إن فهم العقلية العربية وثقافة المقاومة أمرٌ بالغ التعقيد، خاصةً من منظورٍ غربي. فالشهادة في سبيل القضية ليست مجرد تضحية، بل هي فخرٌ وغايةٌ يسعى إليها المقاوم، سواءٌ أكان إسلاميًا سنيًا أم شيعيًا، قوميًا سوريًا أم عربيًا، أم حتى شيوعيًا. هذا المفهوم متجذرٌ في الثقافة العربية والإسلامية بشكلٍ عميق، مما يجعل أي محاولةٍ لتفسيره منطقيًا من وجهة نظرٍ خارجية أمرًا قاصرًا في جوهره.
لهذا السبب، قد يُساء فهم ردود الفعل العربية عند استشهاد أحد قادة المقاومة. فبينما قد يرى البعض في ذلك نهايةً للمقاومة، يؤكد التاريخ العكس تمامًا. فالمقاومة العربية والإسلامية ليست مرتبطةً بشخصٍ واحد، بل هي نَفَسٌ مستمرٌ وحركةٌ متجددة. حتى أولئك الذين يؤيدون المقاومة عاطفيًا دون إلمامٍ عميقٍ بتاريخها، يجدون في قصص القادة الفدائيين إلهامًا للأجيال القادمة.
يشهد تطور المقاومة منذ بداية القرن العشرين على هذه الحقيقة. فما بدأ بسكين سليمان الحلبي الوحيدة، تحول إلى حركاتٍ وكتائب عسكرية تضاهي الجيوش في قوتها وتنظيمها. هذا التطور يعكس عمق جذور المقاومة في الوعي العربي والإسلامي.
إن الخبراء العسكريين والأمنيين الذين يعتقدون أن المقاومة تعتمد على قائدٍ واحد، مثلما هو الحال في بعض التنظيمات الغربية، يخطئون في فهم طبيعة المقاومة العربية. فهي أشبه بالأخطبوط الذي يمتلك كل ذراعٍ من أذرعه دماغًا خاصًا به. فحتى عندما تُشكَّل أجهزةٌ وهياكل تنظيمية، تبقى روح المقاومة متجذرةً في المجتمع ككل.
لقد نجح هذا الجيل من القادة في توجيه بوصلة المقاومة نحو فهمٍ أعمق للصراع. فقد كشفوا أن الولايات المتحدة ليست وسيطًا محايدًا، بل هي طرفٌ فاعلٌ في هذه الحرب التناحرية. هذا الوعي قد ترسخ في قلوب الأطفال العرب، مما يشكل هزيمةً حقيقيةً لدعاة الحلول السلمية وأتباع النهج الغربي.
عندما يسقط قائدٌ في المعركة، كما حدث مؤخرًا مع القائد السنوار الذي قُتل في الخطوط الأمامية، فإن هذا لا يُعَدُّ نهايةً للمقاومة، بل يُكتب كملحمةٍ قتاليةٍ تُلهم الأجيال القادمة. من المهم أن نفهم أن القادة لا ينقلون خططًا سريةً أو معرفةً خاصةً لمن يأتي بعدهم. في الواقع، قد لا يعرفون حتى القادة الجدد الذين سيحملون المقاومة في مراحلها القادمة. بدلاً من ذلك، يسهم هؤلاء القادة في بناء خبرةٍ مجتمعيةٍ من خلال الأحداث التي يشاركون في صنعها، والتي تكشف حقيقة الاحتلال وتُبطل فكرة إمكانية التعايش السلمي معه. إنهم يبنون القادة المستقبليين من خلال الظروف التي يخلقونها والتحديات التي يواجهونها.
إن الظرف الحالي سيولد مجتمعًا عربيًا جديدًا، فقد باتت للعرب رؤية أوضح لطبيعة الصراع. هذه الظروف والخبرات التي اكتسبها المقاومون ستنجب قادة من طبيعة جديدة. ويمكن ملاحظة الفرق النوعي في تعامل الشعب العربي مع الإعلام؛ فبينما تلاعبت وسائل التواصل والأخبار المضللة بالرأي العام إبان الربيع العربي، مما أدى إلى هدم بعض البلدان، نجد اليوم وعيًا متزايدًا في التعامل مع المعلومات. فقد أصبح الناس قادرين على تمييز الذباب الإلكتروني من مجرد تغريدة واحدة، ورفض دعوات الفتنة بحزم.
لقد أصبح الشعب العربي أكثر حذرًا من دعوات الفتنة. وإذا قُدِّر لهذا الجيل، ضمن خبرته المكتسبة، أن يقود معركة جديدة، فستدار هذه المعركة بحكمة أكبر وبجموح أكبر في الآن نفسه. فنحن الآن ندرك أن تجميع الناس حول فكرة المقاومة يتطلب نهجًا متوازنًا: أن تكون الحركة أقل تطرفًا فيما يخص أبناء الثقافة المحلية على اختلاف آرائهم الدينية وثقافتهم الحياتية، وفي الوقت نفسه أكثر شدة على الأعداء وأوضح موقفًا ضدهم.
هذه هي معضلة الاحتلال التي يجب أن يعيها الغرب. فبمجرد إدراكهم أن العرب كيان ثقافي واحد لا تقسمه الحدود ولا فتن وسائل التواصل الاجتماعي ولا الفتن المذهبية ولا التضليل الإعلامي، سيبدو مشروع الاحتلال مكلفًا للغاية وأقل جاذبية.
علاوة على ذلك، فإن الظرف الذي خلقه السنوار بخطته وبجنوح أعدائه وتطرفهم، سيخلق جيلًا جديدًا في الغرب أيضًا. وسيتجلى هذا بوضوح في اليوم التالي لدخول المحققين والصحفيين إلى أماكن المجازر، حيث ستنكشف حقيقة هذه الإبادة بصورة أكثر علمية وتوثيقًا مما أتيح لها من خلال ما تسرب عبر حواجز وسائل التواصل الاجتماعي.
من الأوهام الكبرى الاعتقاد بأن المقاومة العربية تقتصر على فلسطين وأنه يمكن إبادتها فعليًا. فثمة خزان بشري وثقافي هائل يتمثل في العالم العربي ودائرة تأثيره الإسلامية، وهذا ما لا يمكن إبادته. كما أن الظرف التاريخي لن يبقى على حاله، ناهيك عن الأثر الكبير لهذه الأحداث على الداخل الصهيوني نفسه.
في النهاية، المقاومة العربية والإسلامية هي أكبر من أي فردٍ أو قائد. إنها نَفَس الشعوب وإرادتها في الحرية والكرامة، وهي ستستمر وتتجدد طالما استمر الظلم والاحتلال، مشكلة بذلك قوة دافعة نحو مستقبل أكثر عدلًا وحرية. إن هذه الرؤية المستقبلية للمقاومة، المبنية على الخبرات المتراكمة والوعي المتزايد، تشكل تحديًا حقيقيًا لكل محاولات القمع والاحتلال، وتؤكد على استمرارية النضال حتى تحقيق الحرية والعدالة.
