تسجيل لا تسريب | كيف نفهم عبد الناصر اليوم؟

تحذير: المقال مكتوب بلغة باردة لا تليق بمكانة ناصر لدينا ولكنّه محاولة موضوعية لإفهام خصوم صورته ما يجب أن يفهموه

أثارت مقاطع صوتية نُسبت مؤخرًا للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وتم تداولها على نطاق واسع، جدلاً كبيراً وتفسيرات متباينة. لكن قبل الانخراط في تحليل مضامينها، يجدر التنويه بأنها، كما أكد نجل الرئيس الراحل، السيد عبد الحكيم عبد الناصر، ليست “تسريبات” بالمعنى المعتاد للكلمة، بل هي جزء من أرشيف صوتي أودعته أسرة الزعيم الراحل لدى مكتبة الإسكندرية قبل سنوات، ونُشرت مؤخراً عبر قناة يملكها نجله بثقة تامة في إرث والده، وبهدف إتاحة “الحقيقة المجردة” للأجيال الجديدة. هذا الإطار يضع النقاش في سياق مختلف، بعيداً عن إثارة التسريبات المجهولة المصدر والمغرضة.

السياق أولاً: ما وراء الاقتطاع

إن فهم أي وثيقة تاريخية، وخاصةً تسجيلات لمحادثات خاصة لقادة في لحظات حرجة، يتطلب وضعها في سياقها الزماني والمكاني والسياسي الدقيق. وكما يُقال بأن اقتطاع “لا تقربوا الصلاة” عن سياقها يغير المعنى تماماً، فإن استلال جمل من حديث مطول لعبد الناصر في أعقاب عدوان يونيو 1967، وفي خضم الانقسامات العربية ومبادرات التسوية الدولية كمبادرة روجرز، قد يؤدي إلى استنتاجات مضللة ومجحفة بحق الرجل. لا يمكن استبعاد أن يكون العرض الكامل لهذه التسجيلات، وربما تسجيلات أخرى لم تُنشر بعد، سيقدم صورة أكثر تركيباً وتعقيداً، تبرز حكمة ناصر وبعد نظره، وقد لا تكون مريحة لأولئك الذين يسعدهم الترويج للصورة المجتزأة الحالية وتشويه رمز وطني وقومي كبير.

فترة ما بعد 1967 كانت مرحلة شديدة الصعوبة، اتسمت بمرارة الهزيمة، واختلال موازين القوى بشكل حاد لصالح العدو الصهيوني المدعوم أمريكياً، وضغوط دولية هائلة، وتصاعد المزايدات والشعارات في العالم العربي التي لم تكن دائماً مدعومة باستعداد حقيقي للفعل والتضحية. في هذا المناخ، كانت القيادة المصرية بقيادة عبد الناصر أمام تحدي الموازنة بين الصمود وإعادة بناء القوة بصلابة، وبين التعامل مع الواقعية السياسية لتحقيق أهداف استراتيجية تخدم المعركة الأكبر.

عبد الناصر رجل الدولة: بين الواقعية والثوابت الراسخة

عند الاستماع بإنصاف إلى نبرة عبد الناصر في التسجيل المتداول، فإنها لا تعبر عن انهزامية، بل عن صوت رجل الدولة المسؤول الذي يواجه حقائق صعبة بشجاعة ويصارح بها، وإن كان في دائرة مغلقة، بهدف حشد الجهود وتصحيح المسار. حديثه عن صعوبة استعادة أراضي 48 فوراً، وتساؤله عن جدوى رفض أي حلول لاستعادة أراضي 67، يجب فهمه كطرح تكتيكي براغماتي ينطلق من تقدير دقيق لموازين القوى، ويهدف إلى تحقيق الممكن كخطوة على طريق استعادة كامل الحقوق، وليس كتنازل عنها أبداً.

انتقاداته اللاذعة لمن وصفهم بـ “المزايدين” (“إذا كان حد عايز يكافح ما يكافح”)، وعرضه تقديم دعم مالي مشروط بتحرك عربي موحد، تبدو أقرب إلى الغضب المبرر من التقاعس، والتحدي الصادق لكشف عدم جدية الآخرين، وليس إلى التخلي عن مبدأ المواجهة أو اليأس. فكما أشار نجله، هذا يعكس صورة “رجل دولة” يقيم الأمور بميزان العقل والمصلحة الاستراتيجية العليا للأمة، لا مجرد زعيم خطابي يكتفي بالكلمات الرنانة، بل قائد يخطط ويدبر ويواجه الصعاب بعزيمة لا تلين.

المناورة الاستراتيجية: الإعداد الصلب لمعركة التحرير

لقد أثبت عبد الناصر قدرة فائقة على المناورة السياسية لخدمة الأهداف الاستراتيجية. ويرى محللون أن قبوله لمبادرة روجرز في تلك الفترة كان خطوة تكتيكية محسوبة بذكاء، استغلها ببراعة لكسب وقت ثمين تحت غطاء وقف إطلاق النار، بهدف استكمال بناء حائط الصواريخ الحصين على جبهة قناة السويس. هذا الحائط لم يكن مجرد إجراء دفاعي، بل كان عملاً استراتيجياً جباراً غير موازين القوى، وشكل شرطاً أساسياً وركيزة صلبة لأي محاولة عبور مستقبلية، وهو ما مهد بالفعل لمعركة العبور العظيم في حرب أكتوبر 1973. بالتالي، لم تكن البراغماتية السياسية لدى ناصر بديلاً عن الإعداد العسكري، بل كانت أداة في خدمته، ضمن رؤية شاملة للمواجهة.

وتؤكد كل الشواهد التاريخية أن عبد الناصر، رغم مرونته التكتيكية، ظل متمسكاً بثوابته حتى آخر يوم في حياته. لقد رفض رفضاً قاطعاً كل محاولات جر مصر لسلام منفرد مع “إسرائيل”، حتى عندما قُدمت إغراءات باستعادة سيناء مقابل ذلك، لإيمانه العميق بأن القضية الفلسطينية هي قضية العرب المركزية وأن أي حل يجب أن يكون شاملاً وعادلاً ويضمن الحقوق الفلسطينية والعربية كاملة. كما أن جهود إعادة بناء وتسليح الجيش المصري، وتطويره كماً ونوعاً بالتعاون الوثيق مع الاتحاد السوفيتي، لم تتوقف لحظة واحدة بعد 1967، بل تسارعت وتيرتها، وهو ما شكل الأساس المادي والبشري القوي لجيش العبور الذي أذهل العالم.

الاستمرارية والتباين: إرث ناصر ومسار مغاير

إن حرب أكتوبر 1973، بما شهدته من أداء بطولي للجيش المصري وتنسيق عربي لافت (ولو لم يرق لطموحات ناصر)، ومشاركة عسكرية من عدة دول عربية، واستخدام مؤثر لسلاح النفط، يمكن اعتبارها تتويجاً لجهود ناصر الدؤوبة في الإعداد والتحضير وحشد الطاقات العربية، حتى وإن جاء النصر بعد رحيله. لقد أرسى ناصر الأساس المتين الذي انطلقت منه الحرب: جيش قوي قادر على العبور وتحدي العدو، وعمق استراتيجي عربي ودولي، وقضية عادلة متمسك بها.

وهنا يبرز التباين الواضح مع المسار الذي اختاره الرئيس أنور السادات لاحقاً. فبينما كان عبد الناصر يوظف كل الأدوات، السياسية والعسكرية، ضمن استراتيجية قومية شاملة ترفض المساومة على الحقوق وترفض السلام المنفرد، فإن السادات، بناءً على تقديراته وظروف مختلفة، اتخذ مساراً منفرداً أفضى إلى اتفاقيات كامب ديفيد مع الكيان الصهيوني. هذا المسار، وإن استعاد الأرض المصرية المحتلة، مثل خروجاً عن الإجماع العربي وعن النهج الاستراتيجي الذي أرساه عبد الناصر، والذي كان يربط بين تحرير الأرض المصرية وتحقيق حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية. وبينما كان البعض يرى في وجود شخصيات كالسادات قرب ناصر جزءاً من إدارة العلاقات الدولية المعقدة، فإن المسار الفعلي الذي اتبعه السادات بعد ذلك شكل انعطافاً كاملاً عن الخط القومي المستقل الذي مثله عبد الناصر.

إنصاف عبد الناصر اليوم

إن فهم شخصية تاريخية مركزية بحجم جمال عبد الناصر يتطلب إنصافاً وموضوعية تتجاوز القراءات السطحية والمجتزأة أو تلك المدفوعة بأغراض سياسية لا سيما إخوانيّة أو وهّابيّة. التسجيلات الأخيرة، عند وضعها في سياقها الحقيقي، لا تكشف عن زعيم متردد أو متراجع، بل عن قائد صلب يواجه أصعب الظروف بمسؤولية وشجاعة نادرة، ويمارس أعلى درجات الحنكة السياسية والواقعية الاستراتيجية دون أن يتزحزح قيد أنملة عن ثوابته الوطنية والقومية أو عن هدفه النهائي في التحرير الكامل.

إنها تذكرنا بعمق التحديات التي واجهها الرجل، وبحجم الأمانة التي حملها، وبضرورة التمييز بين المرونة التكتيكية والتنازل الاستراتيجي. ويبقى إرث عبد الناصر، بإنجازاته وتضحياته ورؤيته القومية، مصدر إلهام ومحوراً أساسياً في الوعي العربي الحديث. والتسجيلات الأخيرة، بفهمها الصحيح والمنصف، تضيف دليلاً جديداً على عمق تفكيره الاستراتيجي وصموده الأسطوري في وجه العواصف، وتعزز مكانته كقائد تاريخي استثنائي عمل لمصلحة أمته حتى الرمق الأخير.