إنّ هذا المقال ينطلق من افتراضات محددة نحو هدفه، والهدف هو إعطاء المجتمع العربيّ من مؤيّدي المقاومة صندوق العدّة المناسبة لفهم ما وراء هذه المنشورات والتغريدات والتقارير المفاجئة جدًّا التي بدأت بالبروز مؤخّرًا، فقبل ذلك كان الإعلام العميل متخبّطًا قليلا ويسعى للحفاظ على جمهوره، لكنه اليوم خلع كلّ ثوب للحياء وجعل يكشف سوءاته بكلّ فخر.
افتراضات
أمّا عن الافتراضات، فالمقال يفترض أنّ القارئ ليس جاهلا بتاريخ “الربيع العربيّ”، وأنّه يعلم أنّ كلّ ما حدث يمكن عزوه بصورة واضحة لإدارة أوباما إذ بدأته بخطاب 2009 الذي ألقاه الرئيس الأمريكي أوباما في القاهرة، موجّهًا كلامه لكل الشعوب العربية والإسلامية، وضمّنه رسائل الرغبة في إعادة تشكيل العلاقة مع الجماعات الإسلامية وأظهر مرونة أمريكا تحت إدارته، وأكّد على أهمّية الشفافية وعدم التسامح مع الدكتاتورية مؤكّدًا مرّة أخرى على أنّه لن ينزع يده من التحالف مع الدول التي يراها معبّرة عن إرادة شعوبها، وهنا ربّما قصد المشيخات حصرا.
قبل هذا الخطاب بسنة أي في 2008 كانت المخابرات الغربية تمدّ يدها عميقا وتهرّب السلاح إلى الدول التي يتوقّعون فيها مقاومة شرسة من الشعوب، لا سيّما سوريّا وليبيا، وتجهّز عملاءها لساعة الصفر، ثمّ استخدمت الاستراتيجية التي وضّحها أوباما لاحقا في ندوة أمام مجلس الأمن السيبراني ناسبًا إيّاها لبوتين، مع أنّها هي استراتيجيته هو قبل بوتين: “علينا أن نضخ ما يكفي من المياه الإعلامية العادمة في كل زاوية من زوايا البلد، ونغمرهم باتّهامات قياداتهم، حتّى لا يعرف الناس أي أمل بالحقيقة” والرواية هنا على المعنى، وتجدها في نهاية الفيديو الذي أرفقه لك هنا.
في الفيديو أيضا قصّة الربيع العربي بصورة عامّة، حتّى لا يختلط الأمر على أبناء الأجيال الجديدة. وقد دعمت دعاة الربيع العربي بالتدريب الإعلامي والتدريب اللوجستيّ وتأمين الاتّصالات وحتّى أنّها دعمتهم بالمال كما اعترفت هيلاري كلنتون في مذكراتها بصورة واضحة، والهدف هو الجمهوريات العربية التي يمكنها أن تتأثر بميل شعوبها، فهي على أنها لم تكن تلبّي طموح الشعوب، فهي لم تكن تلبّي الطموح الأمريكي والصهيونيّ أيضًا على العكس من المشيخات التي استمرّ تسليحها ودعمها حتّى يومنا هذا رغم أنّها أكثر انتهاكًا لحقوق الشعوب.
كما يفترض المقال أنّ القارئ قادر على البحث، وأنّه يتمتّع بالمرونة الكافية ليسمع ما لا يسرّه ويبقى ينظر له بموضوعيّة، وهو ما لا أتوقّعه من قارئ طائفيّ، وأخيرا أفترض وجود حدّ أدنى من الثقافة السياسية والإعلامية، لكنّني سأشرح رغم ذلك كثيرا من هذا شرحًا وافيا.
تناقضات صارخة
يحضرني هنا مقولة تشيسترتون “التناقضات حقائق تقف على رأسها لتسترعي الانتباه”، فهذه التناقضات التي لدينا اليوم حقائق تناديني للنظر بتمعّن لفهم العدو الذي يعمل بيننا بأسماء تشبه أسماءنا، وخطاب يهتمّ بما يهمّنا، وبطريقة ونكهة تشبهنا أيضًا. وفي كل فقرة سأضع الفكرتين المتناقضتين اللتين علينا مواجهتهما للحصول على فهم أعمق.
1
الجزيرة تؤيّد المقاومة في حماس وتخيّل للناس أنّ العدو الصهيوني سيخسر بظرف ساعات أمام سواعد المقاومة التي تكيل لها المدائح، والمقاومة هنا مستحقّة للمدح فهي تدمي عدوًّا أكبر منها بآلاف المرّات، لكنّ مبالغات الدويري وتلميعه في الأصل يحتاج نظرا. وفي المقابل نجد الجزيرة تحمل خطابًا تحريضيًّا ضدّ المقاومة في لبنان فتسخر أحيانا من جبهة الإسناد أو تفتّ في عضد المقاومين الذين رغم أنّهم الطرف الأقل عديدا وتسليحا وتأييدا دوليا في صراعهم مع العدوّ، إلّا أنّهم أكبر بكثير من حماس.
2
العربية ووسائل الإعلام السعودية الأخرى تهاجم الطرح الإخوانيّ بشكل شرس وتستعين على ذلك بالخطاب الوهابي أو بما تبقّى منه من تكفير للإخوان وسوى ذلك، وفي الوقت نفسه تهاجم العربية كلّ قادة السلفيّة المسلّحة وتعدّهم إرهابيين، وهي في الوقت نفسه تراهم ثوارا ديموقراطيين في سوريا وليبيا، وتخوّف من المدّ الشيعيّ وتسخر من الأفكار الشيعية وفي الوقت نفسه تستضيف شخصا يدّعي أنّه شيعيّ ولكنّه صهيوني حتّى النخاع.
3
يصفّق الذباب الإلكتروني في توتر للمقاومة على قتلها لواء صهيونيًّا ينتمي للطائفة الدرزيّة، وفي الوقت نفسه يفترون على العميد عصام زهر الدين فيقولون: “لا بدّ أنّه ثمّة خلل في الطائفة الدرزية التي أنجبت مثل هذين المجرمين”. وفي الحقيقة العميد الشهيد عصام زهر الدين دافع عن بلده وجه التكفيريين المؤيّدين للصهاينة والذين كانوا يتعالجون في المشافي الصهيونية. وكان رجلا يمثّل بني معروف (وهذا هو اسم قبيلته في سوريا حيث لا يستخدم مصطلح دروز أصلا) وحسن بلائهم وهم مطلقو ثورة التحرير ضد الفرنساوي، وهم وطنيّون جدًّا. لاحظوا أيضا التمهيد الطائفي القذر الذي يعمل لصالح الصهاينة رغم أنّه يدّعي أنّه فرح بمقتل اللواء المجرم إحسان من جيش الأعداء.
4
هنا أمثلة عديدة أيضًا، فعندما تعلن إيران دعمها لغزّة وللجبهات المتعدّدة يقولون: إيران تجرّ المنطقة لحرب كبرى! وعندما تتعرّض إيران للقصف، يقولون: إيران لا تستطيع الردّ وهي جبانة وقد تخلّت عن المقاومة! وعندما تردّ إيران، يقولون: مسرحيّة. ويتظاهرون بتأييد حماس في غزّة ثمّ يهاجمون اليمن ويحوّلونه إلى مجرّد قبيلة “الحوثيين”، أو يهاجمون حزب الله ويذكّرون الناس بما يدّعون أنّه جرائم لحزب الله ضدّ “السنّة”، وحزب الله لم يدخل الحرب في سوريا إلا بعد أن رفعوا شعارات “المسيحية ع بيروت والعلوية ع التابوت”، وقتلوا السنة والشيعة وكل من لا يكون جزءًا من عصابتهم حتّى لو كان معارضا للدولة، وبعد أن تلقّوا الدعم الصريح من الصهاينة.
استراتيجيّتهم
إنّ استراتيجية الإعلام المعادي والذباب الإلكتروني تعتمد على عدة محاور رئيسية، تهدف جميعها إلى تشتيت الرأي العام وإضعاف الدعم الشعبي للمقاومة:
1. التناقض المتعمّد: يتعمدون نشر معلومات متناقضة لخلق حالة من الارتباك. فتراهم يمدحون المقاومة في سياق ويهاجمونها في آخر، مما يجعل المتابع في حيرة من أمره. هذا التناقض ليس عشوائيًا، بل هو مدروس لتفتيت الموقف الموحد للجمهور.
2. التضخيم والتهويل: يقومون بتضخيم أي خبر يخدم أجندتهم، حتى لو كان تافهًا. وفي المقابل، يقللون من شأن الإنجازات الحقيقية للمقاومة. هدفهم هو التلاعب بالمشاعر وخلق حالة من اليأس أو النشوة الزائفة.
3. الاستقطاب الطائفي: يستغلون الحساسيات الطائفية والعرقية لخلق شرخ في الصف الوطني. تراهم يثيرون النعرات الطائفية تارة، ويدّعون الحرص على الوحدة تارة أخرى، وكل ذلك بهدف تفتيت النسيج الاجتماعي.
4. التشكيك المستمر: يعملون على زرع بذور الشك في كل إنجاز أو موقف للمقاومة. إن نجحت المقاومة، قالوا إنها مسرحية. وإن صمتت، اتهموها بالخيانة. هدفهم هو تآكل الثقة بين الشعب وقوى المقاومة.
5. التلاعب بالمصطلحات: يستخدمون مصطلحات مضللة لتشويه الحقائق. فالمقاومة تصبح “ميليشيا”، والعدوان يصبح “عملية عسكرية”، والشهداء يصبحون “قتلى”. هذا التلاعب اللغوي يهدف لتغيير الإدراك العام للأحداث.
6. الإغراق المعلوماتي: يقومون بضخ كم هائل من المعلومات، معظمها غير دقيق أو مضلل، لإرهاق المتلقي وجعله غير قادر على التمييز بين الحقيقة والكذب. هذا ما أشار إليه أوباما في حديثه عن “المياه الإعلامية العادمة”.
7. استغلال العواطف: يركزون على القصص العاطفية والمؤثرة، حتى لو كانت ملفقة، لاستمالة الرأي العام. يستغلون مشاعر الخوف والغضب والشفقة لتوجيه الرأي العام وفق أجندتهم.
8. التشتيت وتحويل الانتباه: عندما تحقق المقاومة إنجازًا، يسارعون إلى إثارة قضايا جانبية لصرف الانتباه. قد يكون ذلك بنشر شائعات أو إثارة جدل حول قضية ثانوية.
إنّ فهم هذه الاستراتيجيات هو الخطوة الأولى في مواجهتها. على الجمهور الواعي أن يكون متيقظًا لهذه الأساليب، وأن يتحلى بالصبر والتأني في تحليل المعلومات. فالوعي هو سلاحنا الأقوى في مواجهة هذا الطوفان الإعلامي المضلل. والآن للتأكد إن كنت تفهم هذه الفكرة أم لا، يمكنك أن تجرّب كتابة تعليقات تشابه تعليقاتهم، ولكن أرجوك احتفظ بها لنفسك، فنحن لا ينقصنا المزيد من فيضان المجاري الأوبامية الذي بتّ تعرفه، إلا إن كان نوعًا من السخريّة التي تفكّك هذا الخطاب وتجعله يبدو نكاتًا.
