لم أكن يوما ممن يصعون قائمة قراءة موصى بها للناس، لكنني أفضل الحديث حول الموضوعات حين أقرأ كتبا جيدة عنها، وهذا المقال حول كتاب: ازدهار بلا نموّ، وهو كتاب جيد في سياقنا، لا سيما لأولئك الذين لا يستسيغون الخطاب الماركسي.
الكتاب يعد مقدمة جيدة لفهم المشكلة، فليس من قبيل المصادفة أن تتزامن الأزمات البيئيّة مع صعود النموذج الرأسماليّ الاستهلاكيّ. فالنظام القائم على النمو اللامتناهي يصطدم حتمًا بحدود كوكب متناهٍ في موارده. وهذا ما يطرحه تيم جاكسون في كتابه “ازدهار بلا نمو” الذي يفكّك العلاقة المزعومة بين النموّ الاقتصاديّ والرفاه الإنسانيّ.
يقوم النظام الرأسماليّ على وهم خطير: إمكانيّة النموّ اللامحدود في عالم محدود. هذا الوهم يتجلّى في السباق المحموم نحو الاستهلاك المتزايد، والرهان على التطور التقني العامودي، وما يصاحبه من استنزاف للموارد وتدمير للأنظمة البيئيّة دون تعميم للرفاه الناتج عنها. وقد كشفت أزمة المناخ عن عجز “النموّ الأخضر” أو ما يسمّى بفصل النموّ عن التدهور البيئيّ عن تقديم حلول جذريّة.
لكنّ المشكلة أعمق من مجرّد فشل تقنيّ. فالنظام الاستهلاكيّ قد خلق ما يسمّيه جاكسون “القفص الحديديّ”، حيث تتحوّل السلع من أدوات لتلبية الحاجات إلى رموز للمكانة الاجتماعيّة والهويّة. وهكذا يصبح السعي الدائم نحو “الجديد” آليّة لملء فراغ وجوديّ في مجتمع يفتقد للمعنى.
في هذا السياق، تبرز الدولة كفاعل رئيسيّ في عمليّة التحوّل نحو نموذج اقتصاديّ مستديم. فهي، كما يرى جاكسون، “أداة الالتزام” التي يمكنها تنظيم العلاقة بين المجتمع والبيئة. ويتطلّب هذا الدور تدخّلات حاسمة: وضع حدود للانبعاثات واستهلاك الموارد، توجيه الاستثمارات نحو الطاقة المتجددة والنقل العامّ، وإعادة تشكيل البنية التحتيّة بما يخدم الاستدامة.
لكنّ التحوّل المطلوب لا يقتصر على الإجراءات التقنيّة والسياسات الاقتصاديّة. فالتحدّي الأكبر يكمن في تغيير المنطق الاجتماعيّ الذي يغذّي الاستهلاكيّة. وهذا يتطلّب تحوّلًا في القيم: من المادّيّة إلى الأهداف الجوهريّة، من التنافس على المكانة إلى التعاون المجتمعيّ، ومن الفردانيّة المفرطة إلى إحياء روح المواطنة المشتركة.
تجدر الإشارة هنا إلى أنّ “البساطة الطوعيّة” التي يتبنّاها بعض الأفراد والمجتمعات ليست مجرّد تقشّف، بل هي إعادة اكتشاف لأشكال أخرى من الرخاء. فالدراسات تشير إلى أنّ من يتبنّون نمط حياة أقلّ استهلاكًا غالبًا ما يشعرون بسعادة أكبر. وهذا يؤكّد أنّ الرخاء الحقيقيّ لا يرتبط بالضرورة بتراكم السلع.
إنّ الانتقال إلى اقتصاد مستديم ليس خيارًا طوباويًّا، بل ضرورة وجوديّة. فالنموذج الحاليّ لا يهدّد فقط التوازن البيئيّ، بل يقوّض أيضًا أسس الرفاه الإنسانيّ. كما يشير ماركس في نقده للرأسماليّة، فإنّ النظام الذي يحوّل كلّ شيء إلى سلعة يؤدّي في النهاية إلى اغتراب الإنسان عن ذاته وعن الطبيعة.
الرسالة الأساسيّة التي يقدّمها جاكسون هي أنّ تجاوز عقيدة النموّ ليس تضحية بقدر ما هو فرصة لإعادة اكتشاف معنى الرخاء. فالتحدّي الحقيقيّ يكمن في بناء اقتصاد يحترم حدود الكوكب ويعزّز الرفاه الإنسانيّ في آن واحد. وهذا يتطلّب ليس فقط إصلاحات تقنيّة، بل ثورة في طريقة تفكيرنا حول معنى التقدّم والسعادة.
نحن إذن أمام مفترق طرق تاريخيّ: إمّا الاستمرار في نموذج يقود حتمًا إلى كارثة بيئيّة واجتماعيّة، أو المغامرة بتجربة نموذج جديد يتجاوز وهم النموّ اللامتناهي. والخيار، كما يؤكّد جاكسون، ليس بين الرخاء والاستدامة، بل بين نموذج يدمّر إمكانيّة الرخاء المستديم، ونموذج يجعله ممكنًا.
