عفن الذهن | عن طفلك المرميّ في بئر التقنية القذر

لعلّنا، نحن جيلَ الألفيّةِ والجيلَ الّذي تَبِعَنا، كُنّا أشبهَ بفئرانِ تجاربَ في مُختبرٍ ضخمٍ؛ مُختبرٍ عَمِلَ بلا كَلَلٍ على صِناعةِ سُمٍّ قاتلٍ للإرادةِ. واليومَ، يُحقَنُ هذا السُّمُّ ذاتُهُ في أطفالِنا، بجرعاتٍ مُركّزةٍ تبدأُ مُنذُ المَهدِ.
إنّ ما يُسمّى “عَفَنَ الدماغِ” (Brainrot)، ليسَ مُصطلحًا ثقافيًّا عابرًا نتندّرُ به، بل هو التوصيفُ الدقيقُ لانهيارٍ مَعرفيٍّ وركودٍ ذهنيٍّ نَشهَدُهُ بأعيننا في جيلٍ وَجَدَ الشاشةَ في يدهِ قبلَ أن يَعِيَ العالَمَ حولَهُ.


وبوصفِنا أهاليَ ومُعلّمين، نقفُ مُثقَلينَ بالأسئلةِ ونحنُ نُراقبُ هذا الزحفَ الخوارزميّ. نرى انتباهًا مُشتّتًا كالغبارِ، وقدرةً مُتآكلةً على قراءةِ صفحةٍ واحدةٍ بتعمُّقٍ، وإرادةً هَشّةً أمامَ إغراءِ “التمريرِ اللانهائيّ” (Infinite Scroll). الخَطَرُ هُنا يتجاوزُ “المحتوى الرديء”؛ إنّنا أمامَ “هندسةٍ” مُحكمةٍ صُمِّمتْ بذكاءٍ لاختطافِ بيولوجيّةِ الدماغِ البشريّ.
في كيمياءِ الاختطافِ
في قلبِ هذهِ الآليّةِ تكمنُ أبسطُ كيمياءِ المُكافأةِ. تُعدُّ هذه المنصّاتُ، بتبديلِها الخاطفِ للسياقِ وطبيعتِها سريعةِ الإيقاعِ، مُنشِّطًا هائلًا “لنظامِ المُكافأةِ” (Reward System) في الدماغِ. إنّها تُغرِقُنا بالدوبامين.
والأدهى من ذلكَ أنّها تَعتمدُ “جدولَ مُكافأةٍ مُتغيّرًا” (Variable Reward Schedule)؛ فأنتَ لا تَعلمُ أبدًا ما إذا كانَ المقطعُ القادمُ مُملًّا أم مُثيرًا. هذا الترقُّبُ هو أقوى آليّةٍ لترسيخِ السلوكِ، وهو ما تَستخدمُهُ مَكيناتُ القِمارِ، وما يُفسّرُ قوّةَ الإدمانِ.
النتيجةُ؟ “إضعافُ الحساسيّةِ” (Desensitization). يُصبحُ الدماغُ مُعتادًا على هذا المستوى العالي من التحفيزِ، فتَخفُتُ قدرتُهُ على الاستمتاعِ بالمُكافآتِ الطبيعيّةِ؛ تُصبحُ مُحادثةٌ هادئةٌ أو قراءةُ كتابٍ أمرًا “باهتًا” و”مُمِلًّا”.
وحينَ أغلقتُ مَنافذَ التواصلِ هذه بشكلٍ نهائيٍّ وحاسمٍ، هل يُصدّقُ أحدٌ أنّني وجدتُ نفسي أبحثُ بيأسٍ عن أيّ بديلٍ—ولو كانَ تافهًا كتطبيقاتِ الألعابِ أو مُتابعةِ العُملاتِ الرقميّةِ—لا لشيءٍ، إلّا لأَجِدَ شيئًا تَفعلُهُ يدايَ بالهاتفِ كما اعتادَتا؟ لقد كانَ الفِعلُ الآليُّ أقوى من الإرادةِ الواعيةِ. هذا هو مِقدارُ التكيُّفِ السلوكيِّ الّذي نَرمي أطفالَنا في أتونِهِ.
إنّنا لا نُبالغُ حينَ نقولُ إنّ هذا الاستهلاكَ يُعيدُ “توصيلَ” أدمغةِ أبنائنا ماديًّا. فالدماغُ، بفضلِ “المُرونةِ العصبيّةِ” (Neuroplasticity)، يَقومُ بعمليّةِ “تشذيبٍ” (Pruning) مُستمرّةٍ، خاصّةً في المراهقةِ؛ أي أنّهُ يُقوّي المَساراتِ الّتي نَستخدمُها ويُهمِلُ ما لا نَستخدمُهُ.
وحينَ نُغرِقُهُ بمُدخلاتٍ سريعةٍ وسطحيّةٍ، فإنّهُ يُضحي أكثرَ كفاءةً في مُعالجةِ السطحيّ، ولكن على حسابِ الدوائرِ العصبيّةِ العميقةِ اللازمةِ للتحليلِ والنقدِ والتركيزِ المُستمرِّ. إنّنا نُدرِّبُ أدمغتَهُم لتُصبحَ أكثرَ “اندفاعيّةً” (Impulsive) وأقلَّ قُدرةً على بَذلِ الجُهدِ المعرفيّ.
حينَ ننسى أن نتذكّرَ
هذا التغييرُ الماديُّ لهُ عواقبُ نَلمسُها يوميًّا.
أخطرُ هذهِ العواقبِ هو تآكُلُ ما يُسمّى “الذاكرة المُستقبليّة” (Prospective Memory)؛ وهي قدرتُنا على تذكُّرِ القيامِ بفعلٍ نَوينَا القِيامَ بهِ مُستقبلًا. إنّها السببُ الّذي يجعلُ ابنَكَ “ينسى” واجبًا طُلِبَ منهُ قبلَ ساعةٍ، أو يُغفِلُ مَهمّةً منزليّةً وافَقَ عليها. إنّ “التبديلَ السريعَ للسياقِ” (Context-Switching)، وهو جوهرُ عَملِ هذهِ المنصّاتِ، يُتلفُ هذهِ القُدرةَ تحديدًا.
يُضافُ إلى ذلكَ “اضطرابُ النومِ”. الضوءُ الأزرقُ والتحفيزُ الذهنيُّ المُتواصلُ يُعطّلانِ النومَ. وقِلّةُ النومِ بدورِها تَضرِبُ “الوظائفَ التنفيذيّةَ” (Executive Functions) في الدماغِ، وتُضعِفُ “التحكّمَ في الانفعالاتِ” (Impulse Control). والنتيجةُ؟ طفلٌ مُنهكٌ، مُشتّتٌ، وأكثرُ اندفاعيّةً، يَهرُبُ من إرهاقِهِ… إلى المَزيدِ من التمريرِ السلبيِّ. إنّها حلقةٌ مُفرغةٌ ومُحكمةُ الإغلاقِ.
الحلُّ البسيطُ لغزٍ مُعقّدٍ
تكمُنُ المُعضلةُ الكبرى في أنّنا، أمامَ هذهِ المشكلةِ المُعقّدةِ والمُصمّمةِ بعنايةٍ، نَنتظرُ حَلًّا مُعقّدًا بالمِثلِ. لكنّ الحقيقةَ الصادمةَ هي أنّ الحلَّ بسيطٌ للغايةِ في صياغَتِهِ، وإن كانَ عسيرًا في تَطبيقِهِ.
الحلُّ ليسَ في “الامتناعِ” أو “التخلُّصِ من السُمومِ الرقميّةِ”؛ فهذا هُروبٌ مُؤقّتٌ. الترياقُ الحقيقيُّ لهذا العَفَنِ هو “الروتينُ”.
إنّ الفوضى الرقميّةَ هي النقيضُ المُطلقُ للروتينِ المُنظَّمِ الضروريِّ للإنجازِ الإنسانيّ. إنّ الشعورَ بالذاتِ وقيمةَ الكينونةِ لا يأتي من فراغٍ، بل يَتَشكّلُ عبرَ “الإنجازِ”.

والإنجازُ لا يولدُ من التمريرِ السلبيِّ، بل هو وليدُ “الجهدِ المعرفيّ العميقِ” (Deep Work)؛ وليدُ قراءةِ كتابٍ صَعبٍ، أو تعلُّمِ مَهارةٍ تَتطلّبُ الصبرَ، أو إتمامِ مَهمّةٍ مُحدّدةٍ بإتقانٍ.
“الروتينُ” هو السِّقالةُ الّتي نَبني عليها هويّةَ أبنائنا.
علينا أن نُحوّلَ أطفالَنا من ضحايا يائسينَ يَرونَ أنفسَهُم “مُدمنينَ وعاجزينَ”، إلى أفرادٍ يمتلكونَ “فاعليّةً ذاتيّةً” (Self-Efficacy). علينا أن نُدرِّبَ أدمغتَهُم، عبرَ ممارساتٍ “كالوعيِ الذهنيِّ” (Mindfulness)، على استعادةِ السيطرةِ على قِشرةِ الفصِّ الجبهيّ، ذلكَ الجزءِ مِنَ الدماغِ المسؤولِ عن الإرادةِ والتنظيمِ الذاتيّ.
إنّ الدماغَ البشريَّ مَرِنٌ؛ وكما أُعيدَ تَشكيلُهُ ليُصبحَ مُشتّتًا، يُمكِنُنا، بالجهدِ المَقصودِ والروتينِ الصارمِ، أن نُعيدَ تَشكيلَهُ ليُصبحَ عَميقًا ومُنجِزًا. المَهمّةُ المَطروحةُ على عاتِقِنا، كآباءَ ومُعلّمين، ليست مَهمّةً تَقنيّةً، بل هي مَهمّةٌ إنسانيّةٌ عُليا: أن نَستعيدَ أبناءَنا من قاعِ ذلكَ البئرِ، وأن نَبنيَ فيهم القوّةَ على مُقاومةِ العَفَنِ، لا بالامتناعِ، بل ببناءِ الذاتِ.