الليبرالية، تلك العقيدة التي تتباهى بأنها حاملة مشعل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ليست في حقيقتها سوى قناع جميل لوجه قبيح. وكما هو الحال مع الترجمات المضللة التي تشوه المعنى الأصلي للكلمات، فإن الترجمة الحقيقية لممارسات الليبرالية على أرض الواقع تكشف عن طبيعتها الحقيقية: عقيدة موت تلتهم كل ما يقف في طريقها.
في هذا المقال المطول، سنكشف القناع عن هذه العقيدة القاتلة، ونتتبع مسارها الدموي من لحظة ولادتها في رحم الاستعمار الأوروبي، مروراً بتحالفها المشبوه مع الفاشية، وصولاً إلى صورتها المعاصرة كنظام عالمي يقود البشرية إلى حافة الهاوية.
لفهم هذه العقيدة القاتلة، نحتاج أن نسير في ثلاثة مسارات:
- جذورها التاريخية وأسسها الفكرية المبنية على العنصرية والاستعلاء
- تحالفها التاريخي مع الفاشية عندما واجهت تهديداً حقيقياً لمصالحها
- تطورها في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية كنظام استعماري جديد
الجذور التاريخية والأسس الفكرية
يتحدث الليبراليون اليوم بتعالٍ عن قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، كما لو أنهم ورثة شرعيون لتراث إنساني نبيل. لكن الحقيقة المرة، التي يحاولون إخفاءها بكل ما أوتوا من قوة، هي أن الليبرالية ولدت من رحم العنصرية والاستعمار، وترعرعت على دماء الشعوب المستعبدة، وما زالت حتى يومنا هذا تمارس نفس الدور القاتل، وإن بأدوات جديدة وشعارات براقة.
البداية: اختراع العنصرية
قبل عصر الاستعمار، لم يكن مفهوم “العِرق” بالمعنى الحديث موجوداً. كانت المجتمعات البشرية تميز نفسها عن غيرها على أساس الثقافة أو الدين أو الانتماء القَبَلي، لكن فكرة التصنيف البيولوجي للبشر وترتيبهم في سلم تطوري لم تكن قد ولدت بعد.
كان لا بد للمستعمر الأوروبي، وهو يغزو العالم بدءاً من عام 1492، أن يخترع تبريراً “علمياً” لوحشيته. وهكذا ولدت العنصرية العلمية، التي تزعم أن الأوروبيين – يا للمصادفة! – هم العرق الأسمى والأكثر تطوراً. هذه النظرية لم تكن مجرد أفكار عنصرية عابرة، بل كانت، وما زالت، الأساس الفكري الذي تقوم عليه الليبرالية بكل ادعاءاتها عن المساواة والحرية.
جون لوك: النفاق المؤسس
من المضحك المبكي أن يُسمى جون لوك “أبو الليبرالية” و”فيلسوف الحرية”. هذا الرجل، الذي كتب عن الحقوق الطبيعية للإنسان وحرية الفرد، كان مستثمراً في تجارة العبيد من خلال شركة أفريقيا الملكية. وبينما كان يندد بالاستبداد السياسي في أوروبا، كان يبرر استعباد الأفارقة واستعمار أراضي السكان الأصليين في الأمريكتين.
نظرية لوك عن الأراضي “الشاغرة” كانت – وما زالت – من أخطر الأفكار في التاريخ البشري. فهو يرى أن الأرض التي لا تُستغل وفق النموذج الرأسمالي الأوروبي هي أرض “شاغرة”، حتى لو كان يسكنها ملايين البشر منذ آلاف السنين. وبهذه الحجة “العقلانية”، برر لوك ومن جاء بعده إبادة السكان الأصليين ومصادرة أراضيهم في كل مكان.
العقلانية الزائفة
كان عصر “التنوير” في أوروبا، الذي يتباهى به الليبراليون، عصراً مظلماً بالنسبة لبقية العالم. ففي الوقت الذي كان فيه الفلاسفة الأوروبيون يتحدثون عن العقل والحرية والتقدم، كانت جيوش بلدانهم تنهب وتقتل وتستعبد في كل القارات.
هوغو غروتيوس، الذي يسمونه “أبو القانون الدولي”، وضع إطاراً قانونياً برر فيه العبودية والإبادة الجماعية في الأمريكتين. وجون ستيوارت ميل، أحد أهم المنظرين الليبراليين، رأى أن الاستبداد هو شكل شرعي من أشكال الحكم عندما يتعلق الأمر بـ”البرابرة” – أي كل من ليس أوروبياً أبيض.
الإمبراطورية البريطانية: النموذج والمثال
قدمت بريطانيا، التي تفخر بأنها مهد الليبرالية، النموذج الأكمل للوحشية المغلفة بالشعارات النبيلة. في الهند، دمرت صناعة النسيج المحلية لصالح مصانع مانشستر، وفرضت سياسات أدت إلى مجاعة البنغال العظمى التي قتلت عشرة ملايين إنسان – أي ما يعادل 1.5% من سكان العالم آنذاك.
وفي الصين، شنت حروب الأفيون لإجبار الإمبراطورية الصينية على فتح أسواقها للمخدرات البريطانية. كانت هذه الحروب، التي يسميها الصينيون “قرن الإذلال”، نموذجاً مبكراً لما يسمونه اليوم “التجارة الحرة” – وهي في الحقيقة ليست حرة ولا تجارة، بل إجبار الشعوب على قبول الاستغلال تحت تهديد السلاح.
العلم في خدمة العنصرية
مع نهاية القرن التاسع عشر، تطور الفكر الليبرالي ليتبنى ما سمي بـ”العنصرية العلمية”. هذه النظرية، التي تزعم أن العلم يثبت تفوق العرق الأوروبي، لم تكن مجرد هراء علمي، بل كانت أداة سياسية لتبرير الاستعمار والإبادة.
المثير للسخرية أن نفس الأوروبيين الذين اخترعوا هذه النظريات العنصرية، كانوا قد تقاتلوا فيما بينهم في حربين عالميتين مدمرتين خلال القرن العشرين. ومع ذلك، ما زالوا يرون أنفسهم “ناضجين” بما يكفي لقيادة العالم وتعليم الآخرين معنى “الحضارة”.
الليبرالية عقيدة الموت – الجزء الثاني: التحالف المشبوه مع الفاشية
الأزمة الكبرى وسقوط القناع
عندما واجهت الليبرالية أزماتها الكبرى في القرن العشرين – الحرب العالمية الأولى، والكساد العظيم، والحرب العالمية الثانية – سقط القناع “الإنساني” عن وجهها القبيح. في تلك اللحظات الحاسمة، كشفت الليبرالية عن حقيقتها بتحالفها مع أبشع قوى الظلام والعنصرية: الفاشية.
جمهورية فايمار: نموذج الفشل الليبرالي
كانت جمهورية فايمار في ألمانيا، تلك “الديمقراطية الليبرالية” المزعومة التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى، على حافة الانهيار السياسي. معاهدة فرساي أثقلت كاهل البلاد بتعويضات حرب باهظة، واليسار القوي كان يهدد مصالح الطبقة الرأسمالية. وكما هو متوقع من الليبراليين، لم يكن لديهم أي حلول حقيقية سوى خدمة مصالح الطبقة المسيطرة.
عندما ضرب الكساد العظيم العالم، وعجزت جمهورية فايمار عن معالجة الانهيار الاقتصادي، تآكلت ثقة الجمهور بالديمقراطية الليبرالية. البطالة ارتفعت، والطبقة الوسطى وجدت نفسها معدمة وخائبة الأمل. هذا الاضطراب الاقتصادي والاجتماعي استغله هتلر والنازيون لكسب التأييد وشيطنة أعدائهم.
الرأسمال يختار هتلر
لكن صعود هتلر إلى السلطة لم يكن نتيجة دعم شعبي واسع. بل كان نتيجة مباشرة لدعم النخب المحافظة والقومية التي رأت فيه درعاً ضد الاشتراكية وأداة لاستعادة النظام. الصناعيون الألمان، الذين استفادوا من السياسات الاقتصادية الليبرالية في عشرينيات القرن العشرين، رأوا في هتلر وسيلة لحماية مصالحهم وصد “خطر الشيوعية”.
العلاقة بين رجال الأعمال الألمان والنظام النازي كانت مؤشراً واضحاً على مدى سرعة تحول ولاء الليبراليين نحو رأس المال. شركة “آي جي فاربن” الكيميائية، التي أصبحت متورطة بعمق في خطط النظام لإعادة التسلح وإبادة “غير المرغوب فيهم”، أصبحت واحدة من أكبر الشركات الخاصة في العالم.
التواطؤ عبر الأطلسي
لم يقتصر تعاون الشركات مع النازيين على الشركات المحلية. امتد هذا التعاون عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة، حيث يقع مقر شركة IBM. هذه الشركة أنتجت التكنولوجيا التي استخدمت لإدارة اللوجستيات وتسهيل المحرقة. آلاتهم كانت ضرورية لقدرة النازيين على معالجة كميات هائلة من البيانات، بما في ذلك تتبع اليهود والمجموعات المستهدفة الأخرى للإبادة.
موسوليني: المثال الأول
في إيطاليا ما بعد الحرب العالمية الأولى، كانت الملكية الدستورية الليبرالية عاجزة تماماً عن معالجة الأزمة الاقتصادية والغضب المتزايد بين الطبقة العاملة. وكما هو متوقع، اعتمدت الدولة الإيطالية بشكل متزايد على الجيش الإيطالي والجماعات شبه العسكرية مثل “القمصان السوداء” الفاشية بقيادة موسوليني للحفاظ على النظام.
عندما زحف موسوليني على روما في عام 1922، كان انقلابه الأقل درامية في التاريخ، وذلك جزئياً لأن النظام الليبرالي كان قد فقد تماماً إرادة الحكم بشكل فعال. الملك فيكتور عمانويل الثالث، تحت ضغط من النخب الليبرالية، خشي ثورة اشتراكية أكثر من انقلاب فاشي، فسلم السلطة لموسوليني، مشرعناً الفاشية على المسرح العالمي مرة أخرى في إطار الليبرالية.
المثقفون الليبراليون: خيانة القيم
حتى المثقفون والنخب الثقافية في ألمانيا النازية لعبوا دوراً محورياً في إضفاء الشرعية على تدمير النظام النازي لمؤسسات فايمار الديمقراطية في أعين الجمهور. كارل شميت، على سبيل المثال، كان منتقداً لحكومة فايمار وقدم الإطار الأيديولوجي والتبرير لتفكيك مؤسسات فايمار الديمقراطية الليبرالية، مؤكداً على الحاجة إلى سلطة مركزية قوية.
في إيطاليا أيضاً، تحول المفكر الليبرالي جيوفاني جنتيلي إلى أحد أبرز الحلفاء الفكريين لموسوليني، وقدم رؤية للدولة كانت في تعارض مباشر مع الأفكار الليبرالية عن حقوق الفرد وحرية الصحافة. حتى الفنون والثقافة خانت قيمها الليبرالية الثمينة في كل من إيطاليا وألمانيا.
الدرس المستمر
هذا التحالف المشبوه بين الليبرالية والفاشية لم يكن مجرد حادث تاريخي عابر. بل كان، وما يزال، تعبيراً عن الحقيقة العميقة للفكر الليبرالي: عندما تواجه الليبرالية خياراً بين الديمقراطية الحقيقية والحفاظ على مصالح رأس المال، فإنها تختار دائماً، وبلا تردد، الخيار الثاني. وإذا تطلب الأمر التحالف مع الفاشية، فليكن.
الولايات المتحدة: الوريث الجديد
بعد الحرب العالمية الثانية، ورثت الولايات المتحدة عباءة الإمبريالية الليبرالية من أوروبا المنهكة. وكما فعل أسلافها الأوروبيون، غلّفت عدوانها بشعارات “الحرية” و”الديمقراطية”. في الفلبين، زعمت أنها جاءت لتحرير البلاد من الحكم الإسباني، فقط لتفرض نظامها الاستعماري الخاص. وفي الحرب الفلبينية-الأمريكية التي تلت ذلك، قتلت القوات الأمريكية مئات الآلاف من الفلبينيين باسم “نشر الديمقراطية والحضارة”.
الحرب الباردة: قناع جديد للقتل القديم
خلال الحرب الباردة، دعمت الولايات المتحدة عشرات الأنظمة الاستبدادية حول العالم تحت ذريعة “احتواء الشيوعية”. من أمريكا اللاتينية إلى جنوب شرق آسيا، كانت الديمقراطية مسموحة فقط عندما تصوّت الشعوب “بشكل صحيح” – أي لصالح مصالح وول ستريت.
في غواتيمالا، أدى الانقلاب الذي دعمته الولايات المتحدة عام 1954 إلى عقود من الحرب الأهلية والقمع، مع مقتل عشرات الآلاف من المدنيين. وفي إندونيسيا، دعمت الولايات المتحدة الديكتاتورية العسكرية لسوهارتو المسؤولة عن مقتل ما يصل إلى مليون شخص.
المؤسسات المالية: أدوات القتل الناعم
لكن الوجه الأكثر دهاءً للإمبريالية الليبرالية الجديدة تمثل في المؤسسات المالية الدولية. صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، هذان التوأمان الشريران، يفرضان ما يسمى “برامج التكيف الهيكلي” على الدول المستضعفة المحتاجة للمساعدة.
في الأرجنتين، أدى تبني برامج التكيف الهيكلي إلى فقر واسع النطاق وبطالة واضطرابات اجتماعية مع تقليص الخدمات العامة وخصخصة الصناعات وفتح الاقتصاد للنهب الأجنبي. وفي جامايكا، أدى تنفيذ هذه البرامج إلى انهيار الصناعات المحلية وزيادة البطالة وارتفاع معدلات الفقر مع إجبار البلاد على فتح أسواقها للواردات الرخيصة من الولايات المتحدة وأوروبا.
أفريقيا: استمرار النهب
كان تأثير هذه السياسات النيوليبرالية على أفريقيا كارثياً بشكل خاص. الدول حديثة الاستقلال أُجبرت على فتح اقتصاداتها للشركات الأجنبية، التي سارعت إلى نهب موارد القارة وكتابة سياساتها الاقتصادية لصالح المستعمرين السابقين.
في زامبيا، أدت خصخصة مناجم النحاس – المصدر الرئيسي للإيرادات الوطنية – إلى فقدان هائل للوظائف وتراجع في الخدمات الاجتماعية مع نهب الشركات الأجنبية للأرباح. إرث هذه السياسات ما زال واضحاً اليوم، حيث تكافح العديد من البلدان الأفريقية مع الديون المصطنعة وعدم الاستقرار الاقتصادي والتخلف المفروض عليها.
العدالة الانتقائية
المحكمة الجنائية الدولية، التي أُنشئت ظاهرياً لمحاسبة القادة على جرائم الحرب والفظائع، استهدفت بشكل غير متناسب القادة الأفارقة والدول غير المتحالفة مع الغرب، بينما أفلت القادة الغربيون وحلفاؤهم المميزون من أي محاسبة على جرائم مماثلة.
قضية الرئيس السوداني عمر البشير، الذي اتهمته المحكمة بجرائم في دارفور، هي مثال مثالي لهذا التفاوت. فبينما تمت محاسبة البشير على أفعاله، تم تجاهل جرائم أسوأ بكثير ارتكبها قادة مدعومون من الغرب مثل يوري موسيفيني في أوغندا وبول كاغامي في رواندا.
الإعلام: البوق الكاذب
الإعلام الليبرالي، بدلاً من أن يكون “السلطة الرابعة” التي تحاسب القوى المهيمنة، أصبح بوقاً دعائياً يبرر جرائمها. خلال التمهيد لغزو العراق عام 2003، روجت وسائل الإعلام الأمريكية لتبريرات إدارة بوش للغزو غير المبرر، بينما قللت بشكل كبير من التهديدات التي يتعرض لها المدنيون الأبرياء.
الكارثة البيئية: النتيجة الحتمية
لكن الجريمة الأكبر للنظام الليبرالي هي تدميره المنهجي للبيئة. النظام الرأسمالي، المدفوع بهوس النمو اللامتناهي، يدمر النظم البيئية ويلوث الهواء والماء ويساهم في تغير المناخ الكارثي. الدول الفقيرة تعاني أكثر من غيرها من هذه التداعيات، رغم أنها الأقل مساهمة في المشكلة.
في الولايات المتحدة، أدى ازدهار التكسير الهيدروليكي إلى تلوث المياه الجوفية وحدوث زلازل في ولايات مثل أوكلاهوما وتكساس. وفي أوروبا، تتجاوز مدن مثل لندن وباريس بانتظام المستويات الآمنة لتلوث الهواء بسبب إدمان الغرب على النفط ومصادر الطاقة الرخيصة.
الأزمة في قلب النظام
ها هي الليبرالية، التي طالما تباهت بقدرتها على خلق “أفضل العوالم الممكنة”، تواجه اليوم أزمة وجودية في معقلها. في الولايات المتحدة نفسها، حيث يفترض أن الليبرالية في أوج ازدهارها، نرى:
- طبقة وسطى تتآكل بسرعة مخيفة
- نظام رعاية صحية فاشل يترك الملايين بلا علاج
- أزمة إسكان خانقة تجعل شراء منزل حلماً بعيد المنال للشباب
- ديون طلابية تكبل جيلاً كاملاً
- بنية تحتية متهالكة تشبه دول العالم الثالث
أزمة 2008 المالية كانت نقطة تحول رئيسية في تدهور الولايات المتحدة. كشفت عن هشاشة اقتصاد قائم على الأوهام والمضاربات. ملايين الأمريكيين فقدوا منازلهم ووظائفهم، بينما تم إنقاذ المصارف بأموال دافعي الضرائب. هذه المفارقة الصارخة – خسارة الفقراء وربح الأغنياء – هي جوهر النظام الليبرالي.
أوروبا: الحصن المتداعي
في أوروبا، “مهد الليبرالية”، الوضع ليس أفضل حالاً. اليونان، التي كانت يوماً مهد الديمقراطية، أصبحت مختبراً للسياسات النيوليبرالية القاتلة:
- الدين العام ارتفع من 62% من الناتج المحلي الإجمالي في 2006 إلى 108% في 2012
- بطالة الشباب وصلت إلى 26%
- بيع الأصول العامة بأبخس الأثمان للمستثمرين الأجانب
- تدمير منهجي للخدمات العامة
البرتغال، إيرلندا، إسبانيا… كلها واجهت نفس المصير. فقاعة الإسكان في إسبانيا أدت إلى ارتفاع أسعار العقارات بنسبة 115% بين 1997 و2007، مما دفع البطالة من 8% إلى 25% خلال ثلاث سنوات.
العالم الثالث: مختبر التجارب القاتلة
أمريكا اللاتينية كانت – وما زالت – ملعباً للشركات متعددة الجنسيات. وادي بارايبا في البرازيل، الغني بالحديد، أصبح ساحة معركة أُطيح فيها برئيسين قبل أن تسلم ديكتاتورية عسكرية السيطرة على موارد المنطقة للشركات الأجنبية.
في فنزويلا، أمّن الجيش الأمريكي أرباح عمالقة النفط مثل ستاندرد أويل وغالف من خلال “تأمين” احتياطيات النفط الهائلة في البلاد. وبما أن كل الأرباح تتدفق إلى المستثمرين الأجانب، فقدت هذه البلدان فعلياً سيادتها وحقها في تقرير المصير.
البيئة: الضحية الأكبر
التغير المناخي ليس مجرد أزمة بيئية – إنه نتيجة حتمية لنظام اقتصادي مجنون يسعى للنمو اللامتناهي في كوكب محدود الموارد. لكن الأسوأ من ذلك هو الطريقة التي يتعامل بها النظام الليبرالي مع هذه الأزمة:
- يواصل دعم صناعات الوقود الأحفوري
- يقاوم أي محاولات جادة للحد من الانبعاثات
- يحوّل عبء التكيف مع تغير المناخ إلى الدول الفقيرة
- يحول الأزمة البيئية نفسها إلى فرصة للربح من خلال “الرأسمالية الخضراء”
صعود اليمين المتطرف: التاريخ يعيد نفسه
مع تعمق أزمة النظام الليبرالي، نشهد نفس النمط الذي رأيناه في ثلاثينيات القرن الماضي:
- صعود القوى اليمينية المتطرفة
- عودة الخطاب العنصري إلى الواجهة
- تحالف الليبراليين مع اليمين المتطرف ضد أي بديل يساري
- استخدام “خطر المهاجرين” كبعبع لتخويف الطبقة الوسطى
النهاية المحتومة؟
الليبرالية اليوم تواجه أزمة وجودية لم يسبق لها مثيل. لكن المشكلة الحقيقية ليست في انهيار النظام الليبرالي – بل في قدرته على جر العالم كله معه إلى الهاوية. نحن أمام خيارين لا ثالث لهما:
- إما الاستمرار في نظام يقودنا حتماً إلى الكارثة
- أو البحث عن بديل إنساني حقيقي يضع الحياة، لا الربح، في المركز
الليبرالية ليست قدراً محتوماً. هي نظام من صنع البشر، ويمكن للبشر تغييره. لكن الوقت ينفد، والخيارات تضيق. إما أن نتحرك الآن، أو نواجه مصيراً لا يمكن تصوره.
