الحمد لله مُستحقّ حمده، منزل كتابه إلى عبده، الذي بشّر وأنذر، وتلطّف ويسّر، وأفصح وأبان ملتزمًا شرط اللسان، فعليه أفضل الصلاة، وعلى أهله ومن والاه.
أمّا بعد،
فاعلم أنّ مسألة نزول القرآن الكريم على “سبعة أحرف” كانت ولم تزل من المباحث الجليلة في كتاب الله العزيز، شغلت أذهان العلماء، وأجهدت القرّاء، وتباينت فيها أنظار الباحثين، وأُفردت لها المصنفات قديمًا وحديثًا، وبحثت فيها المرويّات خبرًا وحديثا. ومع كثرة ما كُتب وقيل، فإن الحاجة تظلّ قائمة إلى رؤيةٍ جليّة وفهمٍ مستبصر يكشف عن الحكمة والمعنى وراء هذا الاسم والمبنى، ويُبدّد ما قد يعلق ببعض الأذهان من حيرة أو إشكال حول طبيعة النصّ القرآني وكيفيّة نزوله وتلقّيه.
ولمّا كان كتاب الله عند المؤمنين به حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، الذي لا تنقضي عجائبه ولا يَخْلَقُ على كثرة الرد، فإن السعي في فهم دقائقه والغوص في بحار معانيه وحِكمه هو من أشرف المقاصد وأنبل الغايات. وقد رأيتُ أن أدلي بدلوي في هذا الباب، راجيًا من الله التوفيق والسداد، في هذه الرسالة التي أسميتُها: “خَيْرَةُ النَجْعَة في الأحرف السبعة”، أبتغي بها، بعد عون الله، أن أعطيك زبدة القول وأعفيك من زبَده، وأن أقدم رؤية تكاملية تستند إلى صحيح المنقول وصريح المعقول، وتكشف عن أمر لم يخلقه النسيان، رغم بقائه طيّ الكتمان. فقد بقيت شفرته كامنة في اللغة، إلى أن ييسّر الله عقلا منفتحًا يلتقطها. فأسأل الله أن أكون أنا من أجلّيها لك، كما تتجلّى شمس رابعة النهار.
واعلم أنّ الحديث في هذا المبحث ذو إشكال، ويقتضي الانقطاع والاتّصال، وإنّني لمّا رأيت ما جرّه عليّ التفكير فيها من تقليب الأقوال، عزمت أن يكون مطلع كلامي مشابهًا لكلام أوائل المصنّفين، لكي يكون حاجزًا يذبّ الجهلة والمشغّبين، فلا يصل لبّ القول، إلّا من كان له عقل، وإنّني أعزم على تيسيره لاحقًا للعامّة والخاصّة، لكنّني إذ أكتب هذه الرسالة، أبتغي منها أن أدوّن ما عرض من فكر، لأطلع عليه أهل الذكر، ليروا كيف أن هذا التنوع في الأحرف كان مظهرًا من مظاهر الرحمة الإلهية، ودليلاً على أن المقصد الأسمى من الكلام الإلهي هو الهداية والمعنى، وأن مرونة اللفظ وتعدّد أوجه الأداء جاءت خادمةً لهذا المقصد الجليل، ولم تكن لأجل إجهاد الأمّة في شروط القراءة والرواية. سائلًا المولى عز وجل أن يجعل فيها نفعًا وهداية، وأن يفتح بها بصائر وقلوبًا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
حديث الأحرف السبعة
إن العمدة في هذا الباب هو ما استقر في دواوين السنة. وأشهر ما يُروى في ذلك وأصحّه حسب شرط المحدّثة، حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، كما في الصحيحين وغيرهما، إذ قال: “سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ، فَلَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ، فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ. فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَرْسِلْهُ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ”. فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ”. ثُمَّ قَالَ: “اقْرَأْ يَا عُمَرُ”. فَقَرَأْتُ الْقِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ”.
هذا الحديث، ومعه أحاديث أخرى صحيحة السند في المعنى ذاته (كحديث أبيّ بن كعب وغيره)، يضعنا أمام حقائق أساسية لا يمكن تجاوزها:
- ثبوت التنوع: وجود أوجه متعدّدة في قراءة النص القرآنيّ الواحد كانت معروفة ومُقَرأة من قِبل النبي صلى الله عليه وسلم نفسه.
- استشكاله على الصحابة: أنّ هذا التنوّع استشكل على الصحابة أنفسهم.
- مصدر التنوّع: إقرار النبيّ للقراءة التي يسمع، بقوله: (“كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ”)، أي أنّ هذا الحرف وذاك الحرف من عند الله.
- الحكمة من التنوّع: العلة الصريحة لهذا التنوع هي التيسير ورفع الحرج عن الأمة (“فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ”).
فهذا الحديث هو المنطلق والمرتكز، وهو الشاهد الأول على أن الوحي القرآني نزل بطريقة تتسم بالمرونة والسعة، وأن هذه المرونة مقصودة لذاتها تحقيقًا لرحمة الله بعباده وحكمته في مخاطبتهم.
مرونة البيان الإلهيّ
لفهم مراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله “سبعة أحرف”، لابد من النظر في معنى كلمة “حرف” في لغة العرب، وفي دلالة العدد “سبعة”.
كلمة “حرف” في اللغة تأتي لمعانٍ متعددة، منها: اللفظ، والطرف، والجانب، والوجه، والطريقة، وقيل اللهجة وهو قول ضعيف. ويُقال: فلان على حرفٍ من أمره، أي على طريقة أو وجهة. ويبدو أن المعنى الأنسب في سياق الحديث هو اللفظ. فالأحرف السبعة هي أوجه وطرائق متعدّدة وألفاظ مختلفة أُذِن بقراءة القرآن بها.
أما العدد “سبعة”، فقد استعملته العرب كثيرًا للدلالة على الكثرة والتمام والسعة، وليس بالضرورة للعدد الحسابي المحصور بين الستة والثمانية. ونظائر ذلك في القرآن واللغة كثيرة (كقوله تعالى: “وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ”، وقولهم: سبع سماوات، وسبع أراضين، وغيرها مما يُراد به التكثير والمبالغة في السعة والكمال). فالأقرب للعقل واللغة أن يُفهم قوله “سبعة أحرف” على أنّه إشارة إلى السعة والتنوّع والكمال في أوجه القراءة الميسّرة التي أُنزل بها القرآن، لا حصرها في سبعة أوجه عدديّة لا تزيد ولا تنقص.
وعليه، تكون حقيقة الأحرف السبعة أنها تمثل مرونة وتعدّدية في أوجه الأداء اللفظيّ والصوتيّ للقرآن، سمح بها الله تعالى تيسيرًا على عباده، لتناسب اختلاف ألسنتهم وقدراتهم، ولتُظهر جانبًا من ثراء اللغة العربيّة الّتي نزل بها القرآن. هذه المرونة في البيان هي مظهر من مظاهر كمال العلم الإلهيّ بأحوال الخلق، وكمال الحكمة الإلهيّة في إيصال الرسالة بأيسر السبل وأقوَمِها.
حفظ المعنى و”مواضع الكلم”
إنّ القول بالمرونة والسَعة في “حرف” القرآن لا يعني بحال من الأحوال فوضى في النص أو اضطرابًا في دلالته. فهذه المرونة الّتي مثّلتها الأحرف السبعة كانت محكومة بضابط إلهيّ صارم، وهو الحفاظ التامّ على جوهر المعنى والمقصد الأصليّ من الآيات. لم يكن التنوّع المأذون به تنوعًا يؤدّي إلى التضادّ، أو التناقض، أو تغيير الحُكم أو الخبر، بل كان تنوّعًا يخدم المعنى الكلّيّ الأصيل ولا يخرج عنه.
هنا يتجلى الفارق الجوهري بين التنوع المسموح به في “الأحرف السبعة”، وبين “التحريف” المذموم الذي نهى الله عنه وحذّر منه، كما في قوله تعالى عن بعض أهل الكتاب (أي الأقوام التي لها كتب): “يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ” (المائدة: 13)، وقوله: “يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ” (المائدة: 41). التحريف المذموم هو العبث المتعمّد بالمعنى والسياق، وإخراج الكلام عن مقصده الأصليّ، وتبديل كلام الله إرضاءً للأهواء أو إخفاءً للحقّ. أما الأحرف السبعة، فكانت أوجهًا متعدّدة للمعنى نفسه، نزلت من عند الله، وقيل إنّ غرضها حفظ المعنى وتيسير اللفظ.
فالمقصد الأسمى من إنزال القرآن هو الهداية والبيان (“هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ”). وهذه الهداية تكمن في المعاني والمقاصد التي تحملها الآيات. أما “الحرف” أو اللفظ فهو الوعاء والقالب الذي يحمل هذا المعنى. وقد اقتضت حكمة الله ورحمته أن يكون هذا الوعاء مرنًا متعدّد الأشكال (الأحرف السبعة: أي الألفاظ الكثيرة) ليضمن وصول المعنى الهادي إلى أكبر عدد من الناس بأيسر الطرق، دون أن يتأثّر جوهر الرسالة. فالأولويّة دائمًا للمعنى والمقصد، والشكل اللفظيّ يخدم هذا المقصد ولا يلغيه أو يعارضه.
القرآن ذكرٌ مُحدَث
لفهم أعمق لكيفية نزول القرآن بهذه المرونة (الأحرف السبعة)، لا بد من تأمل طبيعة الكلام الإلهي المنزل نفسه. يصف القرآن الكريم نفسه في مواضع بأوصاف تلقي ضوءًا على كيفية تلقي الناس له. يقول تعالى: “مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ” (الأنبياء: 2). وصفُ الذكر (وهو القرآن أو الوحي) بأنه “مُحدَث” يشير إلى أنّه أمر يتجدّد إتيانه للناس، يأتيهم شيئًا فشيئًا، كأمر أُحدِث وأُنشِئ ووصل إليهم في زمن معيّن.
هذا الوصف القرآنيّ يتوافق مع الفهم القائم على التنزيه المطلق لله تعالى؛ فالله هو الأوّل الذي ليس قبله شيء، وهو الخالق لكلّ ما سواه. وأفعاله تعالى، ومنها فعله للكلام وتكليمه لأنبيائه، هي أفعال تقع بمشيئته وقدرته في الوقت الذي يريده، فإذا قيل إنّ الكلام صفة المتكلّم، فالمعنى هنا قدرته على الكلام، وصفته بأنّه ذو كلام، لا أنّ ما قال هو صفته، فهو يحدثه إحداثًا، وليس للمحدث أن يكون قديمًا، فهذا ممّا يرفضه العقل، ويجرّ أنواع الخبل على من قال به. فالكلام الإلهيّ المنزل على الرسل هو فعل من أفعال الله الحكيمة، هو إحداث وإيجاد للأصوات والحروف والكلمات الدالّة على مراده وأمره ونهيه وهدايته، فكلماته ليست صفات قديمة أزليّة معه قد تماثله في القدم وتخدش كمال توحيده، فالصحابيّ زيد قد ذكر في القرآن كما ذكر أبو لهب، واسم أيّ منهما ليس متّصفًا بالقِدم، ولا يجوز الاعتقاد بذلك في أي حال من الأحوال.
عندما نفهم القرآن، هذا الذكر الحكيم، على أنه كلام الله الذي أحدثه وأنزله لهداية خلقه، تصبح مسألة الأحرف السبعة مفهومة تمامًا في إطار الحكمة الإلهيّة في الخلق. فالله تعالى، بعلمه المحيط وقدرته المطلقة وحكمته البالغة، أحدث هذا الذكر وصاغه بطريقة تسمح بهذا التنوّع اللفظي (الأحرف السبعة: الألفاظ الكثيرة)، لتكون هذه المرونة في الصياغة جزءًا لا يتجزأ من حكمة إنزاله، وتيسيرًا على عباده في تلقّيه وفهمه والعمل به. فالمرونة ليست طارئة على النصّ، بل هي جزء من كيفية إحداثه وإنزاله الأوّل.
كلمة الله وكلامه
إنّ الله إذ وصف المسيح عيسى بن مريم قائلا: “إنّما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه” النساء:171، ترك لنا دليلًا أنّ الكلمة ليست صفة قائلها، فالمسيح إسلاميًّا ليس أزليًّا مع أنّه كلمة الله، وليس خالدًا مع أنّه كلمة الله، فهو ذاته يقول: “والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا” مريم:33، فهو يموت بمنطوق القرآن، والأزليّ الأبديّ لا يموت بمقتضى العقل.
هكذا نعلم أنّ ما أشكل على الناس في مسألة القراءات والحروف، وأنّ ما أشكل عليهم في ما سمّي محنة خلق القرآن، وما لحق ذلك من مطاعن على الوحي بأنّه غير صالح لكلّ زمان ومكان، وأنّ ما أشكل عليهم من كون المسيح كلمة الله، وما أشكل عليهم من مقولة “الكلام صفة المتكلّم”، إنّما هي كلّها بلا استثناء مشكلات يمكن حلّها إذا أضيفت لبعضها بعضًا، وإنّها إذا أضيفت إلى بعضها وسلّمنا بها، يقضي الفهم السليم لها بما يأتي:
- القرآن ذكر محدث من الله
- هذا القرآن نزل بكلمات متتوّعة (حروف سبعة)
- صفة الله بالكلام قديمة (أزليّة قدرته على الكلام)
- المسيح مخلوق وهو كلمة الله
- القرآن ثابت بمعناه لا يتبدّل
إنّ هذا لممّا تدركه العقول ولا تكاد تجد من يعارضه، فهو كلام يشير له صحيح النقل وصريح العقل.
أمثلة من التنوّع القرائي المعتبر
تُعد القراءات القرآنية المتواترة، التي حفظت لنا جزءًا من التنوّع الّذي أذنت به الأحرف السبعة واحتمله الرسم القرآنيّ، ثمّ من بعده الرسم العثمانيّ، خير شاهد على هذه الحكمة الإلهيّة في صياغة كلامه. ولنذكر بعض الأمثلة التي توضح كيف يخدم تنوع “الحرف” وحدة “المعنى” ومقصد الهداية:
- ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ / ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (الفاتحة: 4): هنا، أحدث الله كلامه بحيث يحتمل هذين الوجهين المتكاملين. فـ”مالك” تبرز تمام التصرف والملك، و”ملك” تبرز تمام السلطان والأمر. كلاهما يعظّم الله ويصف هيمنته المطلقة يوم الجزاء، وتعدّد اللفظ هنا يثري المعنى ويوسّع دائرته في نفس القارئ والمستمع، دون أيّ تعارض.
- ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ / ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ (الحجرات: 6): كلا اللفظين، اللذين وردا في قراءة هذه الآية، يؤدّيان إلى مقصد عمليّ واحد وهو وجوب التحقّق وعدم التسرّع. يؤكّد الله تعالى، بصياغته للآية بهذا الشكل المحتمل للوجهين، على أهمّيّة هذا المقصد من زاويتين متقاربتين (طلب الوضوح وطلب اليقين)، ممّا يعزّز الأمر بالتحرّي ويوضح أبعاده المختلفة.
- ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ…﴾ / ﴿…قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ…﴾ (آل عمران: 146): قراءة “قاتَلَ” (بصيغة الفعل) وقراءة “قُتِلَ” (بصيغة المبني للمجهول) تقدّمان معنيين متكاملين في سياق الحثّ على الثبات والصبر. فقراءة “قاتل” تبرز ثبات الأتباع الربّانيّين وجهادهم مع نبيّهم، وقراءة “قُتِلَ” تبرز تضحيتهم واستشهادهم في سبيل الله. وكلاهما يحثّ المؤمنين على الاقتداء بهؤلاء الربّانيّين في صبرهم وجهادهم وتضحيتهم، والمعنى العامّ للآية (الحثّ على الثبات وعدم الوهن) يتأكّد ويتعزّز بكلا القراءتين.
هذه الأمثلة غيض من فيض، وهي تُظهر كيف أن التنوع في “الحرف” لم يكن عشوائياً، بل كان جزءًا من حكمة الله في إحداث كلامه وصياغته، بحيث تخدم هذه الأوجه المتعدّدة المعنى الأصليّ وتيسّر فهمه وتبرز جوانبه المختلفة، ومنها ما ظاهره التناقض من مثل “لا أقسم”، و”لَأقسم”، وللحقّ فإنّ للتناقض وإن كان ظاهريًّا صوته الواضح في بيان المعنى، فهنا توضّح قراءة “لأقسم”، أنّ أختها “لا أقسم” هي ضرب من ضروب القسم، فالقسم الحريّ به أن يُنفى، لهو ذاته القسم الحريّ به أن يثبت، إذ إنّ ما صرّحت أنّني لا أقسم به، إنّما هو ممّا يقسم به لعظمته عندي وجلاله.
ملّة إبراهيم والشرائع الهادية
إن مبدأ “ثبات الأصل وتنوع الفرع” الذي رأيناه في الأحرف السبعة، يجد صداه الأوسع في تاريخ الرسالات الإلهيّة. فالقرآن الكريم يؤكّد على أنّ دين الله في جوهره واحد، قال تعالى: “إنّ الدين عند الله الإسلام”، فكان هذا عن الإسلام بمفهومه الشامل، وهو الدين الّذي يتجذّر في “ملّة أبيكم إبراهيم” حنيفًا، أطلق علينا اسم “المسلمين من قبل وفي هذا” (الحج: 78). هذا الأصل، المتمثّل في التوحيد الخالص ومكارم الأخلاق الأساسيّة الّتي يدرك العقل حسنها، هو القاسم المشترك بين جميع الرسالات السماويّة.
ولكن، مع وحدة هذا الأصل الجوهريّ، اقتضت حكمة الله وعدله أن تختلف الشرائع والتفاصيل العمليّة (الشرعة والمنهاج) الّتي أحدثها وأوحى بها لكلّ أمّة، بما يتناسب مع ظروفها الزمانيّة والمكانيّة وحاجاتها المتغيّرة، كما قال تعالى: “لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا” (المائدة: 48). فهذا التنوّع في الشرائع لم يكن تناقضًا، بل كان تكييفًا حكيمًا للفروع العمليّة مع الحفاظ على الأصل الواحد، تمامًا كما أنّ التنوع في الأحرف كان تكييفًا حكيمًا للشكل اللفظيّ مع الحفاظ على الأصل الواحد للمعنى. إنّها سنّة إلهيّة واحدة في التواصل مع الخلق: ثبات في الغاية والمقصد، ومرونة وحكمة في الوسيلة والشكل، وكلّ ذلك صادر عن إرادة واحدة وعلم محيط وحكمة بالغة.
العقل والعرف والوحي
في إطار هذا الفهم لطبيعة الوحي ومرونته وتفاعله، تتّضح العلاقة التكامليّة بين الوحي والعقل والعرف الصحيح:
- العقل أداةً للتمييز: لقد منح الله الإنسان العقل ليكون أداة للتمييز بين الحسن والقبيح، والعدل والظلم، والمصلحة والمفسدة، وقد قبل الله العقل حَكَمًا على رسالته إذ نادى بالناس “أفلا يعقلون”. ثمّ إنّه أقرّ العرف، وأمر رسوله أن يأمر به، فانتقى من الأعراف أحسنها فعمّمه، فالعرف المأمور به هو ما استقرّ بين الناس وكان موافقًا لمقتضيات العقل السليم والعدل والإنصاف، ولم يكن فيه ظلم أو جهالة أو مخالفة للمصالح الحقيقيّة.
- الوحي مرشدًا ومؤكّدًا ومفصّلًا: يأتي الوحي الإلهيّ (هذا الذكر المُحدَث) ليؤكّد ما أدركه العقل الصحيح من قيم ومبادئ، ولينير له الطريق فيما قد يعجز عن إدراكه وحده (كالتفاصيل التعبّديّة والغيبيّة)، وليفصّل له الأحكام التي تضمن العدل والمصلحة. وعندما يأمر الله بـ “العرف” في قوله: “خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ” (الأعراف: 199)، فهو يأمر بكل ما هو معروف بالحسن والصواب عقلاً، ويشمل ذلك الأعراف والممارسات الاجتماعية التي تتّفق مع العقل والعدل والمصلحة.
- منهجية التعامل مع الأعراف والتمييز بين باطلها وصحيحها: الوحي، بحكمته وعدله، تعامل مع أعراف الناس بمنهجية دقيقة: فأقرّ ما وافق العقل والعدل منها، وهذّب ما احتاج إلى تهذيب وإصلاح، وأبطل ما كان مناقضًا للتوحيد أو العدل أو المصلحة (كالشرك والظلم والربا والوأد). وقضاء حكماء العرب العقلاء كعامر بن الظرب في مسألة الميراث، أو ميراث الخنثى، يُعدّ مثالاً على اجتهاد عقليّ توصّل إلى حكم عادل يتّفق مع المصلحة، وهو ما قد يقرّه الوحي لاحقًا أو يأتي بما يوافقه، مظهرًا التناغم بين العقل الصريح والنقل الصحيح. وقوله تعالى “لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا”، إذ أخّر كلمة منكم، يؤكّد أنّ هذه الشرائع، الّتي جعلها الله وأحدثها، كانت مناسبة لهم وفي سياقهم “منكم”، مراعاةً لأحوالهم وظروفهم، تحقيقًا للعدل والمصلحة لهم.
فالهداية الحقّة تتحقّق بتكامل الوحي المنير مع العقل السليم، وإلّا فإنّنا أمام تحريف للكلم “من بعد مواضعه”، وهذا التكامل هو الّذي يميّز العرف الصحيح من الفاسد، ويضبط مسيرة الإنسان نحو الخير والصلاح.
ما فيه رشاد العباد
إن هذه النظرة التكاملية لقضية الأحرف السبعة، المستندة إلى أصول العقل والعدل والتوحيد، تضعنا أمام فهم أعمق لحكمة الله البالغة في تنزيل كتابه. فالأحرف السبعة ليست مجرد تنوع لغويّ أو لهجيّ عابر، بل هي مظهر من مظاهر الحكمة والرحمة والتيسير في كيفيّة إحداث الله لكلامه وإنزاله، بما يضمن وصول معناه الهادي إلى قلوب الناس وعقولهم بأيسر السبل، مع الحفاظ التامّ على هذا المعنى الجوهريّ.
هذا الفهم يربط بين النص القرآني وتاريخ الوحي، ويكشف عن سنة إلهيّة مطّردة في الجمع بين وحدة الأصل وتنوّع الفرع، ويبرز التكامل بين الوحي المنزل والعقل المستنير. إنّه يدعونا إلى تجاوز الجدل حول أشكال الحروف وظواهر الألفاظ، إلى الغوص في بحار المعاني والمقاصد الّتي هي غاية التنزيل، وإلى إعمال العقل أداةً شريفةً منحنا الله إياها لفهم دينه وكتابه، والسير على طريق توحيده والعدل مع خلقه الذي هو جوهر ملّة أبينا إبراهيم ومنهج الرسل أجمعين.
وإنّه بالقياس على ما سبق، يجوز لمن أوتي العقل والأمر والعلم بمقاصد الوحي، أن يحرّم فعلًا لم يكن متاحًا أيّام الرسالة الأولى، فلم يتطرّق إليه الوحي، لأنّه بعيد عن العبث واللغو، فلا يقول ما لا يكون مفهومًا لأهل زمانه، ويجوز لذلك الذي أوتي العقل والفهم والأمر أن ينظر فيما فيه صلاح الناس من أفعال فيأمرهم بها، ويكون ذلك داخلًا في التكليف، ولذلك قال بعض أهل العقل بالتحسين والتقبيح عقلًا، وبإعفاء الناس من أمور جاءت نقلًا، فاختلاف أحوال الزمان والعباد قاض بتنوّع سبل الرشاد، وإنّ المسافة بين شرعة عيسى وموسى جاءت بسبب المسافة بين قوم عيسى وقوم موسى، وإنّ بيننا وبين أيّام الرسالة الأولى مسافة أكبر من تلك التي بينهما، وإنّ الحكم بأمر في القرآن اختلف باختلاف أحوال ذلك الزمان، فالشرعة والمنهاج المطلوبان هما ما بني على مصالح نعرفها، يقرّها المصدّق والمكذّب، كما أقرّ كلاهما من قَبِل مكارم الأخلاق من الطرفين، وهي الّتي جاءت الرسالة تتمّة لها، وكأنّها هي جلّ الأمر، والرسالة زيادة عليه.
نسأل الله تعالى أن يهب السامع قلبًا يبصر به، فيعلم أنّنا ما قلنا ما قلنا، إلّا لحلّ إشكالات واردة فرضت نفسها، ولم يكن لنا ما كان لأسلافنا الذين قهروا عقولهم فأجبروها على ما لا تقبل، ونسأله أن يهبنا جميعًا فهمًا سديدًا لكتابه، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، وأن ينفعنا بما علّمنا، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل.
