهدتَهُم لهُ على السِّلمِ واليقينِ (إيمانُهُم) صارَ هو القائدَ لَهُم نَحْوَ مَنازلِ الهدايةِ. فاللهُ لا يَهدي الغافلينَ، بل يَهدي مَن اتخذَ قرارَ “الأمنِ” مَنهجًا.

٦. ضِيَاءً ونُورًا (الآية ٥): {جعلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً والقَمَرَ نُورًا}. الضياءُ في التأثيلِ اللغويِّ هو النُّورُ الذاتيُّ المَصحوبُ بحرارةٍ وقوّةٍ، بَيْنَما النُّورُ هو الضَّوءُ الهادئُ (المنعكسُ غالِبًا). السورةُ تَرسُمُ مَنظومةً لِلرُّؤيةِ الكونيّةِ تُطابقُ حقائقَ العِلْمِ وتُخاطبُ تذوُّقَ الإنسانِ لجمالِ الليلِ والنهارِ.

٧. يَعْزُبُ (الآية ٦١): {وما يَعْزُبُ عَن رَبِّكَ}. من العُزوبةِ وهي البُعْدُ والغِيابُ. التأثيلُ يُصوِّرُ عِلْمَ اللهِ الذي لا يَعْزُبُ أي لا يَبْتعدُ ولا يَتوارى عن الرَّقابةِ الإلهيّةِ، مهما صَغُرَ شأنُهُ (مِثقالُ ذَرّةٍ).

٨. مَتَاعٌ (الآية ٧٠): {مَتَاعٌ في الدُّنيا}. المَتاعُ هو ما يَنْتفعُ بهِ الإنسانُ لِزمنٍ ثمَّ يَبْلى (كَخِرقةِ القماشِ أو أداةِ المسافرِ). السورةُ تُريدُ بَيانَ أنَّ المادّةَ متاعٌ عابرٌ وليست غايةً خَالدةً.

٩. الْمُفْتَرِينَ (الآية ٣٨): {أم يقولونَ افْتَراهُ}. الافْتراءُ لغةً هو القَطْعُ (من فَرى الجِلْدَ إذا قَطَعَهُ لِيُصلِحَهُ أو يُفسدَهُ). وهو الكَذِبُ الذي يُختَلَقُ ويُقطعُ من نَسيجِ الخيالِ لِيُنسَبَ لِلحقيقةِ. التحدِّي القرآنيُّ هنا يَقومُ على أنَّ جَودةَ النَّسجِ البيانيِّ في القرآنِ تَنفي عَنْهُ صِفةَ الافْتراءِ البَشريِّ.

١٠. يَسْتَنْبِئُونَكَ (الآية ٥٣): {ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هُوَ}. السينُ والتاءُ لِطلبِ النَّبأِ. هم يَطلبونَ خَبَرًا يقينيًّا عن مَصيرِهِم. والردُّ {إي ورَبِّي} هو قَسَمٌ لغويٌّ يُفيدُ التحقيقَ الذي لا يَقْبلُ الجَدَلَ.

١١. تِلْقَاءِ (الآية ١٥): {مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي}. تِلْقاءُ هي الجِهةُ المُقابلةُ. اختيارُ اللفظِ يَنفي أيَّ تَدخُّلٍ ذاتيٍّ لِلنبيِّ في صِناعةِ النصِّ؛ فهو مُجرّدُ مُوجَّهٍ نَحْوَ مَصدَرِ الوحيِ.

١٢. يَسْتَعْجِلُونَ (الآية ١١): {ولو يُعجِّلُ اللهُ للنّاسِ الشَّرَّ استعجالَهُم بالخيرِ}. الاستعجالُ هو طلبُ الشيءِ قَبْلَ أوانِهِ. السورةُ تَنقُدُ العجلةَ البشريّةَ التي قد تَدعو على النَّفسِ بالشرِّ في لَحظةِ غَضَبٍ، وتُبيِّنُ أنَّ لُطْفَ اللهِ يَمنعُ إجابةَ هذا الاستعجالِ المَهلكِ.

١٣. لِقَاءَنَا (الآية ٧، ١١، ١٥): اللقاءُ هو الاجتماعُ عَن قَصْدٍ. تكرارُ اللفظِ يَهْدِفُ إلى تزمينِ المَسؤوليّةِ؛ فالإنسانُ ليس مَتْرُوكًا، بل هو في طَريقِهِ لِلقاءٍ حتميٍّ يُحاسَبُ فيهِ على مَسيرِهِ.

١٤. مَوْعِظَةٌ وشِفَاءٌ (الآية ٥٧): الموعظةُ هي زَجْرٌ مَصحوبٌ بتذكيرٍ بالعواقبِ، والشِّفاءُ هو زَوالُ العِلّةِ. السورةُ تُقدّمُ القرآنَ بصفتهِ تِرْياقًا لِأمراضِ الصُّدورِ (الشَّكِّ، الضَّغينةِ، الحَيْرَةِ) التي يُعاني منها الإنسانُ في كلِّ عصرٍ.

مقالة السورة: بيانُ الحَقِّ ومَنطقُ الفِطرةِ

تَشرعُ سورةُ يونس في بناءِ المَنطقِ العقلانيِّ لِلوحيِ من لَحظتِها الأولى. فبَعدَ الحروفِ المُقطَّعةِ، تُواجهُ السورةُ مُشكلةَ الإدراكِ الجاهليِّ الذي حَصَرَ الوحيَ في دائرةِ السِّحرِ أو العَجَبِ. إنَّ السورةُ تُريدُ بَيانَ حقيقةِ التوحيدِ للنّاسِ؛ أنَّ الإلهَ الذي خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ في سِتّةِ أيّامٍ ثمَّ اسْتوى على العَرْشِ لِيُدبّرَ الأمرَ، هو ذاتُهُ الذي يُرسلُ الآياتِ لِتَهديَ البَشرَ. الكَوْنُ والقرآنُ صنوانِ في مَدرسةِ التدبيرِ الإلهيِّ.

تنتقلُ السورةُ بِنَا إلى تَصويرِ النَّماذجِ البشريّةِ في التعاملِ مَعَ الحقيقةِ. فهُناكَ مَن لا يَرْجونَ لقاءَنا ورَضُوا بالحياةِ الدنيا واطْمأنُّوا بها؛ هؤلاءِ حَصَرُوا وُجودَهُم في القِشرةِ الماديّةِ فغابتْ عنهم لَطائفُ المعنى. وهنا يبرزُ المِعيارُ الجوهريُّ لِلفلاحِ: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ}؛ فمَن دخلَ في عَهدِ الأمنِ مَعَ اللهِ، وتخلّى عن جُنونِ الاستكبارِ والظنِّ، جَعلَ اللهُ هذا الإيمانَ (المُعاهدةَ) مَنارًا يَهتدونَ بهِ في ظُلُماتِ الدنيا والآخرةِ. الهدايةُ هنا ليستْ فِعْلًا قَسريًّا، بل هي نتيجةٌ حتميّةٌ لِحالِ الأمنِ الذي اتخذَهُ المؤمنُ مَسكنًا لِقلبِهِ.

في مُواجهةِ الاستفزازِ الجاهليِّ بطَلَبِ تَبجيلِ القرآنِ أو تَغييرِهِ {ائتِ بقرآنٍ غَيْرِ هذا أو بَدِّلْهُ}، يأتي الردُّ حاسمًا بالتزامِ شرطِ اللسانِ وأمانةِ البلاغِ. النبيُّ ليس مُؤلّفًا بَل هو مُتَّبِعٌ لِما يُوحى إليهِ. وتَستعرضُ السورةُ تحدِّي المعارضةِ بِمُطالبةِ المشركينَ بالإتيانِ بسورةٍ مِثْلِهِ. هذا التحدِّي هو ذِروةُ البُرهانِ على صِدقِ المَصْدَرِ؛ فالعَجْزُ البشريُّ عن مُضاهاةِ النَّظْمِ هو الدليلُ القاطعُ على أُلوهيّةِ القولِ.

تَمضي المَقالةُ لِتَسردَ لَنا سُنّةَ اللهِ في الأُممِ. تُعرِّجُ على موسى وهارون في مُواجهةِ فرعونُ، ليس لِتَكرارِ القِصّةِ، بَل لِتبيينِ مآلِ الاستفسادِ {إنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المفسدينَ}. وتَقِفُ السورةُ مَوْقِفًا مَهيبًا عندَ لَحظةِ الغَرَقِ لِفرعونُ وقولِهِ {آمنتُ}؛ لِتُقرّرَ حقيقةً مَفصليّةً: إنَّ الإيمانَ لَحظةَ اليأسِ الكُلِّيِّ (إيمانُ الاضطرارِ) لا يَنْفعُ صاحبَهُ؛ لأنَّ الإيمانَ الحقيقيَّ هو “مُعاهدةُ أمنٍ” تُعقدُ في حالِ الاختيارِ لا في حالِ الغَرَقِ. ثمَّ تَأتي المفاجأةُ الكُبرى في نَموذجِ يونس؛ قومُ يونس هُم الاستثناءُ الذين نَفَعَهُم إيمانُهُم لَمّا رَأَوْا العذابَ قَبْلَ وُقوعِ الكارثةِ النِّهائيّةِ، فدخلوا في سِلْمِ اللهِ وأَمْنِهِ قَبْلَ فواتِ الأوانِ.

تَختتمُ السورةُ بِرَسْمِ مَعالمِ الطريقِ المستقيمِ؛ طريقِ الحنيفيةِ والسَّمَاحةِ. اللهُ لا يحتاجُ لِعبادةِ البَشرِ، بل البَشرُ هُم المُفتقرونَ إليهِ {قُل يا أيُّها النّاسُ قد جاءكُمُ الحَقُّ من رَبِّكُم}. الخِيارُ في النهايةِ للإنسانِ {فمَنِ اهتدى فإنَّما يَهتدي لِنَفْسِهِ}. السورةُ تُنهي مَقالتَها بالأمرِ بالصَّبرِ حتّى يَقضيَ اللهُ بينَ العبادِ، مُؤكّدةً أنَّ العِبرةَ بالثباتِ على الحَقِّ المَبينِ.

الجوُّ العامُّ لِلسورة

يَتَّسمُ الجوُّ العامُّ لِسورةِ يونس بالرَّصانةِ المَعرفيّةِ واليقينِ الهادئِ. إنَّها سورةُ الحَقِّ الذي لا يَعتري بَهاءَهُ ضَبابُ الشَّكِّ. يَشْعُرُ القارئُ فيها بهيبةِ القوانينِ الكونيّةِ التي تَنْطبقُ على الكتابِ كما تَنْطبقُ على مَطالعِ الشَّمسِ والقَمَرِ. الجوُّ العامُّ هو دَعوةٌ لِلتأمُّلِ العميقِ في مَغاليقِ النَّفسِ وآفاقِ الوجودِ، لِلوصولِ إلى نتيجةٍ واحِدةٍ: إنَّ الإيمانَ هو الوَطَنُ الحقيقيُّ لِلإنسانِ، وهو مَعاهدةُ الأمنِ التي تَحمي الفَرْدَ من ضَياعِ التِّيهِ. هي سورةُ الأملِ المَشروطِ بالعودةِ الصادقةِ لِدخولِ “حِمى الأمنِ”، لِتكونَ لِلقلوبِ شِفاءً وللمؤمنينَ بُشرى ورَحمةً تَقودُهُم إلى مَعادِهِم بسلامٍ.