تجديد البيان في تقريب القرآن ج2

ما زلت منذ شرعت في هذا المشروع في خير وعافية وفراغ يسّرها الله لي، وهذا دعاني إلى الإسراع في السير قدمًا في تقريب الآية تلو الآية، والسورة تلو السورة، ثمّ بدأت السور تطول، ولكي لا يطول كلّ جزء من هذه الأجزاء فقد عمدت إلى حجم الجزء فاتّخذته معيارًا للفصل بين كلّ جزء وآخر.

ينتهي هذا الجزء عند نهاية سورة الأعراف، ويغطّي 16 سورة من سور القرآن، فهو تتمّة للجزء الأوّل الذي توقّف عند مرحلة بداية الجهر، أي بعد نزول سورة النجم وقبل نزول سورة عبس، وتستمرّ مرحلة الجهر المكّيّة، وهي كما تعلّمنا ليست فكرة الإعلان، فالنبيّ سبق ودعا كبار قريش حسب الذي فهمناه من نصوص الآيات، ولكنّ الجهر هنا هو تلاوة القرآن على زوّار مكّة وفي الأسواق، وهو ما سبب التفاعل الذي سيكون محور السور القادمة.

ولقد بدأنا خلال هذا الجزء نصطدم بصورة شبه صريحة مع أقوال المفسّرين الأجلّاء الذين نحترمهم، لكنّهم قالوا أقوالًا لا يطرحها النصّ القرآنيّ، متأثّرين بالسياق الذي تعلّموه فيه، فهم وقعوا ضحيّة تأطير معرفيّ ظهر في أحكامهم على معاني الآيات، وجعلهم لا يعملون أدوات العقل واللغة التي نعرف أنّهم يمتلكون منها حظًّا عظيما.

وفي سبيل الحرص على وضع منهج للقراءة والالتزام به، فإنّنا ألحقنا بهذا الجزء مقالا غير متخصص بسورة واحدة، لكنّه النهج الذي نتّبعه للتعامل مع السور الطويلة، فهو تعديل للمنهج لا أكثر ليكون تناول السورة الطويلة ممكنًا.

وكذلك فإنّني سأختم بمقال عامّ يلخّص مقولات الوحي منذ سورة العلق حتّى سورة الأعراف، فيكون في هيئة نقاط هي محاور الوحي حتّى تلك اللحظة، ثمّ يكون لنا عودة إليها فيما بعد.

وبما أنّني أكتب هذه المقدّمة بعد أن فرغت من تقريب سورة الأعراف، فإنّني سأسير على سنّة استننتها سابقًا في الجزء الأوّل، بأن أبيّن ما بدا لي من مواضع الخلاف الرئيسة مع التفسير التقليدي خلال الجزء الثاني.

ومواضع الخلاف هي:

  1. في المنهج العام:
    1. أولوية النص القرآني وسياقه الداخلي: الاعتماد بشكل أساسي على لغة القرآن وسياقه الداخلي وترابط آياته لفهم المعنى، مع الحذر الشديد من فرض سياقات خارجية (أسباب نزول غير قطعية أو خارجة عن سياق الدعوة، روايات تاريخية أو إسرائيلية مشكوك فيها) قد تُوجِّه المعنى أو تناقضه.
    1. فهم القصص القرآني: النظر إلى القصص القرآني باعتباره يركز على العبرة والموعظة {فاقصص القصص لعلهم يتفكرون}، وليس بالضرورة سردًا تاريخيًا دقيقًا لكل التفاصيل، مما يستدعي الحذر من استنتاج أحداث أو تفاصيل لم يصرح بها النص أو لا يقتضيها السياق اللغوي المباشر، ورفض الروايات الخرافية التي تتنافى مع منطق القرآن.
    1. التعامل النقدي مع الموروث التفسيري: احترام جهود المفسرين السابقين مع عدم التردد في مراجعة أقوالهم إذا بدت متعارضة مع ظاهر النص اللغوي أو السياق القرآني العام، أو إذا كانت مبنية على افتراضات متراكمة أو روايات ضعيفة.
  • في تفسير قصص الأنبياء:
    • قصة داود (في سورة ص): التشكيك في التفاصيل الدرامية (المتعلقة بزوجة أوريا مثلًا) التي لا يذكرها القرآن، والتركيز على عبرة الفتنة في الحكم، والتسرع المحتمل، وضرورة الأوبة والرجوع إلى الحق، وأهمية التحذير من اتباع الهوى للحاكم.
    • قصة سليمان (في سورة ص): رفض التفسيرات الشائعة لـ {مسحًا بالسوق والأعناق} بأنها قتل للخيل، وتفضيل المعنى اللغوي الأقرب (المسح للتوديع أو التطهير الرمزي)، وكذلك رفض الروايات الخرافية حول فتنة {ألقينا على كرسيه جسدًا} وتفضيل تفسير لغوي يربطه بصبغ أحمر (دم) كإنذار بالموت أدى إلى الأوبة. وتفسير {الشياطين} المسخرة له بأنهم قد يشملون المهرة المتمردين من البشر ذوي القدرات (“الشياطين” بالمعنى اللغوي للبعد والشطط من جذر شطن).
    • قصة أيوب (في سورة ص): رفض رواية ضرب الزوجة، وتفسير {اضرب به ضغثًا} بأنه وصفة علاجية بالأعشاب، وتفسير {لا تحنث} بأنه رفع للعزلة المفروضة بسبب المرض وليس كسرًا ليمين متعلق بالضرب. وتفسير {مسني الشيطان} بأنه قد يشير لمرض شديد متسارع أو وسوسة مصاحبة للبلاء وليس مسًا جسديًا مباشرًا من كائن خارق.
    • قصة أصحاب السبت (في سورة الأعراف): ترجيح تفسير {كونوا قردة خاسئين} بأنه حكم بالذل والصغار والهوان والانقياد المذل (الإقراد: وهذا هو المعنى الثابت لغة)، وليس بالضرورة مسخًا حقيقيًا لصورة قردة، انسجامًا مع لغة العرب وروح القرآن في التركيز على العبرة الأخلاقية.
    • قصة فرعون وقومه: التنبيه إلى أن القرآن يؤكد تدمير حضارتهم وآثارهم {ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون}، مما قد لا يتفق مع بقاء آثار الحضارة المصرية القديمة، وعليه فليس بالضرورة أن يكون فرعون موسى هو أحد ملوك حضارة وادي النيل في مصر المعروفين تاريخيًا، فالقرآن لم يحدد مكانه أو زمنه بدقة.
  • في تفسير بعض الظواهر أو المعجزات:
    • انشقاق القمر (في سورة القمر): ترجيح كونه علامة مستقبلية للساعة استُخدم لها الفعل الماضي للتحقق، أو تعبيرًا مجازيًا عن وضوح الأمر وانكشافه، في مقابل الرواية التقليدية بحدوثه كمعجزة حسية ماضية، وذلك لعدم وجود دليل قاطع في السياق القرآني المباشر يدعم الرواية الأخيرة، بل إن السياق (الإعراض الفوري عن أي آية) قد يضعفها، لأنّ الله كما رأينا في هذا الجزء يرفض فكرة الآيات الخارقة ويعلّم الرسول أن يهمل من يطلبها.
  • في فهم بعض المفاهيم والمصطلحات:
    • آدم وحواء والخطاب بالجمع: تفسير الخطاب لآدم غالبًا بأنه خطاب للنوع البشري، وتفسير استخدام صيغ الجمع في الحوار مع آدم وزوجه {أنفسنا}، {اهبطوا} بأنه قد يشمل النوع أو يشمل إبليس معهما، وليس بالضرورة دليلًا على وجود كائنات أخرى معهما في الجنة وقت الحدث كما تذهب بعض التفسيرات.
    • الملائكة وإبليس: فهم “الملائكة” كقوى كونية أو موجودات خاضعة لأمر الله، وأن عصيان إبليس لا يعني بالضرورة كونه من جنس الملائكة نفسها (الذين {لا يعصون الله ما أمرهم}) بل كان كائنًا ضمن “مُلك” الله اختار الاستكبار والعصيان. وتفسير اسم “إبليس” لغويًا (الميؤوس منه) و “رجيم” (المبني على الرجم أي التخرّص والظن الباطل).
    • الجن: الإشارة إلى أن الكلمة لغويًا قد تعني الكائنات المستترة أو الأمم المجهولة بالنسبة للمخاطَبين، دون الحصر بالضرورة في المعنى الشائع للكائن المخلوق من نار.
    • الوزن والميزان: التأكيد على أن الوزن يوم القيامة هو وزن معنوي للعمل والصفات وقيمة الإنسان بناءً على معيار الحق والعدل، وليس وزنًا ماديًا أو عدًّا رقميًا للحسنات والسيئات.
    • الأعراف ورجالها: ترجيح كون “رجال الأعراف” ملائكة أو جماعات على مكان مشرف بين الجنة والنار، وليسوا بشرًا استوت حسناتهم وسيئاتهم كما هو شائع.
    • الميثاق الأول {ألست بربكم}: طرح فهم بأن هذا الميثاق قد يكون إشارة إلى الفطرة أو إلى تجدد أخذه من ذرية آدم عبر الأجيال والرسل، وليس بالضرورة حدثًا واحدًا تم في عالم الذر قبل الخلق المادي، بدليل تعليل الآية نفسها {أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا}.
    • النبي الأمّي: الإشارة إلى المعاني اللغوية المحتملة لكلمة “أمي” غير “الذي لا يقرأ ولا يكتب”، كالنبي المرسل إلى الأمم، أو النبي من أم القرى (مكة)، أو النبي من قوم ليس لهم كتاب منزل من قبل. (وهو ما يحتاج تفصيلًا أوسع لاحقًا).
    • الشيطان: التفريق بين إبليس ككائن محدد، وبين “الشيطان” كمفهوم أوسع يشمل كل متمرد أو بعيد عن الحق (شاطن)، أو حتى كوساوس النفس وشطحاتها (كما في قوله {مسني الشيطان بنصب وعذاب} لأيوب أو {ينزغنك من الشيطان نزغ} للنبي).
    • معنى الرحمة: لفت الانتباه إلى أن معنى الرحمة في السياق القرآني قد يتسع ليشمل القدرة والسعة الإلهية، بالإضافة إلى معنى العطف والشفقة.

هذه أبرز النقاط التي بدا فيها منهجنا اللغوي السياقي النقدي يفضي إلى نتائج تختلف عن بعض التفسيرات التقليدية المتداولة خلال السور التي تم تناولها في هذا الجزء.

أخيرًا، أعيد التذكير أنّ هذه الكتيّبات أو الكتاب المزمع إنجازه، ومقالاته التي تنشر مفردة على المدوّنة، إنّما هي رفيق قراءة لمن يقرأ القرآن ويريد أن يعيه، وأن يتجاوز مجرّد الترديد بحثًا عن الثواب، وأن تكون هذه القراءة قراءة كلّيّة تراعي سياقه الواقعي من زمان ومكان وأسباب نزول راجحة.

فهو ليس للمجادلة ولا يكتب وثمّة نيّة مبيّتة لاستخراج معنى مخصّص، غير أنّني التزمت منهجًا لغويًّا واقعيًّا عقلانيًّا في القراءة، ويمكن أن تلتزم المنهج ذاته وتأتي بأمور غابت عنّي.

أخيرا إليكم وإليكن هذا الجزء الذي يمكنكم تحميله من هذا الرابط: