بسبب كل ما يحدث حولنا وعلينا منذ مدّة، وجدت نفسي بلا معطيات، ولا أقصد هنا مجرّد الهرب من الأخبار اليوميّة ومن الآراء في وسائل التواصل، بل أتحدّث عن المعطيات الحقيقيّة، وهذه كانت مفقودة منذ مدّة طويلة، بل وإنّني أظنّ أنّها لم تتح يومًا من الأيّام لعامّة الناس، فقد كان دأبنا هو استدعاء طبيعة الأحداث في التاريخ، وما نعرفه من العلوم الضروريّة للتحليل السياسيّ من جغرافيا سياسيّة ومقارنة مدى الأسلحة وما هو ممكن وغير ممكن في السياسة بمقاييس الأيدولوجيا، وأدوات تحليل الخطاب السياسيّ، ومراقبة الإعلام الموجّه… إلخ، لاستنتاج فكرة هنا أو رؤية هناك.
لكن اليوم نحن نعيش عصرين غريبين في عصر واحد: عصر ما بعد الحقيقة في الإعلام، وعصر ما بعد الأيدولوجيا في السياسة. هتان الحالتان اللتان نعيشهما تجعلان من المستحيل علينا أن نمتلك رؤية تصلح للمشاركة، وهنا تصبح صياغة المشروع أشدّ راهنيّة من ذي قبل، فلا معنى للتحليل إذ يكون كل ما تحلّله في الأصل ضدّك إذا لم يكن لديك مشروعك التحرّريّ الخاصّ بقومك.
تعالوا نقرأ ما وراء الواقع الذي نحاول قراءته، ولا أتحدّث هنا عن الماورائية بمعناها الميتافيزيقي، بل بمعنى مجموعة المعطيات الراسخة التي تقف وراء الواقع اليومي والأحداث الجارية التي لا تتوقّف ولن تتوقّف:
- استشهد قائد كان قادرًا على جمع قطاعات كبيرة من المذاهب المختلفة والانتماءات السياسية المختلفة خلف كلامه، وإن لم تسمح له الظروف أن يجمعهم خلف فعله. وأنا أتحدّث هنا عن نصر الله، الرجل الذي كان حريصا على خلق تيّار مقاوم في كلّ بيئة سياسيّة وفي كل قبيلة سياسيّة أو مذهبيّة أو طائفيّة، لتكون دليله على أنّ حزب الطائفة الذي يقوده ليس حزبا طائفيّا، وترك فراغا لا يمكن ملؤه بسهولة.
- القائد الجديد للحزب وإن ظهر في عهده إبداع عسكريّ وجسارة على الفعل، فقد ظهر في خطابه قصور وتراجع عن الخطاب الموحّد الذي عوّدتنا عليه قيادة الحزب السابقة.
- انهار النظام الحاكم في سوريّا العلمانيّة، وظهر بانهياره أنّه كان مخترقا حتّى العظم، فالخطاب وحده لا يصنع دولة. لقد ظهر ما كنّا نقوله من قبل بأنّ القصّة ليست في شخص القائد ولا في توجّه الدولة العامّ، بل في بنيتها الإداريّة المكوّنة من جزر معزولة حدثت عدّة محاولات غير ناجزة لتوحيدها وتحطّمت على صخرة الواقع الذي يشير بوضوح أنّنا لم ننتصر في الحرب التي نخوضها منذ البعثة الإسلاميّة ضدّ القبليّة.
- بمجرّد انهيار النظام السوريّ وتفتّته تحت أصناف الحصار والمقاطعة وحرب العصابات والقصف والاغتيالات وشراء الذمم لمدّة تقارب العقد ونصف العقد، ظهر في كل الأطراف خطاب متصهين إلى العظم، ولا يلقى هذا الخطاب من النقد ما يستحقّه من شجب واستنكار، بسبب التورّط الجماعيّ فيه.
- لم تزل الدول العربيّة الفاعلة مصرّة على “حلّ الدولتين”، ولم يغيّر ما حدث في أهدافها السوقيّة المعلنة، بإنشاء دويلة فلسطينية على بقايا ما أكله الاحتلال وما يأكله الاستيطان. رغم أنّ الصدمة التي تعرّضت لها شعوبها بما رأته كان أكثر من كاف لانقلاب تاريخيّ وإعادة التفكير في المفاهيم الأساسية التي بني عليها مشروع حلّ الدولتين أصلا.
- نرى التفافا دوغمائيا من الجماهير حول المقاومة ذات الطابع الإسلاميّ في غزّة دون نقد أو تحليل لما حدث ويحدث، وأنا هنا لست ضدّ الالتفاف بحدّ ذاته، ولكنّني بالتأكيد ضدّ صفة الدوغمائيّة فيه، فهي تعمي الناس عن مسائل تنفعها، وتزهّد المسؤول عن تطوير الخطاب في تطوير خطابه، وتهدّد دولًا قائمة بإفقاد شرعيّة وجودها، وهذا بحدّ ذاته جزء من المشروع الصهيونيّ، فليس من المنطقيّ مقارعة الصهيونيّة بالسلاح ثمّ تقاطع جمهور الحركة مع عدوّها في مشاريعه في المنطقة، من الإطاحة بالنظام السوريّ إلى مهاجمة مصر والأردنّ وغيرها، وربّما فيما بعد دعم الإرهاب فيهما. وهنا أتحدّث عن جمهور المقاومة الإسلاميّة في غزّة لا عن برنامج الحركة ذاتها.
- أصبح من الطبيعيّ الاستشهاد بأفغانستان بوصفها قصّة نجاح، دون النظر في الفروق الهائلة بين طبيعة بلادنا وسكّانها، وطبيعة تلك البلاد وسكّانها، ودون التفكير في كون أنّ ما حدث في أفغانستان جزء من مشروع بعيد الأمد يتعلّق بزعزعة استقرار وسط آسيا واستهداف الصين تحديدا، رغم مكر الصينيين في التعامل معه، وكأنّ وجود بلاد عربيّة مأفغنة الشكل والمضمون أمر مقبول بل مطمح مشروع يصلح هدفًا.
- تعالى النباح التنسيقي من جماعة السلطة على الفلسطينيين في الأرض المحتلة، ولا أسمّيها سلطة فلسطينية، فهل لا تملك من فلسطين إلّا الاسم، وليست فلسطينية أكثر من أيّ مجنّد من أصول فلسطينيّة في جيش الاحتلال الصهيوني، واستغلّ الوضع الإنسانيّ في غزّة ليكون بندقيّة موجّهة لصدر فكرة المقاومة بحدّ ذاتها.
- غرق الجمهور في الراهن من الأخبار، وباتت متابعة ما يجري أهمّ لديهم من محاولة المساهمة في بناء وضع جديد، أو التأسيس له في عقول النشأ، أو حتّى المطارحة الأيديولوجية في سبيل اكتشاف مسار ممكن في ظلّ انغلاق الآفاق الممكنة للعمل.
- تغوّل أجهزة الإعلام المعادية الناطقة باللغة الغربية وسيطرتها على المشهد الإعلاميّ بصورة شبه كاملة، فما بقي إلّا أن ترخّص إذاعات محلّيّة في المدن العربيّة للجزيرة والعربية وأخواتهما في الطيف الإذاعيّ العربيّ، حتّى لا يعود ثمّة حضور لإعلام الدول، ويصبح المشهد الإعلاميّ محصورا بالكامل في يد الأذرعة الإعلاميّة للقواعد الأمريكيّة في الخليج العربيّ.
- شهدنا إشارات انكفاء النظام الإيرانيّ على نفسه، ومحاولته إعادة البناء أو إعادة التموضع، وهو في كلّ حال مشغول بحجم الاختراق الذي ظهر في الأحداث الأخيرة منذ وفاة رئيسي الغامضة إلى شبه الاسترخاء بعد إسكات الصوت الذي كان له نفوذه الهائل داخل المجتمع الإيراني لصالح المقاومة، وهنا مرّة أخرى أنا أقصد السيّد.
- تمرّ الدولتان الأردنّ ومصر في وضع صعب جدًّا مؤخّرًا، فيجري تسييل كل ما أجبرت عليه قيادتهما خلال حرب الإبادة ضدّهما كدول لا كتوجّهات سياسيّة، وتشنّ عليهما حرب إعلاميّة شعواء، وفي الوقت نفسه تواجهان الانقلاب في السياسة الأمريكية ضدّهما (لا سيّما الأردنّ)، وتتحقّق نبوءة أنّ “المتغطّي بالأمريكي بردان” في أبشع صورها وفي أصعب الأوقات.
- تذبّ المقاومة بإجهادها للعصابات الصهيونيّة وزعزعتها المجتمع الصهيونيّ عن هذه البلاد بأثر رجعيّ، فالمانع اليوم من شنّ حروب على تلك البلدان هو أنّ الكيان لن يستطيع أن يمضغ ما يتاح له أن يقضمه منها.
- يعاني أهل غزّة من ويلات تصبح الحياة معها شبه مستحيلة، ويتّضح شيئا فشيئا أنّ عدد الشهداء في غزّة يفوق التقديرات التي كانت تعلنها وزارة الصحّة في غزّة بكثير، وفي تقديري لن يتوقّف الرقم عن الزيادة حتّى ينوف عن المئة ألف شهيد. ومع حجم الدمار قد يتحقّق مخطّط كيّ الوعي الفلسطيني الذي طال ما نادى به الصهاينة ونفّذوه، ثمّ يأتي الإعلام الناطق بالعربيّة ليسيّل آثار هذا الدمار لتوسيع دائرة كيّ الوعي، فيصبح كيًّا للوعي العربيّ كلّه.
- يزداد كلّ يوم نفوذ وسائل التواصل وخوارزميّاتها على وعي الشباب العربيّ، فتجد أنّ الجميع رأى الفيديو الفلانيّ وتفاعل معه، مع نفوذ الصهيونيّة غير المشكوك به على وسائل التواصل، وفشل الشباب العربيّ في ابتداع طرائق قابلة للتعميم بصورة واسعة، وهذا يعني أنّ الذي بدا نافذة للحريّة لم يكن سوى فخّ مطبق يصعب تحرير الواقع فيه.
كلّ هذا بعيد عن الأخبار اليومية والتحديثات التي لا تتوقّف، إنّه مجموعة من الأمور التي يمكن استقراؤها أو معاينتها بصورة عامّة، وبعض هذا _ناهيك عن اجتماعه_ أدعى للتفكير العميق في حلّ المعضلة القائمة اليوم، والتي لا يمكن التنبّؤ بمستقبل جيّد معها.
أعيد هنا جملة خطوات كتبتها سابقا لصالح مبادرة مجتمعيّة عملت فيها: “الحيرة، فالخيرة، فالجيرة” أي علينا أن نحتار، ثم نختار، ثم نتجاور، أي أن نعمل أذهاننا في معنى هذه المعضلة التي تواجهنا بكامل قوّتها، ولا ندفن رؤوسنا في وحل اليوميّ والراهن، وأن نحدّق في معنى كل هذا طويلا، ثمّ أن نختار طرقا نرى فيها مظنّة الصواب، ثم نبدأ بالتحلّق حول الأقطاب الفكريّة التي تتنادى للعمل الجماعيّ.
قبل انسحابي الكامل من وسائل التواصل قمت على تنفيذ عدّة مشاريع أراها تساعد في ذلك، فكتبت مدوّنة سلوك المتظاهر، ثمّ كتبت بيان الرسائل الثلاث، ودليل إنشاء المنظّمات السياسيّة، ورؤية لبناء بنية تحتية للمقاومة في البلدان “المسالمة” في حال التعرّض للغزو، وغيره مما رأيت فيه نفعا عامًّا لي وللآخرين ممّن أعرف أنّني أتقاطع معه أو أختلف معه اختلافا شديدا، وكنت أتمنّى أن يكون لأي من هذه المشاريع صدى يدفع باتّجاه تشكيل حراك يمكنني أن أكون جزءًا منه، فقد حرصت أن أضمّن كلًّا منها ما أراه ضروريًّا لكي تكون المجموعة السياسية أبعد عن القبائلية السياسية التي نعاني منها منذ فجر المشروع العربيّ الكبير الأوّل. فإذا كنت ترى الخطر الكامن في البنود التي أدرجتها أعلاه، فإنّني أتمنّى أن تحتار معي، وأن نتحاور لنختار طريقنا، على ألّا يكون نسخة أو امتدادًا لما هو قائم اليوم من مشاريع تتراوح بين الحماقة والعصبية والتطرّف من جهة، إلى الانبطاح الكامل والمطالبة بثمن الخيانة، أو حتّى تقديمها مجّانا، فإذا بدأت بالفعل في إنشاء إطار ما، فأتمنى أن تتواصل معي من خلال المجموعة الحوارية لقناة نقازين على التلغرام، وستنقذني من الانطفاء أمام الصورة المحبطة، فنحن لا نعيش إلّا بالأمل.
