مقدّمة السورة
تتنزّلُ سورةُ القصصِ (وهي التّاسعةُ والأربعون في ترتيبِ النُّزولِ التَّقريبيِّ) في لَحظةٍ مَفصليّةٍ من تاريخِ الدَّعوةِ في مَكّةَ، لِتكونَ بمثابةِ “البيانِ الختاميِّ” لِمرحلةِ الاستضعافِ وبدايةِ التَّبشيرِ بالتمكينِ. فبَعدَ أن ركّزتْ سورةُ الشُّعراءِ على مَصائرِ المُكذّبينَ ومَآلاتِ الجُحودِ، وعالجتْ سورةُ النَّملِ مَفهومَ “العِلْمِ والحِكمةِ” كأداةٍ لِإدارةِ المُلْكِ السَّليمِ، تأتي سورةُ القصصِ لِتُجيبَ عن السُّؤالِ الوجوديِّ الذي كان يؤرّقُ القِلّةَ المؤمنةَ وهي تُواجهُ بَطشَ قُريشٍ واسْتكبارَها: “كيفَ ينْتصرُ الحَقُّ الأعزلُ أمامَ باطلٍ يَمْلِكُ السَّطوةَ والمالَ والعَدَدَ؟”.
إنَّ السورةَ لا تُقدّمُ مَجموعةً من الأخبارِ التاريخيّةِ المَعزولةِ عن واقعِها، بل هي “قَصٌّ” بِمَعنى تتبُّعٍ دقيقٍ لآثارِ السُّـنَنِ الإلهيّةِ في الواقعِ الإنسانيّ. وهي تُفكّكُ بعُمقٍ مَنظومةَ “العُلوِّ في الأرضِ” التي مَثّلها فرعونُ، وتبيّنُ خَطَلَها وزَيْغَها أمامَ مَوازينِ “اللُّطْفِ الخفيِّ”. السورةُ تُريدُ “تفهيمَ” المُتلقّي أنَّ السُّلطةَ الماديّةَ المَغرورةَ، مهما بَلغتْ من العُتوِّ، هي في حقيقتِها مَنظومةٌ هشّةٌ تَحملُ بذورَ فَنائِها في داخلِها، بينما التمكينُ للمُستضعفينَ هو “إرادةٌ كونيّةٌ” لا مَرَدَّ لها.
الإضاءات اللغويّة
١. يَسْتَضْعِفُ (الآية ٤): جِذْرُها (ضَـعُـفَ)، والسينُ والتاءُ لِلطَّلبِ أو الصَّيرورةِ؛ أي يَسْعى لِجَعْلِهِم ضُعفاءَ رَغْمَ أَنفِهِم. الاستضعافُ في السورةِ ليس قَدَرًا بل هو “صِناعةٌ سُلطويّةٌ” تهدفُ إلى نَزْعِ مَواطنِ القوّةِ من الجماعةِ لِيَسْهُلَ اسْتيادُها.
٢. يَسْتَحْيِي (الآية ٤): {ويَسْتَحْيِي نساءَهُم}. التأثيلُ يَرُدُّها إلى “الحياةِ” لا إلى “الحياءِ”. المَعنى السياسيُّ هنا هو تَرْكُ الإناثِ على قَيْدِ الحياةِ لِأغراضِ الخِدمةِ والمَهانةِ والابتذالِ بَعدَ فَقْدِ الرِّجالِ. هو “إماتةٌ مَعنويّةٌ” عَبْرَ إبقاءِ النَّفَسِ البيولوجيِّ.
٣. الْيَمِّ (الآية ٧): مَفردةٌ أثيلةٌ في اللغاتِ الساميّةِ القَديمةِ، وتُشيرُ إلى لُجّةِ الماءِ الغامرةِ التي لا شاطئَ لَها في عَيْنِ الرّائي. اختيارُ “اليَمِّ” بَدلَ “النهرِ” أو “البحرِ” لِتلقّي التّابوتِ يُوحي بمُنتهى الخَطرِ الذي لا يَعصمُ منهُ إلا مَن بيدهِ مَقاليدُ السُّبُلِ.
٤. فَارِغًا (الآية ١٠): الفراغُ هو الخَلاءُ المَحضُ. وفي النَّفسِ هو تَعطُّلُ الحواسِّ عن اسْتقبالِ أيِّ مُؤثّرٍ سِوى فِكرةٍ واحِدةٍ. فُؤادُ أُمِّ موسى صارَ خاليًا من كُلِّ هَمٍّ أو خَاطرٍ إلا مَصِيرَ طِفلِها؛ هو “تَوحُّدٌ نَفْسيٌّ” مَعَ المَفقودِ يَستدعي الرَّباطَ الإلهيَّ.
٥. رَبَطْنَا (الآية ١٠): الرَّبطُ هو الشَدُّ والإحكامُ. وتأثيلُهُ يُشيرُ إلى تَقْييدِ الشيءِ لِئلّا يَنفرطَ. “الرَّباطُ على القلبِ” هو مَنْعُ المشاعرِ من التفلُّتِ والبوحِ الذي كان سَيَقضي على تَدبيرِ النجاةِ.
٦. فَوَكَزَهُ (الآية ١٥): الوَكزُ هو الضَّربُ بجمعِ الكَفِّ في الصَّدْرِ. هو فِعلٌ يَجمعُ بَيْنَ القوّةِ البَدنيّةِ وسُرعةِ الاندفاعِ. السورةُ تُريدُ “تفهيمَنا” بَشريّةَ موسى وفُتُوَّتَهُ التي لم تَنضبطْ بَعْدُ بضوابطِ النُّبوّةِ.
٧. يَأْتَمِرُونَ (الآية ٢٠): من “الأمرِ” مَعَ التفاعلِ. الائتمارُ هو أن يأتمرَ القومُ ببعضِهِم؛ أي يُشاورَ بَعضُهُم بَعضًا لِصياغةِ “أمرٍ” مُشتَركٍ. هو وَصْفٌ دقيقٌ لِـ “مَنطقِ العِصابةِ” حينَ تَتوافقُ على تصفيةِ الخُصومِ.
٨. تَذودَان (الآية ٢٣): الذَّودُ هو الدَّفعُ والمنعُ. وفي عُرْفِ الباديةِ هو حِمايةُ الإبلِ من مَواردِ الهلاكِ. المَفردةُ تَرسُمُ مَشهدًا لِقُوّةِ المَرأةِ العفيفةِ في “مُدافعةِ” الزِّحامِ دُونَ التنازلِ عَنِ الكرامةِ.
٩. اسْتِحْيَاءٍ (الآية ٢٥): {فجاءتهُ إحداهُما تمشي على استحياءٍ}. هنا الجِذْرُ هو “الحياءُ” (الانقباضُ القِيَميُّ). التأثيلُ يُوضِحُ المَفارقةَ بَيْنَ مَوْتِ “يَسْتَحْيِي” الفرعونيِّ وعِزّةِ “اسْتِحْياءِ” ابنةِ الرَّجلِ الصّالحِ؛ فالأوّلُ سَلْبٌ لِلمعنى، والثاني إحياءٌ لِلخُلُقِ.
١٠. اسْتَأْجِرْهُ (الآية ٢٦): من “الأجرِ” وهو العِوَضُ عن العَمَلِ. الطلبُ يَحملُ إقرارًا بـ “مَركزيّةِ الكفاءةِ” القائمةِ على ثُنائيّةِ (القوّةِ والأمانةِ)، وهو مِيثاقُ التوظيفِ الذي يَربطُ المَصلحةَ بالمَعدنِ.
١١. بُرْهَانَانِ (الآية ٣٢): البُرهانُ هو الحُجّةُ التي بَلغتْ صِدْقُها مَبْلغَ النُّورِ القاطعِ. هو “سُلطانُ الحَقِّ” الذي لا يُواجَهُ بالسِّلاحِ بل بالبَيانِ.
١٢. الْمَقْبُوحِينَ (الآية ٤٢): القُبْحُ هو ضِدُّ الحُسْنِ، وتأثيلُهُ يُشيرُ إلى الكَسْرِ أو الطَّردِ مَعَ تَقبيحِ الصورةِ. هو وَصْفٌ لِمَن سَقطت هَيْبتُهُ وتَحوّلَ من “العُلوِّ” المَزعومِ إلى “البشاعةِ” المَنبوذةِ.
١٣. سَرْمَدًا (الآيات ٧١، ٧٢): مَفردةٌ بَيانيّةٌ مَهيبةٌ، أصلُها “سَرْدٌ” (تتابعٌ)، والميمُ زائدةٌ لِلمُبالغةِ في الدَّوامِ. هي تُصوِّرُ رُعْبَ “السكونِ الرتيبِ” لِليلٍ بلا فجرٍ أو نهارٍ بلا نَوْمٍ، لِتنبيهِ الغافلينَ إلى قِيمةِ التغيُّرِ الكونيِّ.
١٤. وَيْكَأَنَّ (الآية ٨٢): كلمةٌ مُركبةٌ (وَيْ + كأنَّ). “وَيْ” كلمةُ تندُّمٍ وتفجُّعٍ، وكأنَّ لِلتشبيهِ أو التحقيقِ. هي لُغةُ “الصَّحوةِ” التي تَعقبُ سَكْرةَ الفِتنةِ الماديّةِ بَعدَ رؤيةِ الخَسفِ.
١٥. مَعَادٍ (الآية ٨٥): مَرجِعٌ ومَصِيرٌ. تأثيلُها يربطُ بَيْنَ “العَوْدِ” الزمانيِّ والمَكانيِّ. هي البِشارةُ الكُبرى التي تَقْفلُ دائرةَ السورةِ؛ فالبدايةُ كانت “خُروجًا” والنهايةُ “رَدًّا”.
مقالة السورة: رحلةُ الوَعْدِ من التّابوتِ إلى المَعادِ
تَفتحُ سورةُ القصصِ مَلفَّ الصِّراعِ الوجوديِّ بَيْنَ “إرادةِ العُلوِّ” البشريِّ و”إرادةِ التمكينِ” الإلهيِّ عَبْرَ نَصٍّ يَنسجُ خُيوطَ القَدَرِ ببراعةٍ لُغويّةٍ مُذهلةٍ. تَبْدأُ السورةُ بـ “طسم”، تلكَ الحروفُ التي تَقْرعُ أسماعَ أهلِ مَكّةَ لِتقولَ لَهُم: إنَّ هذا البيانَ من جِنْسِ كَلامِكُم، لكنَّ مَفاعيلَهُ تَتجاوزُ قُدرتَكُم. ثمَّ يَنْتصبُ المَشهدُ الأوّلُ: فرعونُ الطاغيةُ الذي “عَلا في الأرضِ”. وهذا العُلوُّ ليس مُجرّدَ تَرَقٍّ سياسيٍّ، بَل هو “استعلاءٌ وجوديٌّ” يَنبني على أركانِ الفسادِ: التمزيقُ الاجتماعيُّ {وجَعَلَ أهلَها شِيَعًا}، والإبادةُ المُمَنهجةُ للأجيالِ {يُذبِّحُ أبناءَهُم}، والامتهانُ الأخلاقيُّ لِلنساءِ {ويَسْتَحْيِي نِساءَهُم}.
في لَحظةِ هذا الانغلاقِ الماديِّ، يَنْبثقُ شُعاعُ الإرادةِ الإلهيّةِ {ونريدُ أن نَمُنَّ}. وتَبدأُ الدراما بـ “أُمِّ موسى”؛ مِثالُ الفُؤادِ الفارغِ من كُلِّ سَنَدٍ ماديٍّ، حيثُ يأمُرُها الوحيُ بـ “الإلقاءِ” لِتحقيقِ “الأمنِ”. هذا هو مَنطقُ الغَيْبِ الذي يَقْهرُ مَنطقَ المادّةِ؛ فالتابوتُ في لُجّةِ “اليَمِّ” هو أحصنُ من قلاعِ فرعونُ. والسُّخريّةُ القدريّةُ تَتجلّى في أنَّ السُّلطةَ التي ذَبحتْ آلافَ الأطفالِ حَذَرًا، هي ذاتُها التي سَتَحْتضنُ وتُرَبِّي “العَدُوَّ والحَزَنَ” القادمَ لِتَقويضِ أرْكانِها. موسى يَنشأُ في بَيْئةِ القصرِ، لكنَّ “الرَّباطَ” الإلهيَّ على قَلْبِ أُمِّهِ يَضْمنُ عَوْدَتَهُ لِتُرضِعَهُ؛ فالحقائقُ الكبرى لا تُمحى بمرورِ السنينِ.
في مَرحلةِ الشبابِ، نَرى نَموذجَ “النبيِّ الإنسانِ” بَعيدًا عن رتوشِ المثاليّةِ الجوفاءِ. موسى يَتورّطُ في فِعْلِ القتلِ “الوَكزِ” نُصرةً لِقريبِهِ، ثمَّ يَكتشفُ أنَّ العُنْفَ ليس سَبيلًا لِلتغييرِ {هذا من عَمَلِ الشيطانِ}. يَهْرُبُ موسى من مِصرَ “خائفًا يترقَّبُ” بَعدَ أن تآمرتْ عليهِ مَنظومةُ “الائتمارِ” السُّلطويِّ. هذا “الخروجُ” هو جَوْهرُ الإعدادِ النَّفسيِّ؛ فالتّمكينُ لا يأتي لِمَن لم يَذُقْ مَرارةَ الغُربةِ والخوفِ والعملِ الشّاقِّ.
في مَدينَ، نَلتقي بِمَشهدِ “السَّقْيِ”؛ حيثُ العفّةُ والمُروءةُ في أرقى صُوَرِها. امرأتانِ “تَذودانِ” غَنَمَهُما حياءً، ورَجُلٌ غريبٌ يَسقي لَهُما دُونَ طَمَعٍ، ثمَّ “تَولّى إلى الظِّلِّ” مُفتقرًا لِرَبِّهِ. هنا يَتنزّلُ “القَدَرُ الجميلُ” عَبْرَ مَشيةِ “الاسْتِحْياءِ” التي مَثّلتْ دَعوةً لِلعملِ والأمانةِ. السورةُ تَرسُمُ هنا “مِيثاقَ التوظيفِ” لِلإنسانِ المعاصرِ: {القويُّ الأمينُ}؛ كفاءةٌ في الأداءِ ونزاهةٌ في الخُلُقِ.
ثمَّ تأتي لَحظةُ التحوُّلِ الكُبرى في “جَانِبِ الطُّورِ”. موسى الذي “آنسَ” نارًا لِيدفأَ بها، وَجَدَ نورَ الوحيِ. يَعُدُّ موسى لِمواجهةِ فرعونُ وهامانَ وجُنودِهما، ليس بجيشٍ بَل بـ “سُلطانٍ” بَيانيٍّ وعَقليٍّ لا يُرَدُّ. فرعونُ يُحاولُ الالتفافَ على الحقيقةِ بـ “صَرْحِ هامانَ”؛ ظنًّا منهُ أنَّ الوصولَ إلى السَّماءِ مَسألةُ مِعمارٍ وهندسةٍ ماديّةٍ. لكنَّ المآلَ كان “النَّبْذَ في اليَمِّ” مَقبوحينَ مَنبوذينَ.
وبَعدَ أن تَمَّ تفكيكُ “فرعونيّةِ السُّلطةِ”، تلتفتُ السورةُ لِتفكيكِ “قارونيّةِ المالِ”. قارونُ هو نَموذجُ “التكنوقراطيِّ” المَغرورِ الذي يَرى أنَّ نجاحَهُ الاقتصاديَّ مَحْضُ “عِلْمٍ ذاتيٍّ” {إنَّما أُوتيتُه على عِلْمٍ عِندي}. هو يَرى أنَّ المالَ سُلْطَةٌ مَعزولةٌ عن المَسؤوليّةِ الأخلاقيّةِ. إنَّ مَشهدَ “الخَسفِ” بهِ وبدارِهِ الأرضَ هو الردُّ الماديُّ العنيفُ على كُلِّ مَن يَتطاولُ على حَقِّ الجماعةِ وحَقِّ المُنْعِمِ.
تُختتمُ السورةُ بِبِشارةٍ هي نَبْضُ قَلْبِ النبيِّ في مَكّةَ {لَرادُّكَ إلى مَعادٍ}. إنَّها طمأنةٌ لِكُلِّ طَريدٍ ومُستضعَفٍ بأنَّ دائرةَ القصصِ سَتَكتمِلُ. السورةُ تقولُ لَنا: إنَّ “العاقبةَ” لليقينِ الموصولِ بالوحيِ، لا لِلعُلوِّ الماديِّ المَقطوعِ عَن القيمةِ.
الجوُّ العامُّ لِلسورة
تَتنفّسُ سورةُ القصصِ برُوحِ “الأمَلِ المَنبثقِ من مَضائقِ العَدَمِ”. إنَّ جَوَّها العامَّ هو الصِّراعُ بَيْنَ “الظاهِرِ الغاشِمِ” الذي يَمْلكُ السَّطوةَ والمالَ، وبَيْنَ “الباطِنِ القادِرِ” الذي يَمْلكُ الحقيقةَ والوَعْدَ. هي سورةُ “القلبِ المَربوطِ” الذي يَتجاوزُ فِتنةَ العُلوِّ الزّائفِ بِيَقينِ المآلاتِ؛ ففيها يَنْقلبُ “التابوتُ” حِصْنًا، و”اليَمُّ” مَهْدًا، و”الخوفُ” أمنًا، و”الغُربةُ” تَمكينًا. السورةُ تَمضي بالقارئِ من ضجيجِ القصورِ وخزائنِ الذهبِ لِتَحُطَّ بهِ في فِناءِ التواضعِ الأخلاقيِّ، مُوقنةً بأنَّ كُلَّ تشريدٍ ظالمٍ يَعقبهُ “مَعادٌ” ظافِرٌ، وكلَّ استضعافٍ صابرٍ يَتلوهُ “مَنُّ اللهِ”، طالما كان المَرءُ يَقفو أثَرَ الحَقِّ دُونَ وَهَنٍ.
