علم الله أنّني منذ أن جلست أدرس ما يسمّيه الناس كتب التفسير، عقدت النيّة على أنّه إذا مدّ الله في عمري فإنّني سأقعد لكتابة تفهيم للقرآن كما استقبلته الأذن العربيّة إذ نزل، ولكنّ للدنيا تقلّباتها وللنفس تقلّباتها، وقد ظننت لعقد أو أكثر أنّ هذا المشروع سيكون مشروع الشيخوخة الأثير لديّ.

وها أنا الآن في أوّل الكهولة، أعقد العزم على إبرار هذا المشروع، فإنّ أطوار الجماعة أهمّ من أطوار النفس، وللجماعة أولويّة على الفرد فيما أرى، ولقد لمست حاجة عظيمة لدى الناس من حولي إذ يعانون ما عانيته طفلا أثناء قراءة كتب التفسير المليئة بالعنعنة وأقوال السابقين، والتفسيرات التي تطوّع النصّ لما تعتقده ولا تطوّع ما تعتقد به للنصّ ذاته.
وقد رأيت أن أسمّي مجموعة الكتيّبات هذه “تجديد البيان في تقريب القرآن”، وأن أخرجها في أجزاء وأنا أكتبها، وفوق ذلك أن أخرج كلّ مقالة منها للناس أثناء الكتابة في مدوّنتي، ثمّ أنقّحها التنقيح الأوّليّ لدى إصدار كلّ جزء، فإذا استوى الكتاب كتابًا قصدت إلى نشره بطريقة أو أخرى.
وإنّني إذ أنشر أوّل كتيّب من هذه الكتيّبات الإلكترونيّة التي تنسّق لكي تسهل قراءتها على الهاتف الذكيّ، لتكون رفيقة القارئ إذ يقرأ القرآن، وتكون وسيلة من وسائل تعلّم اللغة العربيّة، وتكون سبيلا من سبل تجديد الخطاب الدينيّ الذي تضافر عليه المال السياسيّ وغربة الناس عن اللغة وطول الزمن والتقاليد، فإنّني أهديه لكلّ من علّمني أن أقرأ وأعيد القراءة وأحاكم فهمي وأصوّبه قبل أن أتبنّاه.
فلكلّ معلّم مخلص، ولكلّ كاتب ترك لنا ما نهتدي به إلى فهم قويم، ولكلّ شيخ جلست في حلقته، أهدي هذا الكتاب، كما أهديه لكلّ من يطلب الفهم قبل أن يحكم، ولكلّ من يخيب أمله إذا قلّب صفحات كتب التفسير، فأحسّ أنّها تعقّد الفهم ولا تيسّره.
إلى كلّ هؤلاء أقول: أتمنّى أن أكون على قدر المسؤوليّة التي حملتها إذ تعلّمت، وأتمنّى أن تكونوا على قدر مسؤوليّة ما ستفضي به صفحات هذا الكتاب إليكم.
مقدّمة الكتاب
إن مرور الزمن، والأطوار التي يمرّ بها اللسان العربي نفسه، وتشعب العلوم وتراكم الشروح والتفاسير – على جلالة قدرها وعظيم نفعها – قد تخلق أحياناً حجاباً غير مقصود بين القارئ المعاصر وبين الوهج الأول للكلمة القرآنية كما تلقاها الرعيل الأول في بيئتها اللغوية والثقافية والتاريخية.
قد نجد أنفسنا نردد آيات عظيمة، ونتلو سوراً كريمة، وقلوبنا وعقولنا لا تتفاعل معها بالعمق الذي تستحقه، ربما لأن بعض المفردات فقدت رنينها الأصلي في استعمالنا اليوميّ، أو لأن بعض السياقات غابت عن أذهاننا، أو لأن التكرار ألّف بيننا وبين النص حتى كاد أن يحجب بعض معانيه عنا.
من هذا المنطلق، ومن الشعور بالحاجة إلى مد جسر يعبر هذه الفجوة الزمنية واللغوية، تأتي المقالات هذه محاولة متواضعة. ليس القصد هنا تقديم “تفسير” بالمعنى الاصطلاحي الذي استقرت عليه قواعده وأصوله عند علمائنا الأجلاء، فتلك صنعة لها أهلها ومناهجها التي نحترمها ونقدرها. إنما المقصد هو “التقريب” و”التزمين”: تقريب المعنى القرآني ليكون في متناول فهم الإنسان المعاصر، وتزمينه ليتفاعل معه القارئ اليوم كما تفاعل معه أهل ذلك الزمان الأول، دون إخلال بأصالته أو تحميله ما لا يحتمل.
ولبلوغ هذا المقصد، اتخذنا منهجاً يرتكز أساساً على العودة إلى جذور الكلمة القرآنية في تربتها اللغوية الأولى. فبحثنا في أصول الألفاظ ودلالاتها في لغات العرب وقت التنزيل، مستعينين بالمعاجم اللغوية القديمة، وبمقارنة الاستعمال القرآني باستعمالات العرب في أشعارهم وأخبارهم، مع الالتفات إلى ما قد تكشفه أصوات الحروف ذاتها من ظلال للمعنى. كما حاولنا فهم النصّ في سياقه التاريخي والثقافي الذي نزل فيه أوّل مرة.
وللتدرج في هذا الفهم، سلكنا مسلك ترتيب نزول السور التقريبي، معتمدين أحد الترتيبات المشهورة (ترتيب الجعبري)، لا لنقرّه على أنه القول الفصل، فالخلاف في الترتيب معروف ومعتبر، ولكن اتّخذناه وسيلة منهجية تساعد على تتبّع تطوّر الخطاب القرآني في مراحله الأولى، وفهم كيفية معالجته للقضايا والتحديات التي واجهت الدعوة في مكة.
فبدأنا بقصار السور المكية التي تمثل الشرارة الأولى للوحي، لعل ذلك يعين على فهم لغة القرآن ومنطقه قبل الانتقال إلى السور الأطول والأكثر تفصيلاً.
إن ما نقدمه هنا هو قراءة، وتأمل، ومحاولة للفهم، ندعو القارئ الكريم لمشاركتنا فيها بعقل متفتح وقلب متدبر.
نأمل أن تكون هذه المقالات عوناً على إدراك جانب من عظمة البيان القرآني، وأن تسهم في تجديد صلتنا الحية بهذا الكتاب الخالد، وأن تفتح نافذة للنظر إلى معانيه من زاوية قد تضيء جوانب لم تكن واضحة من قبل، وتترك أثرًا يليق بهذه المعاني في حياتنا اليوميّة التي أزعم أنّها ابتعدت عن مقاصد القرآن.
نسأل الله التوفيق والسداد، وأن ينفع به قارئه وكاتبه.
لتحميل الكتاب اضغطوا على الرابط هنا:
