اليوم التالي لسقوط “الطاغية”!

منذ أوّل شرارة لما سمّي ربيعا عربيا ونحن نسأل: هل فكّرتم في اليوم التالي لإزاحة نظام ما؟ وكان هذا السؤال يقع في الأسماع غريبا، ولا يتجاوز صداه اتّهامنا تارة بالتشبيح وتارة بالبلطجة وتارة بالارتزاق أو “التسحيج”، فلماذا يحضر سؤال اليوم التالي للهدنة في لبنان واليوم التالي للصفقة في غزّة، رغم أنّ هذه الحروب مع عدوّ، ويغيب عند معالجة مصائر شعوب بأكملها؟


كان سؤالنا مشفوعا بخوفنا على إخوتنا وأنفسنا من فوضى وفرقة وصراعات جانبية قد تتطوّر لتكون حروبا أهليّة تدور في دول فاشلة أو صراعات تفشل دولا قائمة، واليوم نحن أمام بلد أنهكتها الحرب الطويلة التي دارت منذ 15 سنة، ومرّت بلحظات هدوء واحتدام، وهذه البلد باتت اليوم تحت حكم مجموعات مسلّحة مختلفة في أطرها التنظيمية وفي ميلها الأيدولوجي بعد سقوط النظام الذي كان يحكمه

سؤال اليوم التالي لسقوط النظام بات اليوم شيئا نراه ونلمسه، ونرى الفراغ الذي تركه غياب إجابته، ولكن هذا الفراغ ليس حاضرا في أذهان أكثر الناس بسبب إعلام البروباغندا القطري، ولا سبيل إلى تكوين صورة عمّا يجري إلّا بتسقّط الأخبار من هنا وهناك، عن طريق الأصدقاء في سوريّا أو عن طريق متابعة حسابات في المنصّات التي تحوي هامشا أكبر للحريّة مثل منصّة تويتر، أو متابعة قنوات التلغرام المتخصصة.

والسؤال الذي يجب النظر فيه اليوم قد يكون أسبق على كل الأسئلة، وهو سؤال بدأ مع صدر الإسلام والدولة العربية الأولى، التي فشلت في إذابة القبليّة، ثم انقسمت على أساس قبليّ بين الهواشم والأمويين بداية، وانتهى قبل سقوط الحكم التركي إلى امتداد حروب القيسيين واليمانيين، وعندما توقّف أمام نموذج الدولة كان توقّفه في الحقيقة إدماجًا له في هيكل الدول، فهو اختفى أو تخفّى ولم يتوقّف، وبقيت القبلية موجودة بوصفها نموذجا مهيمنًا، فحتّى الأحزاب كانت تعمل كقبائل سياسية، وفي الدولة السورية كانت القبلية حاضرة على صورة ولاءات لأجهزة منفصلة يسودها أبو فلان أو أبو فلان، وفي لبنان أو العراق ظهرت القبليّة بقناع طائفيّ، لا ينجيك منها أن تعلن تشيّعك أو انتماءك للسنة أو غيرها فالأمر في النهاية قبليّ.

وهذه القبليّة هي المسؤول الأوّل عن الاستبداد، وهي حتّى اليوم قائمة لم تسقط، ولا يظهر أنّ يوم سقوطها يقترب، فالمجتمعات العربية لم تنجح حتى اليوم في تجاوز هذا النموذج القبلي الذي يتجدد باستمرار تحت مسميات مختلفة. وما نراه اليوم من صراعات في المناطق التي تسمّى “محرّرة” ليس سوى امتداد لهذه الظاهرة، حيث تحولت المجموعات المسلحة إلى قبائل جديدة، لكل منها ولاءاتها وأطرها المرجعية الخاصة.

والمشكلة الأعمق أن هذا النموذج القبلي يتناقض جوهريًّا مع فكرة الدولة الحديثة القائمة على المواطنة والمؤسسات. فحين يسقط “الطاغية”، لا يسقط معه النظام القبلي الذي كان هو نتاجه، والذي لم يستطع محاربته منذ أن أمسك الحكم، وقد توقّف فيما بعد عن مجرّد المحاولة، بل يعيد إنتاج نفسه في صور جديدة. وهكذا نجد أنفسنا في دوامة من الصراعات المتجددة، كل مجموعة تسعى للسيطرة على مناطق نفوذها وفرض رؤيتها الخاصة للحكم.

والحل لا يكمن في مجرد إسقاط الأنظمة المستبدة، بل في تفكيك البنية الاجتماعية والثقافية التي تنتج الاستبداد وتعيد إنتاجه. وهذا يتطلب عملاً طويل الأمد على مستويات متعددة: التعليم، والثقافة، والاقتصاد، وبناء المؤسسات. لكن السؤال الأصعب: هل نحن مستعدون كمجتمعات لهذا التحول العميق؟ وهل نملك الإرادة والصبر الكافيين لخوض هذه المعركة الطويلة مع أنفسنا قبل أن نخوضها مع المستبدين؟ علما بأنّ هذه المعركة الثقافية الطويلة تحتاج وقتا من الاستقرار لا تكون فيه القبيلة شبكة الأمان الوحيدة للفرد.

هنا يظهر أننا أمام معضلة تحتاج تنظيرا وتحليلا طويلا، وتحتاج اشتباكًا على عدّة مستويات مع المجتمع، والذي يجعل الأمر أصعب أنّ هذا الصراع لا يدور في قرية من قرى الفايكنغ النائية، بل وسط محيط عربيّ إسلاميّ له نفوذ كبير في بلادنا، وللأمريكيّ والأوروبيّ والصهيونيّ نفوذ عليه.

إن رؤية ما يحدث اليوم، وافتقاد ما لا يحدث ممّا يجب أن يحدث، لهو السبيل إلى إدراك أنّ من كان يتشكّك في طريقة عمل الربيع العربيّ لم يكن شبّيحًا أو سحّيجًا أو غير ذلك من أوصاف، بقدر ما كان واعيًا إلى سؤال اليوم التالي الذي نواجهه اليوم ولم نعدّ له عدّته مطلقا بحجّة ألّا صوت يعلو فوق صوت المعركة، فمن المضحك أن يكون هو عنوان اللقاءات والتحليل فيما يخصّ المعركة الوجوديّة التي إذا كان لمعركة أن تكون هي الأعلى صوتًا فهي هذه!