ليس من قبيل المصادفة أن تجد الشعوب المستعمَرة نفسها دائماً في موقف المدافع عن صورتها أمام مستعمِرها السابق. وليس غريباً أن نجد أنفسنا نحن في الجنوب العالمي نكرر الصور النمطية التي يصدّرها الغرب عن خصومه، رغم أننا نحن أنفسنا ضحايا لهذا التشويه المنهجي. فكيف نصدّق الكذبة ذاتها التي نعرف زيفها حين تُقال عنّا؟
في تشويه الصورة
حين يصوّر الإعلام الغربي المهيمن قادة دول الجنوب العالمي على أنهم مجانين ومهووسون، فإنه يمارس نمطاً قديماً من أنماط الاستعلاء الكولونيالي. وللأسف، ينطلي هذا على كثير منّا، رغم أننا نعرف جيداً كيف يكذب هذا الإعلام نفسه حين يتحدث عنّا وعن قضايانا.
لنأخذ مثلاً صورة النظام الصيني في مخيالنا العربي. هل هي صورة دقيقة؟ وماذا عن صورة كوريا الشمالية، أو الصورة التي كانت سائدة عن الاتحاد السوفييتي؟ ألا تشبه تماماً الصورة التي رسمها الغرب للنظام الليبي أيام القذافي، أو تلك التي ما زال يصدّرها عن إيران أو سوريا؟
الصهيونية: ابنة البروتستانتية الشرعية
إنّ من يقرأ تراث مارتن لوثر في نسختيه – شاباً ومسنّاً – يدرك بوضوح أن الصهيونية في جوهرها فكرة بروتستانتية أكثر من كونها فكرة يهودية. بل إن المفارقة التاريخية تكمن في أن المؤتمر الصهيوني الأول عُقد برعاية سياسيين كانوا في الأصل كارهين لليهود الغربيين، لكنهم قرروا “حلّ المسألة اليهودية” عبر التخلص منهم بإنشاء الكيان الصهيوني.
والشواهد على عنصرية داعمي هذا المشروع كثيرة، من نابليون إلى بلفور، ومن هتلر إلى تشرشل، وصولاً إلى ترامب. إنه حلم بروتستانتي، أو بالأحرى حلم صهيوني مسيحي، يسعى لحرق المراحل من أجل تحقيق تفسير خاطئ للنصوص الدينية حول عودة المسيح.
في استحالة الوساطة
من هنا، يبدو التعامل مع الغرب بصفته وسيطاً أو حليفاً أو خصماً يمكن التفاهم معه وهماً لا يمكن أن ينطلي على من يمتلك حداً أدنى من الذكاء – وهو حد يتجاوز بكثير معدل ذكاء حكام التطبيع التطوعي في الخليج.
وفي مواجهة هذا الواقع، نجد مدرستين رئيستين لدى الأقوام الأخرى في التعامل مع الغرب:
- المدرسة الصينية والكورية الشمالية: تتبنى الانفصال التام
- المدرسة الروسية: تتعامل مع الغرب كمريض نفسي تحاول علاجه
تشويش منهجي
لكن الغرب يواصل التشويش على الجميع عبر أنظمته وقادته الفكريين، خاصة في ألمانيا والولايات المتحدة. ومع تطور وسائل هذا التشويش – من الكذب المنهجي المنظم إلى السيطرة على خوارزميات وسائل التواصل، وصولاً إلى ما بدأ الناس يلاحظونه من تحيّز واضح في الذكاء الاصطناعي بسبب قيوده ونوع المواد التي يتدرب عليها – يصبح التعامل مع الغرب بحد ذاته إشكالياً بشكل متزايد.
العرب والغرب: علاقة معقدة
في الحقيقة، نحن العرب، إلى جانب الروس، أكثر الأقوام احتكاكاً حضارياً بالغرب. بل إننا أكثر الأقوام تأثيراً فيه منذ الأساطير اليونانية التي بدأت مع قدموس الفينيقي، مروراً بالديانات التي نبعت كلها من منطقتنا، ثم عادت إلينا على شكل أدوات غزو واحتلال.
خيارات الجنوب العالمي
في النهاية، يبدو أن أمام الأقوام في الجنوب العالمي خيارين لا ثالث لهما:
- دور الطبيب المعالج (النموذج الروسي)
- القطيعة التامة (النموذج الصيني-الكوري)
فالعلاقة مع الغرب علاقة سامّة، لا يمكن أن تستمر على ما هي عليه. وكل محاولة للتعامل معها خارج هذين الإطارين هي ضرب من العبث الذي لا طائل من ورائه.
