طالما راودتني نفسي أن أهجر هذا اللفظ الثقيل: “الحضارة”. سعيتُ أن أنفضه عن ذاكرتي كما ينفض المرءُ عن كتفيه معطفًا عتيقًا، تشرّبت خيوطه كلَّ ذكريات التاريخ الموبوءة. فما إن يلامس هذا اللفظ شفتيّ، حتى أذوق مرارة إرثه الاستعماريّ، وأستشعر صقيع منطقه الفولاذيّ الذي رتّب أعراق البشر على سُلّمٍ قاسٍ، يعتليه سيّدٌ أبيض، وتتكدّس عند أسفله بقيّةٌ ملوّنة من البشريّة، موسومةً بالهمجيّة أو مختومةً بالتخلّف. أليس هذا المصطلح هو السيف الأيديولوجيّ الذي استُلَّ ليُشرعن الغزو والسلب باسم الأنوار؟ ألم يكن هو القناع الأخلاقيّ البارد الذي ارتدته أبشع وجوه الجشع الإنسانيّ؟
لكنّي، كلّما وليّتُ عنه هاربًا، وجدتني أرتطم بحقيقةٍ صلدة كالجدار: إنّ هذه الكلمة، رغم كل ما علق بها من أدران، تُشير إلى ظاهرةٍ كونيّة حقيقيّة، إلى “أعجوبة” لا سبيل لإنكارها. إنّ هناك هوّة سحيقة في آليّة الوجود تفصل بين مجتمعٍ من مئة نفسٍ يحفظ بعضهم ملامح بعض، وبين مجتمعٍ هائجٍ يغصّ بثلاثين مليون غريب، يستيقظون في المشرق والمغرب كأنّهم جسد واحد، واثقين—دون تفكير—أن الماء سيجري في أنابيبهم، وأن الخبز سيُصفّ في أفرانهم، وأنّ تلك الورقة النقديّة الهشّة في جيوبهم ستحمل قيمتها كاملةً عند أوّل غريبٍ يلاقونه. إنّ معجزة “تنظيم الغرباء” اليوميّة هذه، تحتاج اسمًا، وتستدعي مقياسًا.
وهنا يبدأ عملنا المَنجَميّ. فبدلًا من ردم المنجم بما فيه، علينا أن نهبط إلى أغواره المظلمة بأدوات حفرٍ مختلفة. لا لنبحث عن تبريرٍ أخلاقيّ للتفوّق كما فعلوا، بل لنستخلص “شذرات الحقّ” النادرة من تحت ركام استخدامه الباطل. علينا أن نحطّم المقاييس العتيقة لنرى ما تخفيه. لقد قاسوا الحضارة مرّةً بسموّ الفنّ وعذوبة الشعر، فصفعنا التاريخ بصورة مجتمعاتٍ تبني أروع المسارح وتُنشد أعذب القصائد، بينما مواكب العبيد تسير مُثقلةً تحت شرفاتها. وقاسوها تارةً بنقاء الأخلاق، فإذا بنا نشهد أكثر الأمم “تحضّرًا” وهي ترتكب أفظع المذابح، مُحوّلةً الحرب إلى صناعة إبادةٍ دقيقة. ثم جاءت مقاييس الحداثة الصمّاء، فقاسوها بمقدار ما تلتهمه من طاقة، أو ما تنفثه من كربون، أو بالناتج القوميّ الإجماليّ، فاختزلوا الكائن البشريّ في معادلة إنتاجٍ واستهلاك، ونسوا أن أعلى معدّلات الطاقة قد تضيء مدينة وقد تحرقها، وأن أضخم الأرقام القوميّة قد تبني المشافي وقد تموّل ترسانات الموت.
كلّها مقاييسٌ أخفقت، لأنها نظرت إلى الزخارف والأعراض، لا إلى جوهر الآليّة؛ إلى الناتج، لا إلى عصب العمليّة. وأزعم هنا، بعد هذا الحفر، أن العرق الحقيقيّ الذي نبحث عنه، المقياس الوظيفيّ المجرّد من القيمة في صورته الأولى، هو: مطلق القدرة على التواصل. الحضارة ليست قلعة أو متحفًا؛ إنها جهازٌ عصبيٌّ جمعيّ. قوّتها لا في جمال قشرتها، بل في سعة شبكتها العصبيّة، ودقّة إشاراتها، ومدى وصولها، وحصانة قنواتها التي تعالج بها سيل المعلومات الهادر. إذا كانت القبيلة كائنًا ذا خليّة واحدة، فإن الحضارة عقلٌ فائق التعقيد، وصحّتها من صحّة اتّصالاته.
ويمدّ هذا الجهاز العصبيّ أليافه أولًا وقبل كل شيء، عميقًا في هوّة الزمن، ليخترق جدار الصمت الأعظم الذي يفرضه الموت. الكائن الحضاريّ يرفض الوجود في “الآن” المبتور، ويعيش في حوارٍ دائمٍ ومُوتَّرٍ مع ماضيه السحيق ومستقبله المجهول. إنه يستنطق الماضي؛ لا يكتفي بالسماع الشفاهيّ عن أسلافه، بل يقرؤهم، يفكّ شفرات لغاتهم الميتة، وينفض التراب عن أرواح مدنهم المطمورة. إنه يبني ذاكرة جمعيّة صلبة تتجاوز هشاشة الذاكرة الفرديّة. وهذه الذاكرة ليست سجلًا بريئًا، بل هي ساحة صراعٍ تتشكّل فيها الهويّة؛ فـ “خزائن الأرشيف” ليست مستودعاتٍ خاملة، بل “مواقع للسلطة”، تقرّر ما يجب أن نتذكّره وما يُدفن في النسيان، مُهندِسةً بذلك ذاكرتنا الوطنيّة. وفي هذا المضمار، تقف اللغة كأعظم أداةٍ عابرةٍ للزمن؛ فاللغة العربيّة، مثلًا، بفضل استقرار بنيتها، تمنح العربيّ اليوم حبلًا سُرّيًّا زمنيًّا، يصله بنصوصٍ كُتبت قبل أربعة عشر قرنًا بوضوحٍ لا يتوفّر لغيره. اللغة هنا هي الأرشيف الحيّ. وفي المقابل، يبلغ النضج الحضاريّ ذروته في مخاطبة المستقبل، في إرسال رسائل واعية إلى أجيالٍ لم تُخلق بعد. ولعلّ التحدّي الأقصى لهذا الطموح يتجسّد في “السيميائيّات النوويّة”: تلك التجربة الفكريّة المذهلة في تصميم رسائل تحذير لمدافن النفايات، تُرعِب الأجيال القادمة وتبعدهم عنها لعشرة آلاف عامٍ قادمة—عمرٌ يتجاوز أيّ لغةٍ معروفة—مما يجبرنا على التفكير في جوهر التواصل ذاته، حين يغيب كلّ سياقٍ ثقافيّ مشترك.
فإذا كان هذا الجهاز العصبي يمتد عموديًا عبر الزمن، مستنطقًا الموتى وهامسًا للمواليد، فإن امتداده الأفقيّ يحدّد طبيعة مخاطبته لـ “الآخر” الحيّ خارج أسواره. إن مقياس الحضارة هنا هو طيف الأدوات التي تستخدمها. يبدأ هذا الطيف عند أكثر الرسائل بدائيّةً ووضوحًا: السلاح. السلاح، في جوهره، أداة تواصل، رسالةٌ صارخة لا لبس فيها عن النيّة والقدرة، تهدف لفرض الإرادة حين تفشل كلّ لغةٍ أخرى. لكنّ الحضارة الحقيقيّة هي قدرتها على تجاوز هذه اللغة الصفريّة. وهنا نكتشف أن “التواصل” ليس فعلًا ملائكيًّا أبدًا. فكما كشف ميشيل فوكو، السلطة والمعرفة توأمان، والسلطة لا تقمع فقط، بل تُنتج “الحقيقة” عبر ما أسماه “الخطاب”. لقد كان خطاب “الحضارة” الغربيّ هو الأداة التي أنتجت “الآخر” الهمجيّ لتبرير السيطرة عليه. وكان “الاستشراق”، كما بيّن إدوارد سعيد، مختبرًا معرفيًّا كاملًا بنى صورةً نمطيّةً للشرق، سهّلت الهيمنة عليه قبل أن تطأه الجيوش. إذًا، مقياس التحضّر هنا ليس فقط امتلاك أدوات الترجمة والدبلوماسيّة، بل هو “الوعي المأساويّ” بأنّ هذه الأدوات نفسها هي أدوات للهيمنة أو لمقاومتها. أمّا أقصى طموحات هذا البعد، فهو ذروة التجريد: محاولة التواصل مع الآخر الكونيّ، عبر ابتكار لغاتٍ كالرياضيّات والفيزياء، وإرسال همسةٍ في زجاجةٍ إلى محيط الكون.
لكنّ التحدي الأعظم لهذا الجهاز العصبيّ، والأكثر تعقيدًا، ليس في مخاطبة الخارج، بل في تنظيم الداخل. هذا هو قلب الآليّة: كيف يتعاون ملايين الغرباء دون أن يذبح بعضهم بعضًا؟ عبر أنظمة تواصل فائقة التعقيد هدفها، كما يرى نيكلاس لومان، “تقليل التعقيد”. إنها تخلق أنظمة اجتماعيّة مستقلّة (كالاقتصاد والقانون) تعمل كـ “صناديق سوداء”، تسمح لنا بالتفاعل معها دون الحاجة لفهم كلّ تفاصيلها. لقد انتقلنا، كما شرّح جورج زيمل، من “الثقة الدافئة” القائمة على ملامح الوجوه والمعرفة الشخصيّة في القرية، إلى “الثقة الباردة” أو “ثقة النظام” المجرّدة في المدينة. نحن لا نثق بالخبّاز شخصيًّا، بل نثق ببروتوكول العُملة التي سيقبلها، وبروتوكول القانون الذي سيحاسبه إن سمّمنا. هذه الثقة، كما يجادل الصهيوني المصطنع يوفال هراري، مبنيّة على قدرتنا على الإيمان بـ “أنظمة متخيّلة” مشتركة. ورغم أن المال والقانون والأمم ليست حقائق ماديّة، بل هي قصص نصدّقها جميعًا، فتصبح حقيقة اجتماعيّة تسمح لنا بالتعاون، لكن الفرد دونها فرد آخر، ولذلك أورد قول هراري بين مزدوجين. هذه البروتوكولات الرمزيّة هي اللغات التي تسمح لشبكة الغرباء بالعمل. وعندما تنهار الثقة بهذه اللغات—بانهيار العملة أو سيادة شريعة الغاب—ينقطع التواصل البينيّ، ويختنق الجهاز العصبيّ، وتنهار الحضارة. ويشمل هذا أيضًا “الجهاز المناعيّ” لشبكة التواصل؛ فالمجتمع الذي تتفشّى فيه الرقابة وتُستباح فيه خصوصيّة القنوات، هو مجتمعٌ يعاني من “مرضٍ مناعيٍّ ذاتيّ”، حيث يقوم جهازه العصبيّ بمهاجمة نفسه.
ولا تكتمل صحّة هذا الجسد العصبيّ بمناعته فحسب، بل هو يطالب بحواسّ. لا بد له أن يسمع نفسه. الحضارة التي لا تسمع أطرافها، ولا تستمع إلى ذاتها، محكومةٌ بالتآكل والموت. إنها تتواصل مع ذاتها عبر “أعضاء الحسّ الاجتماعيّ”. لقد نظّر يورغن هابرماس للمثال الأعلى لهذا في “المجال العام”، ذلك الفضاء العقلانيّ الحرّ الذي يراقب السلطة. لكنّ هذا المثال يصطدم اليوم بواقعٍ مرير؛ فالقرية الكونيّة، كما حذّرنا مارشال ماكلوهان، خلقت “خلافًا أقصى”. لقد شظّت الخوارزميّات الفضاء الرقميّ إلى “أقبية صدى” و”عنابر عزلٍ” خوارزميّة، تُعمّق الهوّة بين كل جماعة وأخرى. هنا، تصبح حرّيّة الصحافة، ودقّة الإحصاء، بل وحتّى الاحتجاجات المنظّمة، آليّاتٍ حيويّة لإيصال “إشارات الألم” من أطراف الجسد الاجتماعيّ المريض إلى دماغه. أمّا قمّة هذا التواصل المرتدّ، فهو ما نسميّه “العلم”: محاولة الحضارة المستمرّة لفكّ شفرة الكون، لا بالصراخ فيه، بل بالإنصات الخاشع لقوانينه الصامتة عبر التجربة والبرهان.
وفي نهاية المطاف، فإن هذه الشبكات الكبرى—سواء كانت قانونيّة أو علميّة أو إعلاميّة—ليست سوى نتاج أصغر وحداتها الحيّة: الفرد. إن الحضارة ليست مجرّد أنظمة صمّاء، بل هي نتاج أفرادها، الذين هم نتاجها، في حلقة أولية تشبه نظرية الوتر الفائق المتردد. والإنسان المتحضّر ليس ترسًا في الآلة، بل هو “خليّة عصبيّة واعية” ترفع من منسوب ذكاء الشبكة كلّها. هذا الفرد يتميّز بقدرته الفائقة على التواصل في دوائره الثلاث: فهو يمتلك “بصيرة داخليّة” للتواصل مع عالمه الباطن عبر التأمّل والفنّ، فيقرأ دوافعه ويفهم انفعالاته. وهو يمتلك “بصيرة التعاطف”، فيجيد قراءة الإشارات غير المنطوقة، ويرى العالم من عيون الآخرين. وهو أخيرًا على صلةٍ حيّة بالعالم، فلا يرى الطبيعة مجرّد خلفيّة جامدة، بل نظامًا حيًّا يقرأ علاماته ويفهم منطقه.
وهنا، هنا بالضبط، يكمن المفصل الأكبر والمفارقة الكبرى التي نعيشها. إن امتلاك أعقد شبكات التواصل لا يضمن وجود تواصلٍ حقيقيّ. لقد رأينا كيف تُستغلّ خوارزميّات الذكاء الاصطناعيّ اليوم—وهي قمّة ما وصلت إليه هندسة التواصل البشريّ—لا لتعزيز الحوار، بل لفرض الصمت، فتُصمَّم ببرودةٍ لتحجب الرسائل التي تناهض مذبحةً تُرتكب على الهواء مباشرةً. رأينا كيف تُستخدم أدوات التواصل الفائقة لخلق أعتى جدران العزلة وفقاعات الضجيج.
وهذا يقودنا إلى العرق الأخير في منجمنا: الحضارة ليست فقط “قدرة”، بل هي “خيارٌ أخلاقيّ”. إنها وجود “إرادة” واعية ونزوعٍ دائمٍ نحو توسيع دائرة التواصل؛ اختيار الحوار وفهم الآخر، ليكون العنف آخر وسيلة تواصل، واختيار الشفافيّة بدلًا من الرقابة، واختيار الفهم بدلًا من الإلغاء. إنها القرار الجماعيّ الواعي بالحفاظ على صحّة الجهاز العصبيّ للمجتمع.
وعلى هذا الأساس، يمكننا أخيرًا أن نعرّف نقيضها. “الهمجيّة” ليست بساطة العيش أو غياب القصور. الهمجيّة هي الفعل المتعمّد لقطع قنوات التواصل. الهمجيّة هي حرق المكتبات (قطع التواصل مع الماضي)، وهي قتل المترجمين (قطع التواصل مع الآخر)، وهي تكميم أفواه الصحفيّين (قطع التواصل المرتدّ) بل وقتلهم الممنهج، وهي تدمير الثقة بالعملة والقانون (قطع التواصل البينيّ). الهمجيّة، في جوهرها المجرّد، هي القرار الواعي باختيار الصمم والعمى، على حساب السمع والبصيرة.
هذا يعطي المقولة الشهيرة: الاشتراكية أو الهمجية، معنى أعمق، فالنظم التي تركز على الفرد فقط وتلغي دور الجماعة في تكوينه وإنسانيته وحضارته المشروطة بالقصص المشتركة والشعور المشترك، هي العدو الأول للحضارة.
هكذا نفهم همجية الغرب المتحضر، وحضارته بشكل أعمق، فهو قادر على التواصل في جهات عديدة تقنيا وأكاديميا، لكن لديه موانع من جهة الإرادة والنازع، فهو متحضر فعلا حسب مقياسنا، وعنصري وهمجي جدا، فمن أظلم ممن وجد كل أسباب التواصل وطرقه، فأبى إلا أن يرى الآخرين كائنات أدنى بحجة ارتقائه على سلم أدوات الحضارة.
