القبليّة السياسيّة ومشكلة الخطاب | عن سوريّا 2025

خلال أكثر من سنة كانت سوريا تتعرّض للقصف الصهيونيّ الموضعيّ المتكرّر، وكانت تمارس ما سمّاه بعض الإعلاميين “الصبر الاستراتيجي”، ويمكن تسميته الصمت بدلا من الصبر، لدرجة أنّ شخصا متابعا للأخبار قد لا يعرف اسم وزير الخارجية السوريّ الحالي بسّام الصبّاغ أو شكله، لقلّة التصريحات المرتبطة بالأحداث المشتعلة، أو بالحصار المستمرّ، أو حتى بالماضي القريب الذي كان لا يمكن تجاوز بعض آثاره دون خطاب مركزيّ للدولة السوريّة هو جزء من مهامه ومن مهام وزير الإعلام زياد غصن. فهل ظاهرة الركون إلى ولاء المجموعة أو الجمهور الداعم دون الحاجة إلى مخاطبة عقله مقتصرة على سوريّا؟

نرى أنّ خطاب حزب الله اللبناني تراجع كثيرا بعد استشهاد السيد حسن نصر الله، وكان في الأصل أقلّ تطرّقًا إلى سوريّا من ذي قبل خلال الحرب الأخيرة التي لم تتوقف حتّى الآن، وكذلك فإنّ خطاب حماس منذ السابع من أكتوبر لم يركّز كفاية على الدوافع الكامنة وراء السابع من أكتوبر، ولم يوضّح للجماهير أن قرار السابع من أكتوبر كان قرار منتجع لا مختار، أي أنه كان قرارا لا يمكن تجنّبه مع وجود معلومات استخباريّة مؤكّدة حول موعد حرب شعواء “قاصمة” مقررة سلفًا ستطال غزّة ولبنان، مما جعل تأييد العمليّة العسكريّة والدفاع عنها أبطأ بكثير مما لو كانت صحبت بمبرّراتها المنطقيّة.

قد تقول: “هذا أمر طبيعيّ، فلا يجب أن تعطي العدوّ معلومات بالمجّان!” لكن كلامك هذا سيكون حينها غير دقيق، فليس في تبرير شيء للجماهير معلومة واحدة لا تكون مكشوفة استخباريًّا بمجرّد رصد الفعل نفسه. الحقيقة المرّة أنّ الخطاب في بنيته نفسها ومهما كان مصدره أو منتهاه موجّه للموالين المخلصين، فهو لا يعبأ إلا بإصدار التوجيهات وشحذ الهمم، هذا إن رأيناه من الأصل.

هذا العوَق بني أساسًا على وضع سياسيّ مختلّ في أصله، متعلّق بفكرة القبَليّة السياسيّة، فنحن وإن كنّا غادرنا بنية القبيلة المؤسسة على النسب إلى بنية المدينة، فنحن لم نغادر الصيغة القبَليّة في السياسة، وهي وإن كانت حاضرة في السياسة عالميّا، حتى في دول مثل الويلات المتّحدة التي لديها قبيلتان سياسيّتان: النخب الساحليّة، والريف الوسطي، وفي غيرها مثل الصين والهند… إلخ، تظلّ مصحوبة بخطاب تبريريّ تعليميّ لا يفارقها. أمّا في حالتنا نحن فالخطاب أوشك على أن ينفصل تماما عن الواقع.

لنتخيّل وضعا فيه خطاب حقيقيّ يتقصّد أن ينقل القبليّة من ولاء لمجموعة إلى ولاء لأفكار أو برامج، فهل كانت حماس ستقصّر في ذكر الدور السوريّ في التسليح والتدريب ورعاية المقاومة؟ أو هل كان حزب الله سيقصّر في توضيح أهمّيّة سوريّا لمحور المقاومة ويركّز على إيران التي لا تستطيع تنفيذ عشر مما ساهمت به لولا سوريّا؟ أو هل كانت سوريّا ستصمت هذا الصمت الفادح أمام الجماهير العربية التي أيّدتها أو حتّى حاربتها بعد أن تكشّف أنّ كثيرًا من خصومها كانوا إرهابيّين موالين للصهاينة مموّلين من الويلات المتّحدة ومن تركيّا والكيان؟

هنا علينا أن ننتبه إلى حسنات واضحة في دول لا يعجبنا خطّها السياسيّ، فالأردنّ رغم كل الارتباك الذي تعيشه لم تقصّر في مخاطبة الناس، مع أنّ خطابها متضارب، وهذا التضارب له أسباب متعلّقة بارتباك سياسيّ آت من وضع مربك حقًّا، ولم تقصّر السعوديّة في إنشاء خطاب واضح حول ما يقبل وما لا يقبل، ولم تتكتّم القيادة السعوديّة على دورها في دعم التطرّف الدينيّ ليكون سدًّا في وجه صعود المدّ القوميّ واليساريّ في العالم.

ولننتبه إلى أنّنا نعيش في عصر يسمّى إعلاميًّا وفلسفيًّا باسم معبّر عن حقيقته وهو “عصر ما بعد الحقيقة”، أي العصر الذي ارتفعت خلاله أهمّيّة الخطاب والإعلام والصورة المكوّنة في الأذهان، لتكون أعلى وأهمّ من الواقع نفسه والحقيقة نفسها! بمعنى أنّه كان علينا أن نصرف من جهدنا حظّا عظيما إلى التصدّي للأداة الإعلاميّة الاستعمارية الأخطر وهي قناة الجزيرة، وأن نرفض اغتسالها بالدم الفلسطيني في غزّة، وإعادة نفسها إلى الواجهة بعد أن تصدّعت مصداقيّتها خلال عقد الربيع الصهيونيّ المسمّى “ربيعًا عربيًّا” الذي كان له نتائج فادحة على الدول العربية والقضية الفلسطينيّة، وأن نرفض مخلّفات الطائفيّة التي تركتها في العقول والقلوب، فكان ممكنًا بسبب الصمت القاتل من الدولة في سوريا ومن محور المقاومة حول دور سوريّا الحقيقي أن يؤيّد كثير من الناس المقاومة في فلسطين أو حتى لبنان وأن يكونوا في الوقت نفسه ضدّ الدولة السوريّة.

اليوم الخطر عظيم، فبعد إملاءات نتنياهو الصريحة للجماعات المسلّحة ذات الولاء الصهيوني الذي يتقنّع بالمذهبيّة بأن تتحرّك انتقامًا من الرئيس الأسد، وتهديده الصريح لسوريا مع إعلان وقف إطلاق النار الذي شدّد على كونه مؤقتًا مع لبنان، بات أكثر من واضح أنّ حليفته تركيّا تنفّذ له خدمة جليلة بدعمها للجماعات المسلّحة التي يصنّف كثير منها بكونه إرهابيًّا لقطع خطوط الإمداد عن حزب الله، من أجل إعادة استئناف الحرب على لبنان بصورة أشدّ مشابهة لما حدث وما يزال يحدث في غزّة.

والأنكى من ذلك كله أنّ الأمر لم يعد مقتصرا على وجود المقاومة أو القدرة على لجم الصهيونيّ، بل تعدّى ذلك إلى تهديد البلاد المحيطة تهديدًا حقيقيًّا، فالأردنّ في خطر عظيم إذا تمكّنت تلك الجماعات التي منحتها الويلات المتّحدة مهلة أشهر من أجل حذفها عن لوائح الإرهاب من السيطرة على الأرض السورية فعلا، وكذلك العراق والسعودية وبالتأكيد لبنان الذي سيواجه فكّي كمّاشة من الجماعات والكيان.

ولا بدّ أن نتذكّر أنّ وجودنا في عصر ما بعد الحقيقة، لا يلغي أهمّية الحقيقة، وأنّ الوضع على الأرض قد يكون أفضل ممّا يصوّر الإعلام، من يدري! فالفيديوهات من الممكن تزييفها أو وضعها في سياق يكسبها أثرا مضاعفا في النفوس. وعلى ذلك، فإنّ الشعب السوريّ في النهاية له إرادته التي سيعبّر عنها رغم أنف الجزيرة، سواءً أكان مواليًا للسلطة السوريّة أم لا، ويعرف أنّه سيكون في يوم قريب أو بعيد في مواجهة مباشرة مع الكيان الصهيونيّ لا سيما مع تحشيدات الكيان في الجولان، وهو قد قال كلمته سابقًا برفض الإرهابيين من قرغيز وأوزبك وسوريين وأتراك احتلّوا أرضه وقتلوا أبناءه، كما عبّر جزء منهم عن رفضه لصلافة النظام الحاكم، فلن يدوم الحال على ما هو عليه اليوم، لكنّ الإعلام لم يخرج أسلحته كلّها في هذه المعركة بعد، وأمامنا الكثير.