زوابع في فناجين | حرب الوسوم بين “صانعي الموافقة”

هل ما زال عرض الفرجة الذي يقدّمه طرفان يشبهان بعضهما أكثر مما يشبهان الشعوب العربية عرضا مغريا بالمتابعة؟ قناة الجزيرة رائدة التطبيع الإعلاميّ تشنّ حملة على الذباب الإلكتروني (الذي يظهر رموزًا سعوديّة ويدّعي أنّه من دول أخرى) من جهة، والذباب الإلكتروني ذاته الذي لم يترك باب فتنة لم يطرقه لإضعاف التضامن العربيّ يشنّ حملة ضدّ الجزيرة لتبيان صهيونيّتها.

ربّما كان من أفضل ما في هذه المعركة العبثيّة إقرار كلّ من الطرفين أنّ التصهين بين العرب شتيمة، وهذا لأنّهما في الحقيقة لا يتحاوران مع بعضهما، فالتصهين ليس شتيمة بينهما، لكنّهما يتوجّهان إلى جمهور عربيّ بهدف إيهام الأغلبيّة المغلوبة على أمرها بأنّ كلّ طرف فيهما له أنصار كثيرة، وأنّ العربيّ إذا أراد الوعي السياسيّ فإنّ له خياران لا ثالث لهما: التصهين على طريقة الجزيرة، أو التصهين على طريقة الذباب.

هذا الأمر هو في الحقيقة صناعة موافقة كما يسمّيها نعوم تشومسكي، فأغلبيّة الناس الصامتة التي يعدّها كثير من الدارسين على أنها نحو 90 بالمئة من المجتمعات هي الكعكة التي يتقاسمها هؤلاء، فنصفها في بطن الجزيرة المتصهينة، ونصفها الآخر ملقى للذباب الذي يغلب على ظنّي أنّه عمل استخباري صهيونيّ محض ولو جرى بموافقة عربية ما.

ما هي صناعة الموافقة؟ هي أن يتحارب ذوي الرأي السياسيّ في بلد ما، وهم الذين لا تصل نسبتهم عادة إلى 10% على إيهام الآخرين الذين يمثّلون بالفعل أغلبيّة ساحقة، بأنّ هذه الأغلبيّة أقلّيّة، إذ يطالع كلّ منهم وسائل الإعلام ووسائل التواصل بصفته فردًا، ثمّ يصوّرون لهم أنّ حزبهم هو الأغلبيّة التي تشكّل الرأي العام في منطقة ما.

علينا أن نعلم أنّ الشعب السعوديّ الكريم لا يمثّله هذا الذباب المتصهين، وأنّ الإخوة في قطر لا تمثّلهم الجزيرة، بل إنّ كثيرا من أبناء الشعبين ليشعر بالعار من هذه السمعة التي تشيع عنهم، وأنّ الفريقين المتحاربين برغم تسليطهم الضوء على سقطات بعضهما بعضا، فهما متوافقين في الغايات والاستراتيجية وربّما التمويل والتوجيه أيضًا.

فبين هذا وذاك، تضيع القضية الحقيقية. فبينما يتصارع الطرفان على من يكسب جولة الهاشتاغات، تنزف غزّة دماً حقيقياً. أطفال يرحلون قبل أن يعرفوا معنى الحياة، ونساء مللن صراخ الاستنجاد، ورجال يدفنون أحلامهم مع كل قذيفة تسقط. أين العروبة الحقيقيّة في كل هذا الضجيج؟ أين الصوت الذي يصدح بالحق، ولا يلوك الباطل من أجل الانتصار في معركة وهمية؟ أين القلم الذي يكتب بحبر الضمير، لا بحبر المصالح والأجندات؟ لقد نسي المتصارعون، في غمرة عراكهم الرقمي، أن هناك قيماً أسمى من الانتصار في معركة الكلمات.

في خضم هذه المعمعة الرقمية، تغيب الأصوات الحكيمة. تلك الأصوات التي تدرك أن ما يجمعنا كعرب وكبشر أكبر بكثير مما يفرقنا. الأصوات التي تدرك أن الصراع الحقيقي ليس بين قناة وأخرى، أو بين نظام وآخر، بل هو صراع من أجل الكرامة الإنسانية والعدالة وهذا ما يمثّله الضمير اللبناني واليمنيّ الذي شارك الفلسطينيين ضريبة الدم من أجل تحرير الأوطان والإنسان. لكن في الساحات الإعلاميّة والتواصليّة تختنق هذه الأصوات وسط ضجيج ماكنات النفط والغاز. هذه هي الأصوات التي يجب أن نسعى لسماعها وإسماعها الآخرين، لأنها تحمل بذور الأمل في غد أفضل، ووعدًا بنصر، وهي على الأقل تتمثّل الموقف المشرّف والعقلانيّ.

لعلّ هذا الجموع التي أقنعوها بدور القطيع تجد تمكينًا لها قبل انهيار دولها، فقد رأينا كيف يظهر الشرف بين العرب حيث تغيب الدولة المتحكّمة في كلّ التفاصيل، ويظهر معدن العربيّ كما لا يشتهيه الحاكم الذي قرر سلفًا أن يحصر نفسه في الهوامش التي تسمح بها الهيمنة الأمريكية، ولربّما بدا للحاكم أنّه يستطيع أن يطمح بأكثر مما تقسمه له ماما أمريكا، فيتحرّك حسب مصلحة وطنه.