الأهرامات المصرية: بين العلم وأوهام وسائل التواصل

في كل مرة يُعلن فيها عن اكتشاف جديد في الأهرامات المصرية، تنطلق موجة من التخبط والتخريف على وسائل التواصل الاجتماعي، يقودها من يظنون أنفسهم “باحثين مستقلين” أو “مكتشفين للحقائق المخفية”. هؤلاء الذين يجلسون خلف شاشاتهم، يتناقلون مقاطع فيديو وصوراً ومنشورات بلا تمحيص، ويدّعون اكتشاف ما عجز عنه علماء الآثار والتاريخ على مدى قرنين من البحث المنهجي المنظم.

ولعل أكثر ما يثير السخط في هذه الظاهرة هو إصرار هؤلاء على تجاهل الحقيقة العلمية البسيطة: أن الأهرامات كانت مقابر لملوك مصر القديمة. بدلاً من ذلك، يروّجون لنظريات خيالية عن “محطات طاقة” و”مراصد فلكية” و”تقنيات متقدمة” و”كائنات فضائية”. وفي قلب هذه الادعاءات تكمن فكرة عنصرية بغيضة: أن أجدادنا في حضارة وادي النيل لم يكونوا مؤهلين لبناء مثل هذه الصروح العظيمة.

دعونا نواجه هذا العبث بالحقائق العلمية الصارمة. فالأدلة على أن الأهرامات كانت مقابر ملكية لا تقتصر على رأي عالم هنا أو باحث هناك، بل هي نتاج تراكم معرفي هائل يشمل:

أولاً، الأدلة المعمارية الداخلية التي لا تقبل الجدل. فما معنى وجود غرف دفن وتوابيت حجرية ضخمة في قلب كل هرم؟ وما تفسير الممرات المصممة خصيصاً بمتاريس حجرية لإغلاقها بعد الدفن؟ هل كانت هذه “محطات الطاقة” المزعومة تحتاج إلى توابيت وغرف مغلقة؟

ثانياً، المجمعات الجنائزية المتكاملة المحيطة بكل هرم، من معابد جنائزية وطرق صاعدة ومعابد وادي. هل يعقل أن تكون كل هذه المنشآت، الموثقة وظيفتها في النصوص والنقوش، مجرد “غطاء” لإخفاء وظيفة أخرى؟

أما حجة أن الأهرامات وُجدت فارغة من المومياوات، فهي تكشف عن جهل مطبق بتاريخ المنطقة. فمن المعروف أن المقابر الملكية تعرضت للنهب منذ العصور القديمة، حتى أن الكهنة المصريين أنفسهم قاموا بنقل مومياوات الملوك إلى مخابئ سرية لحمايتها. وخير دليل على ذلك اكتشاف خبيئة الدير البحري الملكية عام 1881، التي ضمت أكثر من 40 مومياء لملوك وملكات مصر القديمة.

ولو كان لدى هؤلاء “الباحثين” ذرة من المنطق العلمي، لتساءلوا: كيف يمكن تفسير التطور التدريجي في بناء المقابر الملكية في مصر القديمة؟ فالأهرامات لم تظهر فجأة، بل كانت نتاج تطور طويل بدأ بالمقابر البسيطة تحت الأرض، ثم المصاطب، ثم الهرم المدرج، وصولاً إلى الشكل الهرمي الكامل. هل يُعقل أن تكون كل هذه المراحل مجرد “تمويه” لإخفاء وظيفة تقنية متقدمة؟

ومن المضحك المبكي أن نرى كيف يتشبث هؤلاء بكل “اكتشاف” مزعوم، كالحديث عن هياكل غريبة تحت الأهرامات رُصدت بالأقمار الصناعية. وعندما يُطلب منهم تقديم أدلة علمية موثقة، يلجؤون إلى نظريات المؤامرة عن “إخفاء الحقائق” و”تضليل العلماء الرسميين”.

إن موقف علماء الآثار الرافض لهذه الترهات ليس تعصباً أو انغلاقاً، بل هو موقف علمي صارم يستند إلى منهجية بحثية رصينة. فهم يدركون أن هذه الادعاءات ليست مجرد “وجهات نظر بديلة”، بل هي امتداد للنظرة الاستعمارية العنصرية التي ترفض الاعتراف بقدرات الشعوب غير الغربية على الإبداع والإنجاز.

وللذين يتساءلون عن “التقنيات المتقدمة” المزعومة، نقول: نعم، بنى أجدادنا أو أجداد إخوتنا في وادي النيل الأهرامات بتقنيات متقدمة، لكنها تقنيات هندسية وتنظيمية موثقة، تطورت عبر مئات السنين من التجربة والخطأ والنجاح. استخدموا علوم الرياضيات والهندسة والفلك، ونظموا فرق عمل ضخمة، وابتكروا طرقاً مذهلة لنقل الأحجار ورفعها. هذا كله موثق في النقوش والبرديات وآثار ورش العمل التي اكتشفها علماء الآثار.

إن سهولة انتشار الخرافات عبر وسائل التواصل الاجتماعي يجب أن تدفعنا إلى مزيد من اليقظة والتمسك بالمنهج العلمي. فالعلم الحقيقي لا يُبنى على مقاطع فيديو قصيرة ومنشورات مثيرة، بل على بحث منهجي دؤوب وأدلة مادية ملموسة وتحليل علمي رصين.

وأخيراً، نقول لمن يروجون لهذه الخرافات: إن إنكار قدرة أجدادنا على بناء الأهرامات لا يقلل من عظمة إنجازهم، بل يكشف عن عقدة النقص والتبعية الفكرية لدى من يرفضون تصديق أن حضارة وادي النيل كانت قادرة على الإبداع والإنجاز بأدواتها البسيطة وعقول أبنائها النيّرة.