تأتي سورة النمل (السورة 48 تقريبًا في ترتيب النزول)، بعد سورة الشعراء التي عرضت نماذج متعددة للصراع بين الأنبياء وأقوامهم المكذبين. تنتقل بنا هذه السورة المكية إلى مستوى آخر، حيث يبرز العلم والبيان والحكمة كمحاور أساسية في فهم السلطة الحقيقية وعلاقتها بالإيمان. لا تركز السورة على المواجهة الصدامية بقدر ما تركز على تجليات القدرة الإلهية من خلال العلم الذي يؤتيه الله لأنبيائه (داود وسليمان)، وكيف يكون هذا العلم، المقرون بالشكر والتواضع، أداة للتواصل الفعال (منطق الطير، كتاب سليمان)، والتأثير والإقناع (قصة ملكة سبأ)، والتنظيم الدقيق للملك (حشر الجنود، تفقد الطير).
تضع السورة هذا النموذج المبني على العلم والبيان والحكمة في مقابل نماذج أخرى: نموذج الجحود القائم على القوة المادية والعلو رغم اليقين الداخلي (فرعون وقومه)، ونموذج الفساد المنظم القائم على المكر والتآمر (رهط ثمود التسعة)، ونموذج الجهل والانحراف عن الفطرة (قوم لوط). هذا التقابل يخدم هدف السورة في بيان أن القوة الحقيقية ليست في الملك المادي المجرد أو العناد، بل في العلم المستنير بنور الوحي والمستخدم في إقامة الحق والعدل والتواصل البناء.
تبدأ السورة بتأكيد مكانة القرآن {ءَايَٰتُ ٱلۡقُرۡءَانِ وَكِتَابٖ مُّبِينٍ} ووظيفته {هُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ}، ثم تستعرض قصصًا متنوعة ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي تجليات مختلفة لكيفية تفاعل البشر مع الرسالة الإلهية، وكيف يكون العلم والجهل، الشكر والكفر، الإيمان والجحود، عوامل حاسمة في تحديد مصائر الأفراد والأمم. وتختم السورة بتأكيد شمول علم الله وقدرته على البعث، وأن القرآن هو الحجة البينة التي تفصل في خلافات بني إسرائيل (كمثال لمن أوتوا الكتاب قبلهم)، وهو الهدى والرحمة لمن يؤمن به ويتلقاه بقلب واعٍ.
إضاءات لغوية (النمل)
- طس (طاسين): من الأحرف المقطعة، وظيفتها الأرجح، كما في مواضع أخرى، التنبيه ولفت الانتباه إلى أهمية ما سيأتي بعدها، وربما الإشارة إلى المادة اللغوية (الحروف) التي يتألف منها هذا {القرآن وكتاب مبين}.
- كتاب مبين: الكتاب هنا قد يعني القرآن نفسه، أو العهد الإلهي الموثق. وصفه بـ {مبين} يؤكد وضوحه في ذاته وقدرته على تبيين الحقائق وكشف الدروب، وهذا يتجلى في قصص السورة التي تبين عواقب الإيمان والكفر.
- هدى وبشرى للمؤمنين: تحديد وظيفة القرآن الأساسية تجاه فئة معينة، وبالتحديد هذه السورة، فالهداية والبشارة تكون ثمرتها للمؤمنين الذين تتوفر فيهم شروط التلقي (إقامة الصلاة، إيتاء الزكاة، اليقين بالآخرة). هذا يوضح أن الاستفادة من الوحي ليست تلقائية بل تتطلب استعدادًا وقبولاً.
- يوقنون: من اليقين، وهو العلم الثابت الراسخ الذي لا يتزعزع. وصف المؤمنين بأنهم {بالآخرة هم يوقنون} يربط بين إيمانهم العميق بالجزاء وبين سلوكهم العملي (إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة)، فالقناعة الداخلية هي المحرك للفعل الخارجي.
- يعمهون: من العَمَه، وهو التردد والحيرة والتيه مع عمى البصيرة. هذا يصور حالة الضياع والتخبط التي يعيشها من لا يؤمن بالآخرة نتيجة تزيين أعمال الدنيا لهم، فهم يفقدون البوصلة الأخلاقية والغاية النهائية لوجودهم.
- آنست نارا: الإيناس هو الإبصار المقترن بالشعور بالأنس. اختيار هذا الفعل يصور حالة موسى في التيه وحاجته ليس فقط للضوء والدفء بل للأنس في تلك الليلة الموحشة.
- بشهاب قبس: الشهاب شعلة ساطعة، والقبس ما يُقتبس من النار للإضاءة أو الدفء. الجمع بينهما يصور حاجة موسى المزدوجة: نور يهتدي به ودفء يستعين به.
- تصطلون: من الجذر (ص ل ي)، والاصطلاء هو الاستدفاء بالنار. هذا يكشف عن معاناة موسى وأهله من البرد في تلك اللحظة.
- بورك من في النار ومن حولها: البركة هي النماء والزيادة والخير الثابت. المباركة هنا تشمل موسى القريب من مركز التجلي (في النار)، وما/من أحاط به. إنها تعظيم للحظة وللمكان ولكل ما ارتبط بهذا التجلي الإلهي.
- جان: الحية السريعة الخفيفة. استخدام هذا الوصف للعصا بعد تحولها يركز على عنصر الحركة السريعة المفاجئة والمربكة التي أثارت فزع موسى الطبيعي.
- ولى مدبرا ولم يعقب: لم يعقب أي لم يلتفت ولم يتردد. تصوير دقيق لرد الفعل البشري التلقائي أمام الخوف الشديد والمفاجئ.
- جيبك: فتحة الثوب عند الصدر. إدخال اليد في الجيب وإخراجها بيضاء هي آية أخرى لموسى، تحمل رمزية النقاء والطهارة والنور الداخلي الذي يظهر للخارج كحجة.
- مبصرة: أي آيات واضحة كاشفة تجعل من يراها ويتفكر فيها مبصراً للحقيقة.
- وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم: الجحود هو الإنكار باللسان مع اليقين والمعرفة القلبية. هذه الآية تكشف عن التناقض الداخلي لدى فرعون وقومه: يقين في صدق الآيات تقابله مكابرة وإنكار، والدافع هو {ظلما وعلوّا} (ظلم للحق، وعلوّ واستكبار يمنع الخضوع له).
- منطق الطير: ليس بالضرورة فهم اللغة بالمعنى الحرفي لكلام البشر، بل قد يعني الفهم العميق لأصوات الطير وسلوكياتها ودلالاتها، مما يمثل علماً خاصاً يمكن من التواصل أو الاستفادة منها في إدارة الملك.
- يوزعون: يُحبَس أولهم ويكفّ عن التقدم حتى يلحق بهم آخرهم، ليجتمعوا وينتظموا. يدل على الدقة الفائقة والانضباط الشديد في جيش سليمان رغم ضخامته وتنوع مكوناته (جن، إنس، طير).
- وادي النمل: مكان أو أرض يكثر فيها النمل. ذكره بالاسم يضفي واقعية على القصة.
- لا يحطمنكم: من الحطم، وهو الكسر الشديد. تعبير النملة الدقيق يصور خطر الهلاك التام بالسحق تحت أقدام الجيش، ويكشف عن إدراكها للخطر وتنظيمها الاجتماعي.
- فتبسم ضاحكا: تعبير دقيق يصور مرحلتين: تبسم أولي ناتج عن التعجب والفهم، يتبعه ضحك ناتج عن السرور والانبساط وإدراك لطف الله في خلقه وعلمه الذي وهبه إياه.
- أوزعني: أي ألهمني ووجهني واضبطني لأتمكن من شكر نعمتك كما ينبغي. فيه اعتراف بالعجز عن إيفاء الشكر وحاجة للعون الإلهي على ذلك.
- وتفقد الطير: التفقد هو البحث عن الشيء ومعرفة حاله. تفقد سليمان للطير كجزء من جيشه يدل على دقته في الإدارة واهتمامه بكل مكونات ملكه.
- الهدهد: طائر معروف، وذكره بالاسم يخصص القصة. غيابه يثير سؤال سليمان واهتمامه، وهو هنا هدد فرد لا نوع مفقود، وهذا ربّما يغيّر الصورة الشائعة عن جيش سليمان.
- بسلطان مبين: السلطان هو الحجة البينة والدليل القاطع. طلب سليمان له من الهدهد يظهر عدله وتثبته قبل الحكم.
- فمكث غير بعيد: أي بقي الهدهد غائبًا مدة غير طويلة.
- أحطت بما لم تحط به: الإحاطة هي العلم الشامل. قول الهدهد فيه جرأة وثقة، ويكشف عن حقيقة أن العلم ليس محصورًا بالقوة أو المكانة، وأن مصادر المعرفة قد تأتي من حيث لا يُحتسب.
- من سبأ بنبأ يقين: (سبأ) مملكة معروفة في اليمن. (نبأ) خبر عظيم ذو شأن. (يقين) مؤكد لا شك فيه. تحديد المصدر والخبر والتأكيد على يقينيته يعطي مصداقية لكلام الهدهد.
- عرش عظيم: ملك عظيم.
- الخبء: ما هو مخبوء ومستور في السماوات والأرض. قدرة الله على إخراجه دليل على علمه الشامل وقدرته المطلقة.
- رب العرش العظيم: التأكيد على ربوبية الله للعرش العظيم الذي ذكره الهدهد للملكة، فيه تعريض بأن عرشها مهما عظم فهو لا شيء أمام عرش الله رب العالمين.
- أصدقت: الهمزة للاستفهام. اختبار سليمان لصدق الهدهد قبل اتخاذ قرار.
- تول عنهم: أي ابتعد عنهم قليلاً بعد إلقاء الكتاب لترقب رد فعلهم.
- يرجعون: أي بماذا يجيبون ويردون.
- كتاب كريم: وصف الكتاب بالكرم يدل على علو شأن مرسله، ورفعة محتواه، وأهمية رسالته.
- ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين: النهي عن الاستكبار والترفع عن الحق {تعلوا}، والأمر بالانقياد والخضوع {مسلمين}.
- أفتوني في أمري: طلب الفتوى والمشورة من أهل الرأي قبل اتخاذ قرار مصيري، يدل على حكمة الملكة وعدم استبدادها.
- قاطعة أمرا: أي حاسمة لأمر ومُبرمة له.
- حتى تشهدون: أي حتى تحضروا وتشاركوا في الرأي.
- أولو قوة وأولو بأس شديد: أصحاب قوة عددية ومادية، وأصحاب شدة ونجدة في الحرب. رد الملأ يعكس قوتهم العسكرية واستعدادهم للحرب، مع تفويض الأمر للملكة.
- أعزة أهلها أذلة: سنة اجتماعية وسياسية تدركها الملكة: الملوك الغزاة عادة ما يذلون أشراف القوم المهزومين لكسر شوكتهم وضمان السيطرة.
- بهدية فناظرة: استخدام الهدية كوسيلة دبلوماسية لاختبار نوايا الطرف الآخر ومعرفة منطقه (هل هو طالب دنيا أم صاحب رسالة).
- أتمدونني بمال: إنكار سليمان واستغناؤه عن العرض المادي، وتأكيده على أن فضل الله عليه خير مما لديهم، يكشف عن طبيعة دعوته وقيمه المختلفة.
- لا قبل لهم بها: أي لا طاقة لهم بمواجهتها ومقاومتها.
- صاغرون: معترفون بحجمهم الأصغر.
- عفريت من الجن: العفريت هو القوي المارد المتمرّد، وكونه من {الجن} قد يشير إلى الكائنات المستترة الموجودة في اعتقاد العرب بأنّها ذات قدرات خاصة.
- أن تقوم من مقامك: أي قبل أن ينتهي مجلس حكمك هذا.
- يرتد إليك طرفك: أي قبل أن يرجع إليك بصرك إذا نظرت إلى شيء ثم أغمضت عينيك وفتحتهما، كناية عن السرعة الفائقة جدًا (طرفة عين).
- الذي عنده علم من الكتاب: شخص لديه معرفة خاصة مستمدة من “الكتاب” (قد يكون الكتاب السماوي، أو كتاب علم خاص). قدرته الفائقة مرتبطة بالعلم والمعرفة، وليس مجرد قوة خارقة غير مفسرة.
- ليبلوني أأشكر أم أكفر: رؤية سليمان العميقة للنعمة والقدرة كاختبار للمسؤولية والشكر.
- نكروا لها عرشها: أي غيروا بعض معالمه وهيئته لتختبروا ذكاءها وقوة ملاحظتها وقدرتها على التمييز.
- أتهتدي: أي هل ستهتدي إلى معرفة عرشها أم لا؟
- كأنه هو: جواب الملكة الدقيق الذي ينم عن فطنة وحذر، فلا هي تنكر تمامًا ولا تجزم تمامًا، مما يدل على رجاحة عقلها.
- وصدها ما كانت تعبد: الذي منعها عن عبادة الله سابقًا هو ما اعتادت على عبادته من دون الله (الشمس)، وليس نقصًا في قدرتها على الإدراك.
- الصرح: بناء عظيم ممرد (أملس مصقول) من زجاج {قوارير}.
- حسبته لجة: ظنته ماءً عميقًا غزيرا لكثرة صفائه وشفافيته، أو لوجود ماء تحته.
- وكشفت عن ساقيها: فعل تلقائي استعدادًا لخوض الماء المتوهم. هذا الموقف كشف لها عن مدى التقدم الحضاري والعلمي لسليمان، وكان له أثر حاسم في إيمانها.
- أسلمت مع سليمان لله رب العالمين: إعلان الانقياد لله رب العالمين، مقتدية بسليمان وداخلة في دعوته بعد أن تبين لها الحق بالحجة والبرهان والمشاهدة.
- يختصمون: يتنازعون فريقين؛ فريق مؤمن بصالح وفريق مكذب له.
- تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة: لماذا تطلبون وقوع العذاب (السيئة) وتستعجلونه بدلًا من طلب الخير والمغفرة (الحسنة)؟
- اطّيرنا بك: تشاءمنا ووقع لنا الشؤم بسببك وبسبب من معك. رد فعل خرافي ينسب الشر للرسل بدلًا من أعمالهم.
- طائركم عند الله: مصير تشاؤمكم هذا في يد الله ربّي ولا أخافه.
- تفتنون: تُختبرون وتُبتلون ليتميز الصادق من الكاذب.
- رهط: جماعة من الرجال دون العشرة (غالبًا).
- تقاسموا بالله: أي تحالفوا وأقسموا بالله (استخدام اسم الله في معاهدة على الشر!).
- لنبيتنه وأهله: لنقتلنهم ليلاً غدرًا. (البيات: الهجوم ليلاً).
- مهلك أهله: أي لم نشهد وقت أو مكان هلاك أهله (إنكارًا لجريمتهم).
- خاوية: ساقطة فارغة مدمرة لا حياة فيها.
- قدرناها من الغابرين: حكمنا عليها بأن تكون من الباقين في العذاب الهالكين مع قومها.
- فساء مطر المنذرين: بئس المطر مطرهم، وهو مطر العذاب.
- يعدلون: يساوون بالله غيره ويميلون عن الحق والتوحيد.
- المضطر: الذي مسه الضر الشديد والشدة وألجأته إلى الله.
- هاتوا برهانكم: أحضروا حجتكم ودليلكم إن كنتم صادقين في شرككم أو ادعاءاتكم.
- ادّارك علمهم في الآخرة: تلاحق علمهم وتتابع فلم يصل إلى اليقين بحقيقة الآخرة، أو اضمحل وذهب علمهم في شأن الآخرة.
- عمون: جمع عامٍ، وهو أعمى البصيرة.
- أساطير الأولين: قصص الأولين التي لا حقيقة لها (في زعمهم).
- ضيق: حرج وضيق صدر.
- ردف لكم: أي اقترب منكم ولحق بكم وتبعكم مباشرة.
- تكن صدورهم: تخفيه وتستره صدورهم.
- غائبة: أي شيء غائب ومستتر عن علم الخلق.
- في كتاب مبين: في سجل واضح بيّن يكتب أعمالهم إذ يحدثوها، وهو تعبير عن العلم الإلهي الشامل والدقيق، وليس بالضرورة لوحًا ماديًا يمكن لأحد الاطلاع عليه، ولا هو إجبار لهم على فعل الأفعال بصورة سابقة على اختيارهم لها.
- يقص: يخبر بالقصص ويوضح الحقائق.
- يقضي بينهم بحكمه: يفصل بينهم بحكمه العادل.
- فهم مسلمون: أي معاهدون على السلم لا يبدر منهم محاربة.
- وقع القول عليهم: حق عليهم العذاب وثبت القضاء به لظلمهم وإصرارهم على التكذيب.
- دابة من الأرض تكلمهم: إذا قرّر الله لهم العذاب أخرج لهم أغرب الآيات ليروا ما كانوا يكذّبون به من الأخبار الغريبة الواردة في هذه السورة وفي غيرها ليعلموا أنّه الحقّ قبل أن يأخذهم.
- فوجا: جماعة وزمرة.
- يوزعون: يُحبس أولهم على آخرهم ليجتمعوا ويُساقوا للحساب.
- أماذا كنتم تعملون: سؤال توبيخي عن العمل الذي كانوا عليه في الدنيا بدل الاهتمام بالآيات والتصديق بها.
- فهم لا ينطقون: لا يستطيعون الكلام أو الدفاع عن أنفسهم من شدة الحجة أو الخوف.
- ففزع: خاف خوفًا شديدًا من هول النفخ في الصور.
- داخرين: صاغرين أذلاء خاضعين.
- جامدة: ثابتة لا تتحرك (فيما يظهر للرائي).
- تمر مر السحاب: تتحرك حركة دائبة كحركة السحاب، إشارة إلى حركة الأرض، أو إلى زوال الجبال يوم القيامة وتطايرها.
- صنع الله الذي أتقن كل شيء: كل هذا النظام الكوني البديع هو من إبداع الله الذي أحكم وأتقن كل ما خلق، وهذا يرجّح أنّ الحديث السابق عن حركة الأرض.
- فكبت وجوههم في النار: ألقوا منكوسين على وجوههم في النار.
- حرمها: جعلها مكانًا آمنًا ذا حرمة خاصة (مكة).
- أتلو القرآن: أقرأه وأبلغه كما أُمرت.
- سيريكم آياته: سيظهر لكم علامات منه في المستقبل، إما بالبراهين الكونية أو النفسية أو بنزول العذاب أو عند قيام الساعة.
مقالة السورة (النمل)
تفتتح السورة حروفها {طس} بالإشارة إلى مادة هذا الكتاب الذي بين أيدينا، مؤكدةً أنه {آيات القرآن وكتاب مبين}، وأن وظيفته الأساسية هي {هدى وبشرى للمؤمنين} وهذا يعطي لمحة عن غاية هذه السورة، أولئك الذين يقيمون الصلاة كصلة عملية بالله والخلق، ويؤتون الزكاة كطهارة وتنمية للمال والنفس، ويملكون قناعة راسخة بالآخرة {يوقنون}. في المقابل، تصف السورة حال الذين لا يؤمنون بالآخرة بأنهم يعيشون في تيه وحيرة {يعمهون}، بسبب تزيين أعمال الدنيا لهم فلا يدركون حقيقتها أو عواقبها، ومصيرهم هو {سوء العذاب} والخسران المبين في الآخرة. وتطمئن النبي بأن هذا القرآن الذي يتلقاه مصدره {لدن حكيم عليم}.
بعد هذا التقديم، تستعرض السورة ومضة سريعة من قصة موسى ولقائه بالنار المقدسة، حيث يكلّمه الله ويكلفه بالرسالة، ويؤيده بآيتين بينتين (العصا واليد البيضاء) لإقامة الحجة على فرعون وقومه {القوم الفاسقين}. لكن فرعون وملأه، رغم أن الآيات جاءتهم {مبصرة} وكاشفة للحق، قابلوها بالجحود والإنكار، لا عن جهل، بل عن {ظلم وعلو} واستكبار، مع يقين داخلي بصدقها {واستيقنتها أنفسهم}، مما يختم مشهدهم ببيان العاقبة الوخيمة للمفسدين.
ثم تنتقل السورة إلى نموذج مغاير تمامًا، نموذج الملك القائم على العلم والشكر: ملك داود وسليمان. تؤكد السورة أن الله آتاهما {علما}، وأن استجابتهما كانت {الحمد لله الذي فضلنا}. ويرث سليمان داود، وتتجلى مظاهر العلم والفضل في فهم {منطق الطير}، وامتلاك القدرات المختلفة {أوتينا من كل شيء}، وحشد الجيوش من المخلوقات منظمة بدقة متناهية {فهم يوزعون}. حتى في تعامله مع أصغر المخلوقات (النملة)، يظهر وعي سليمان بالنعمة وشكره العميق {فتبسم ضاحكا… رب أوزعني أن أشكر نعمتك}.
وتتواصل قصة سليمان مع الهدهد وملكة سبأ لترسخ محورية العلم والتثبت والبيان. الهدهد يأتي بـ{نبأ يقين} عن مملكة سبأ وشركهم، ويقدم حجة منطقية تدعو لعبادة الله {الذي يخرج الخبء}. سليمان لا يتسرع، بل يطلب التحقق {أصدقت أم كنت من الكاذبين}. ثم يستخدم الكتاب (أي الرسالة) {كتاب كريم} كوسيلة للتواصل والدعوة، فتعرض الملكة الأمر على ملئها بحكمة وتشاوره {أفتوني في أمري}، وتختار الدبلوماسية واختبار النوايا {إني مرسلة إليهم بهدية} بدل المواجهة العسكرية المباشرة التي يحذر الملأ من عواقبها على كبار القوم وخاصّتهم. رفض سليمان للهدية المادية وتأكيده على فضل الله عليه {فما آتانِيَ الله خير مما آتاكم} يكشف عن طبيعة رسالته، فيدفع الملكة وملأها إلى القدوم إليه مسلمين (منقادين طائعين لا يحاربونهم). ثم تأتي قصة إحضار العرش واختبار ذكاء الملكة وتنكيره، وقصة الصرح الممرد من قوارير، وكلها مظاهر للقدرة والعلم والحكمة التي أُوتيها سليمان، والتي تقود في النهاية إلى إقرار الملكة بظلمها لنفسها وإسلامها لله رب العالمين {أسلمت مع سليمان لله رب العالمين}، مظهرةً أن العلم والحجة والبرهان هي السبيل للإيمان، لا القوة المجردة.
بعد هذا النموذج الإيجابي، تعود السورة لتقدم نموذجين سلبيين من قصص الأمم السابقة، لتكتمل المقارنة وتترسخ العبرة. قصة صالح مع ثمود تبرز حالة الانقسام الداخلي {فريقان يختصمون}، والاستعجال بالشر بدل الخير، والتشاؤم الخرافي {اطّيرنا بك}، والفساد المنظم لمجموعة متنفذة {تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون} تتآمر على قتل النبي وأهله ليلاً {لنبيتنه وأهله}. لكن مكرهم يقابله مكر الله وتدبيره، فتكون عاقبتهم الدمار الشامل {أنا دمرناهم وقومهم أجمعين}، وتصبح بيوتهم خالية مدمّرة {خاوية بما ظلموا}.
ثم قصة لوط مع قومه، التي تركز على فاحشتهم وانحرافهم عن الفطرة السوية {أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون * أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء}، واعتدائهم السافر {بل أنتم قوم تجهلون}. ويكون ردهم على دعوة الطهارة هو السعي لإخراج لوط وآله من القرية {إنهم أناس يتطهّرون} وكأن الطهارة جريمة! فتأتي النجاة للوط وأهله إلا امرأته التي قُضي عليها بالهلاك مع الغابرين (الذين ينزل بهم العذاب)، وينزل المطر المدمر على القوم الظالمين {فساء مطر المنذرين}.
تنتقل السورة بعد هذه القصص إلى خطاب مباشر، يبدأ بالحمد لله والسلام على عباده المصطفين، ثم يقيم الحجة على المشركين بسلسلة من الأسئلة الاستنكارية التي تبرز تفرد الله بالخلق والتدبير والرزق والهداية وكشف الضر {أإله مع الله}؟ وتؤكد على أن أكثرهم لا يعلمون أو لا يتذكرون. ثم تحسم قضية علم الغيب بأنه مختص بالله وحده {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله}، وأن الكفار في شك وعمىً عن الآخرة، مكررين مقولة آبائهم بأن البعث مجرد {أساطير الأولين}.
تأتي بعد ذلك تسلية للنبي وتوجيه له: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين * ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون}. وتجيب السورة على استعجالهم بالعذاب {متى هذا الوعد} بأن بعضه قد يكون قريبًا منهم {ردف لكم}. وتؤكد فضل الله على الناس رغم قلة شكرهم، وعلمه بما تخفي الصدور وما تعلن، وأن كل غائبة مسجلة في {كتاب مبين} (تعبير عن علمه المحيط والدقيق).
وتحدد السورة وظيفة القرآن بأنه {يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون}، فهو البيان الفاصل، وهو {لهدى ورحمة للمؤمنين}. وتؤكد أن الله سيقضي بين المختلفين بحكمه العادل، وتأمر النبي بالتوكل عليه لأنه على الحق المبين. ثم تبين حقيقة اجتماعية بكلام مجازيّ يحيل إلى الكفّار بأنّهم كالموتى والصم المعرضين لا يستجيبون للدعوة، وأن النبي لا يهدي العميان (مجازًا) عن ضلالتهم قسرًا، إنما يُسمع ويُنتفع بالآيات من يؤمن بها وينقاد لها {فهم مسلمون}.
وتقول السورة إنّ الله إذا أراد أن يهلكهم أراهم آية لا يمكن إنكارها من جنس الأخبار التي وردت في السورة {دابة من الأرض تكلمهم}، وحينها لا يقبل منهم تصديقهم. ثم تصف بعض أهوال يوم القيامة: حشر المكذبين أفواجًا، وسؤالهم التوبيخي {أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أم ماذا كنتم تعملون}، وعجزهم عن النطق {فهم لا ينطقون}، والفزع العام عند النفخ في الصور، ومشهد الجبال التي تتحرّك كأنّها السحب هو للبشارة بأنّ الجمود ليس من سنن الله، وأنّ الحال مهما بدا جامدًا فإنّه سحول إلى حال غيره، فكأنّ الأرض التي كانوا يظنّونها جامدة تتحرّك، وكل ذلك دليل على {صنع الله الذي أتقن كل شيء}. وتؤكد على الجزاء العادل: الحسنة يقابلها خير منها وأمن من الفزع، والسيئة يقابلها الكبّ في النار {هل تجزون إلا ما كنتم تعملون}.
تختتم السورة بتحديد النبي لمهمته الأساسية التي أُمر بها: عبادة رب مكة {هذه البلدة} الذي حرمها (جعلها حرمًا آمنًا) وله كل شيء، وأن يكون من المنقادين لله {المسلمين}، وأن يتلو القرآن كبلاغ نهائي {فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين}. وتختم بالحمد لله، والوعد بأن الله سيريهم آياته فيعرفونها، والتأكيد على أن الله ليس غافلاً عما يعملون.
المعنى الشمولي (النمل)
تتمحور سورة النمل حول بيان أن السلطة الحقيقية والقوة الفاعلة لا تكمن في الملك المادي المجرد أو العلو والاستكبار، بل تنبع من العلم والحكمة والبيان الذي يؤتيه الله لمن يشاء، والذي يقود بدوره إلى الإيمان والشكر والخضوع لله رب العالمين. تتجلى هذه الفكرة من خلال المقابلة الواضحة بين نموذج مُلك داود وسليمان القائم على العلم (تعليم منطق الطير، تسخير القوى المختلفة، الحكمة في الحكم والقضاء) والشكر والافتقار إلى الله، وبين نماذج أخرى للجحود (فرعون وقومه)، والفساد والتآمر (رهط ثمود)، والانحراف عن الفطرة والجهل (قوم لوط)، وكلها أدت بأصحابها إلى الهلاك.
تبرز قصة سليمان وملكة سبأ بشكل خاص أهمية الحجة والبرهان والتواصل المبني على العلم (الكتاب الكريم، إحضار العرش، كشف الصرح) كوسائل للإقناع والإذعان للحق، على عكس القوة العسكرية التي تتردد الملكة وملؤها في استخدامها أول الأمر لعلمهم بعواقبها التدميرية. وتؤكد السورة في ختامها على شمول علم الله وقدرته المطلقة على الخلق والبعث، وتقدم القرآن كبيان نهائي وهدى ورحمة، مكملة بذلك رسالتها في أن الإيمان الحق والمعرفة الصحيحة هما أساس الفلاح والنجاة في الدنيا والآخرة.
