في انتظار انتظام الكواكب: رؤية استراتيجية للعمل المستمرّ رغم الأزمات

تأمّلت الشعوب القديمة السماء، وانتظرت اصطفاف الكواكب علامةً على لحظة فارقة في التاريخ. في وادي النيل وحضارة الإنكا، كان هذا الانتظار طقسًا مقدّسًا، انتظارًا للحظة سحريّة تنقلب فيها الأمور رأسًا على عقب. هذا الإيمان بالتحول السحري المفاجئ لم يكن مجرد وهم ميثولوجيّ، بل كان إدراكًا غريزيًا لحقيقة عميقة: إنّ التغيير الكبير يحتاج إلى تضافر عوامل متعددّة، بعضها في متناول اليد، وبعضها في أبعد من السماء.

يقول ابن خلدون في مقدمته إن تحوّل الدول يخضع لقوانين تشمل “ضفيرة من أسباب متعددة” في لحظة حاسمة. وهذا الفهم العميق لحركة التاريخ يتجاوز الفهم السطحي الذي يرى التغيير إما قفزة في الهواء، ما يشبه رمية نرد أو انتظارًا سلبيًّا للحظة المؤاتية.

في حضارة الصين ثمّة نموذج لم يزل حيًّا لهذا الفهم. عندما أطلق دنغ شياو بينغ إصلاحاته، كان شعاره “نجسّ الحجارة ونحن نعبر النهر”. هذه ليست مجرد حكمة شعبيّة، هي استراتيجية عميقة تدرك أن التغيير الحقيقيّ يحتاج إلى توازن دقيق بين الجرأة والحذر، بين العمل والانتظار، بين الطموح وفهم الواقع.

وفي التجربة السوفيتيّة المبكرة، نجد درسًا مماثلًا. فقد أدرك لينين بواقعيّته انعدام التكافؤ بين بلاده وبين الدول الرأسماليّة المتطوّرة، وهكذا آمن بضرورة الانتقال المرحليّ. لذلك طرح “السياسة الاقتصاديّة الجديدة” التي سمحت بمرونة اقتصادية معيّنة لبناء أساس متين للدولة الوليدة. كان هذا فهمًا عميقًا لضرورة العمل إلى جانب انتظار الظرف التاريخي.

اليوم، نعيش في ما يسميه المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي “الأزمة المستمرّة” إذ “يموت القديم بينما لا يستطيع الجديد أن يولد”. هذه الحالة من الطوارئ المزمنة تحولت إلى عذر دائم لتأجيل كل مشروع كبير باسم “الأولويّات الطارئة”. لكن غرامشي نفسه يقدم لنا مفتاح الخروج من هذا المأزق في مقولته الشهيرة: “علينا أن نجمع بين تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة”.

المطلوب إذن منهجية تراكمية تجمع بين العمل الدؤوب وفهم الظروف المحيطة. فكما يقول المفكر الاستراتيجي إدوارد لوتواك، “الطريق المنحني” أحيانًا أفضل من المواجهة المباشرة. العمل ضمن المتاح يمكن أن يوسع هذا المتاح تدريجيًا، لكن بشرط أن نفهم جيدًا حدود هذا المتاح وشروطه، فلا نتقاعس باسم القيود، ولا ننطح صخرة صمّاء.

علينا أن نحذر من أن نوقع أنفسنا بأيدينا فيما يسمّيه تشومسكي “استراتيجية الصدمة”، حتّى لا نظلّ نعيش في حالة ذعر دائم يمنعنا من التفكير بهدوء في مستقبلنا. بل نحتاج إلى استراتيجية التراكم المنهجيّ التي تدرك أن التغيير، كما يقول المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل، يتشكل عبر “الزمن الطويل” – وليس في اللحظات الفارقة فحسب، وهذا ما يتناقض مع طبيعة “الفزعة” التي تهيمن على ديناميكيات عملنا.

إنّ صورتنا عن المأثرة البطولية معيبة إلى حدٍّ ما، فإذا ذكرت الكلمة أمامنا تذكّرنا صورة عمرو بن كلثوم وهو يختطف السيف عن الجدار ويقتل الملك عمرو بن هند لدى سماعه صيحة أمّه، وتجدنا نستشهد بمثل “إن البعوضة تدمي مقلة الأسد”. لكن هل هذه هي صورة البطولة الأكثر مناسبة لوضعنا كأمّة؟ أشكّ في ذلك، وأرى أنّ فكرة حفر نفق جلبوع أكثر مناسبة، فهذه أخذت عشرين سنة من العمل بصمت دون تبجّح ودون مظاهر العنفوان. نحتاج العمل الدؤوب الصامت الحاضر في مثل هذه الصورة.

حتى فكرتنا عن الوحدة العربيّة كانت معيبة، ففي الحالات التي أعلنت فيها وحدة عربيّة، لم تعطَ الوقت الكافي لكي تحدث وتنضج، وجاءت خلال برنامج قصير الأمد، ونحن نعرف من عالم الأحياء أنّ فترات الحمل تتناسب طردًا مع طول عمر الكائن الحيّ، وهذا ما حدث بالفعل للأسف، برنامج الوحدة الذي كان سريعا، نتجت عنه وحدة لم تعش طويلا.

ما أريده من هذه السطور أن نتوقّف قليلا لنعيد تعريف البطولة والعمل التحرّريّ، وألّا نستبعد لحظات الكرامة والحرب الخاطفة، والعمليات العسكريّة البطولية، لكن أن نعطي التخطيط البارد والعمل الدؤوب ما يستحقّه من مكانة في مخيالنا. هذا درس نتعلّمه من استراتيجية الحزب السابقة في لبنان، نتعلّمه بالطريقة الصعبة، وندفع تكاليفه أرواحًا وعمرانًا، لكنّ الأسوأ أن ندفع كلّ ذلك دون أن نتعلّمه.

الآن فكّر في الآتي: هل أنت مستعدّ أن تدفع عمرًا في عمل يخدم الأمّة لكنّك لن تعيش لترى نتيجته؟ إذا كان جوابك: لا. فأعد قراءة المقالة، ثم إذا نجحت في إقناعك بشيء مختلف، ربّما كان من المناسب أن تزور هذا الموقع: http://www.oruba.org