حبل غسيل طويل

ليس غريبا أن يتعلّق ذوو الرأي بنافذة الحرّية التي تتاح لهم، لكن الغريب أن يتمسّكوا بفيسبوك وغيره من منتجات شركة ميتا أو أخواتها من وسائل التجسس والهندسة المجتمعية حتّى بعد أن فقدت فكرة كونها نافذة للحرّيّة في كل مكان، فكما أجد قانون الجرائم الإلكترونية قيدًا ضيّقًا يمنعني من انتقاد الأشخاص والأفكار، ويمنعني من تسمية الأمور بأسمائها في بلد كالأردنّ، فإنّ غيري يواجه قوانين مشابهة في كلّ البلاد، وفوق ذلك فإنّ الخوارزميات ذاتها تضع قيودًا إضافيّة علينا حتّى عند الحديث بالأفكار المجرّدة. إذن، ما الذي لم يزل مغريا في مثل هذه المواقع؟

إنّه ثمّة وهمٌ كان له أسبابه الوجيهة سابقًا، ومنها أنّنا شهدنا عدّة مرّات منشورًا يتحوّل إلى ما يشبه حركة مجتمعيّة، كالقصة المفترضة للبوعزيزي المزعوم، أو غيرها من منشورات خلع الحجاب أو الإمساك بالمتحرّشين أو غيرها، لكنّ هذا انقضى إلى غير رجعة برأيي، فقد تحوّلنا من الخوارزميات التي تتّخذ قرارها بترويج منشور ما مدفوعة بنوع التفاعل البشريّ معه، إلى الخوارزميات التي تتّخذ قراراتها موجّهة بذكاء اصطناعيّ خاصّ، ما يجعل انتشار أمر بصورة طبيعية ضربًا من الخيال. هل اتفقنا أنّ هذا وهم؟ لننتقل إلى تحليل الوهم الذي لم يزل موجودًا فاعلًا.

الوهم الذي أعنيه هو أنّنا عندما كتبنا منشورًا أو طرحنا رأينا في مقالة أو فيديو، فإنّنا وضعنا رأينا “هناك” على طاولة النقاش، أو بورصة الآراء. ولكن اليوم، نحن عندما نكتب منشوراتنا لا نفعل شيئا غير توظيف هذا الوهم في إراحتنا. فحتّى لو افترضنا شيوع فكرة وجيهة وتبنّي الناس لها، فإنّها لن تتحوّل إلى نبض مجتمعيّ إلّا بوجود ميكانيكية لتحويل الفكرة هذه إلى فعل.

انظر مثلا إلى المؤسسات الموجودة في الويلات المتّحدة الأمريكية المتعلّقة بما يسمّى “حقّ الميلاد” لأبناء الديانة العبريّة بزيارة الأرض المقدّسة، وترويج الانضمام إلى عصاباتهم المسلّحة، إنّها ميكانيكية لتحويل هذه الأفكار إلى مهاجرين جدد وآلات قتل واضطهاد، وقبل ذلك تعليم أطفال تلك المجتمعات “تراثهم” و”لغتهم” و”ديانتهم”، وإجراء غسيل أدمغة متطوّر لهم، فإن لم يكونوا مقاتلين على الأرض، فهم مدافعون شرسون ملقّنون تلقينًا كاملًا بالردود على كل هجوم كلاميّ محتمل على مشروعهم.

أمّا أجود منشوراتكم هنا، وأفضل أفكاركم، وأكثرها شيوعًا، بغضّ النظر عن قناعتي الشخصية بها، فهي لا تعدو أن تكون كلامًا في الهواء، لا يجد من ينقله إلى حيّز التنفيذ، وحتّى العزيمة التي لزمتكم للتفكير والكتابة أو صناعة المادّة، فليس لها خبز على أرض الواقع تقتات عليه لتفعل شيئا، أو ربّما هي استنفدت بما أنفذته من تعبير، وخيّلت لكم أنّكم قادة رأي حقيقيين.

تجربتي الشخصية مع هذه المواقع، هي أنّني عبّرت عن آرائي غير مرّة عليها، ثمّ جاءتني عدّة عروض استكتاب في مجلّة هنا وموقع هناك، لكنّني رأيت من موقعي الجديد كاتبًا للرأي في المجلّات أنّ هذه المواقع ابتلعت المجلّات والجرائد والصحافة التقليديّة، وبدلا من أن يتطوّر الكاتب من شخص يتكلّم دون روابط تكبح جماحه إلى كاتب ملتزم بمعايير الإعلام، أخذت المؤسّسات الإعلامية تتطوّر إلى صفحات وسائل تواصل تتحدّث دون التزام بأدنى معايير الإعلام.

ثم مع كوني متبنّيًا مبكّرًا للذكاء الاصطناعيّ، بسبب رحلة استكشاف له تزامنت مع كتابتي لرواية الحدس التي للذكاء الاصطناعي دور شخصيّة رئيسة فيها، بدأت ألاحظ أنّ كثيرا من التعليقات والمنشورات ليست سوى استجابة نماذج لغة كبيرة لأوامر رديئة الصياغة، وهذا يعني أنّ المزيّفين الذين كشفتهم مواقع التواصل سابقًا، من أساتذة جامعات أو شخصيات مجتمعية ظهرت تفاهتها بما نشرته أو لم تنشره من آراء على وسائل التواصل وقت كانت نافذة للحريّة فعلا.

هنا لا بدّ من أنّ السؤال الذي يتبادر للذهن يدور حول الحلّ، أو البديل، وهو سؤال مشروع. بيد أنّ الحل لا يكمن في إيجاد نافذة جديدة للحرّيّة، بل في إعادة النظر في مفهوم الحرّيّة ذاته. فالحرّيّة ليست مجرّد حقّ في التعبير أو في النشر، بل هي قوى مجتمعيّة متماسكة قادرة على تحويل الأفكار إلى أفعال، والنقاشات إلى سياسات، والإبداع إلى مؤسّسات. ومن هنا تنبثق ضرورة العمل المجتمعيّ المنظّم، بعيدًا عن منصّات التواصل الاجتماعي التي باتت أشبه بمسرح للعبث والضجيج.

يجب أن نعيد اكتشاف أدوارنا الحقيقيّة في مجتمعاتنا، وأن نسعى للانخراط في المنظّمات والمبادرات التي لها تأثير فعليّ على أرض الواقع، وإذا لم تكن موجودة فإنّ علينا خلقها. علينا أن ندرك أنّ التغيير لا يأتي من وضع الرأي على طاولة نقاش مفترضة، لم يعد أحد يقرؤ ما عليها، بل من التفاعل الحقيقيّ مع الآخرين، ومن بناء شبكات دعم ومؤسّسات تعمل على الأرض لتحويل الأفكار إلى مشروعات حقيقيّة.

بذلك يمكننا التحرّر من وهم الحرّيّة الزائفة التي تروّجها منصّات التواصل الاجتماعي، والعودة إلى مفهوم أعمق وأشمل للحرّيّة، مبنيّ على القدرة على التأثير الفعليّ والتغيير الحقيقيّ في مجتمعاتنا. ولا بأس بعدها من النشر من باب امتلاك ذراع إعلاميّة لمؤسسة موجودة فعلا على الأرض. أمّا حال المنصّات اليوم، فهو لا يعدو أن يكون وسيلة للإلهاء واستنزاف المشاعر لصالح اللاشيء.