الحسين خلال عدسة مسيحيّة

في سويداء “الشرق الأوسط”، ثمة قصتان شكلتا مسار التاريخ، وأثرتا في الملايين، وصاغتا حضارات بأكملها. إحدى هاتين القصّتين مألوفة لغالبية البشر، وهي قصة يسوع المسيح، وهي السرديّة المحوريّة في الديانة المسيحية. والأخرى، رغم كونها أقل شهرة إلا أنها لا تقل قوة، هي قصة الحسين بن علي، سبط النبي محمد، وهو شخصية محورية في الإسلام الشيعي، والسنّي الأصيل قبل الغزو الوهّابيّ. ولكي نفهم حقًا حماسة وتفاني المسلمين الشيعة في بلدان مثل إيران وبلدان عربيّة، علينا أن نغوص عميقَا في هاتين الروايتين ونفهم تأثيرهما العميق.

لنبدأ بسيناريو مألوف للكثيرين: حياة يسوع ووفاته. وُلد يسوع في ظروف متواضعة، وبشّر برسالة الحب والغفران والخلاص الروحي. تحدّت تعاليمه النظام القائم، رغم أنّ السرديّة الغربيّة لا تعطي سببًا منطقيًّا لهذا التحدّي، ممّا أدى إلى محاربته والرغبة بصلبه، وصلبه فعلا حسب الرواية المسيحيّة. بالنسبة للمسيحيين، يمثل موت يسوع وقيامته التضحية القصوى، فهو الربّ المتجسّد الذي يقتل من أجل خلاص البشرية من خطاياها. تشكل هذه الرواية حجر الزاوية للإيمان المسيحي، وهي مكرسة في العهد الجديد، ومحورية في كل جانب من جوانب اللاهوت والممارسة المسيحية.

فإذا انتقلنا إلى الشخصية الأقل شهرة، لا سيّما بين الجمهور الغربيّ، والجمهور الإسلاميّ الذي تسرّبت إليه النسخة الوهّابيّة من الدين الإسلاميّ: الحسين بن علي، نجد أنّ الحسين وُلد في بيت النبوّة، وعاش قصّته هذه بعد قرابة ستة قرون من يسوع. قصته، رغم تجذّرها في الصراعات السياسية المبكّرة التي دارت بين المسلمين الأوائل، قد تطوّرت لتصبح رواية قوية عن شجاعة الالتزام بالموقف الأخلاقي، والمقاومة ضد الطغيان. في عام 680 ميلادية، قُتل الحسين ومجموعة صغيرة من أتباعه في كربلاء على يد قوّات الخليفة الأمويّ يزيد بن معاوية. هذا الحدث، المعروف بمعركة كربلاء، يشكل جوهر المذهب الشيعيّ عاطفيًّا وروحيًّا.

للوهلة الأولى، قد تبدو هاتان القصتان مختلفتين تمامًا. يسوع، الذي يُبجّل كابن الله، قتل لينقذ البشرية من الخطيئة. الحسين، القائد السياسيّ والروحيّ، قتل في معركة ضدّ ما رآه رمزًا للظلم، الحاكم يزيد. ومع ذلك، فإن أوجه التشابه لافتة للنظر وحاسمة لفهم تأثيرهما:

1. كل من يسوع والحسين وقف ضد المؤسّسات الفاسدة في عصره.

2. كلاهما اختار مواجهة الموت بدلاً من التنازل عن مبادئه.

3. يُنظر إلى وفاة كليهما من قبل أتباعهما على أنّها تضحية عليا من أجل خير أعظم.

ومع ذلك، فإن الاختلافات في كيفية حفظ هتين القصّتين وتفسيرهما هي مفتاح فهم تأثيراتها المتميزة:

تعدّ قصة يسوع جزءًا لا يتجزأ من الكتاب المقدّس المسيحي. الأناجيل، التي تفصل حياته وتعاليمه ووفاته، هي كلمة الإله على لسان رسل المسيح. هذه المكانة الكتابية تمنح قصة يسوع شكلاً شرعيًّا ثابتًا إلى حدّ ما، وهو محوريّ في العقيدة المسيحيّة، ما يكسبه مقاومة نسبيّة لإعادة التفسير.

أما قصة الحسين، فهي ليست جزءًا من القرآن “الكتاب المقدس للإسلام”. بدلاً من ذلك، يجري تناقلها من خلال الروايات التاريخية والتقاليد الشفويّة والفنون الشعبيّة. هذا الاختلاف الرئيسي سمح لرواية الحسين بالتطوّر والتكيّف مع مرور الوقت، واكتساب معانٍ وأهمية جديدة في سياقات تاريخية وثقافية متنوّعة.

هذا الامتياز أمر بالغ الأهمّيّة. فبينما طوّر اللاهوت المسيحيّ عقائد معقّدة حول طبيعة يسوع ومعنى تضحيته، أصبحت قصة الحسين أداة ثقافية وسياسية متعدّدة الاستخدامات في المذهب الشيعي. إنها رواية يمكن تطبيقها بسهولة على المواقف المعاصرة، وتستخدم لإلهام المقاومة ضد الظلم المدرك، وتحفيز العمل السياسي والاجتماعي.

لفهم عمق الإخلاص في المجتمعات الشيعية، يجب على المرء أن يدرك عمل قصة الحسين في رؤيتهم للعالم:

1. عدسة للتفسير: غالبًا ما ينظر المسلمون الشيعة إلى العالم من خلال عدسة تضحية الحسين. كثيرًا ما يتم تفسير الأحداث الجارية والصراعات السياسية والتحديات الشخصية على ضوء معركة كربلاء. معركة كان يظهر فيها من الوهلة الأولى أنّها تحقيق نبوءة مأساويّة تشمل قتل الحسين.

2. دعوة للعمل: على عكس التركيز المسيحي على الإيمان والشعور بالنعمة بسبب الخلاص، فإنّ التفسير الشيعيّ لاستشهاد الحسين يدعو إلى المقاومة الحيّة الدائمة ضدّ الظلم. لا يكفي أن تؤمن؛ يجب أن تتصرّف، حتى في مواجهة الصعاب الهائلة التي لا قبل لك بها.

3. مصدر للهوية: الاحتفال السنويّ باستشهاد الحسين، الذي يكون اليوم المركزيّ فيه عاشوراء، ليس مجرد مناسبة دينية، بل وهي تعزيز قوي للهوية الشيعيّة. من خلال الطقوس والمسرحيات العاطفية والحداد الجماعي، يعيد الشيعة إحياء نضال الحسين ويعجنونه بأرواحهم.

4. أداة سياسية: كانت لرواية وقوف الحسين ضد الطغيان قوّة مؤثّرة في العديد من المجتمعات العربيّة والإسلاميّة. لقد لعبت دورًا مهمًا في الثورة السنّيّة على النسخة الأمويّة من الإسلام أيّام صعود العبّاسيّين، وكذلك في الثورة الإيرانية عام 1979 ولا تزال تؤثّر في الخطاب السياسيّ في المنطقة.

5. بوصلة أخلاقيّة: بالنسبة للعديد من الشيعة، اختيار الحسين للقتال وجه الظلم الغاشم بدلاً من الخضوع يؤثّر بوصفه دليلًا أخلاقيًّا في حياتهم الخاصة.

تكمن القوة الدائمة لقصة الحسين في قابليتها للتكيّف. في حين تظل الرواية الأساسية ثابتة، فإنّ تفسيرها وتطبيقها قد تطوّرا مع تغيّر الزمن. تسمح هذه المرونة لها بالبقاء على تماسّ بصورة قوية، قرنًا بعد قرن مع مشاعر الناس وبنيتهم الروحيّة. في المقابل، غالبًا ما تتطلّب الرواية المسيحيّة عن يسوع، رغم استمرارها بنفس القدر من القوّة، تفسيرات لاهوتيّة أكثر تعقيدًا لسد الفجوة بين النصّ القديم والحياة الحديثة.

لهذا الاختلاف في بنية الرواية آثار عميقة:

1. الاستجابة للشدائد: عند مواجهة القمع السياسي أو الظلم الاجتماعي، غالبًا ما يسرع العديد من الشيعة إلى استمداد القوّة من أوجه التشابه مع نضال الحسين. وهذا غالبًا ما يترجم إلى استعداد للنشاط أو حتى الاستشهاد، قد يصعب على غير المنعجنين بالقصّة فهمه.

2. الشعور بالاستمرارية التاريخية: غالبًا ما يرى الشيعة أنفسهم كمن يواصل معركة الحسين ضد الظلم. وهذا يخلق إحساسًا قويًا بمعنى الوجود والرسالة التاريخية.

3. التضامن الجماعي: تعزّز الرواية المشتركة لاستشهاد الحسين شعورًا قويًا بالمجتمع بين الشيعة، متجاوزة الحدود الوطنيّة والعرقيّة.

4. النهج تجاه السلطة الظالمة: تؤثّر قصة الحسين، الذي اختار الموت بدلاً من الولاء لحاكم ظالم، بعمق في الفكر السياسي الشيعي. وغالبًا ما يتجلّى ذلك في شكل تشكك تجاه السلطة، والاعتقاد بالحق في مقاومة ضدّ الحكم الجائر.

بالنسبة للكثيرين من غير الشيعة سواء من الغرب أو من أتباع الإسلام الوهّابيّ أو المتأثر به، قد يكون من الصعب إدراك عمق العاطفة والالتزام الذي تثيره قصة الحسين في المجتمعات الشيعية. قد يكون أقرب مقارنة هو تخيّل كيف سيشعر المسيحيون إذا كانوا يعيدون تمثيل صلب يسوع سنويًّا بتفاصيل حية وعاطفية، ويطبقون دروسه مباشرة على القضايا السياسية والاجتماعية الحاليّة.

تظهر قصة الحسين القوة الاستثنائية لرواية تتحدّث عن احتياجات إنسانية عميقة للعدالة والمعنى والتضحية. مثل قصة يسوع، فقد صمدت على مدى قرون من التغيير، وهي تعيد اختراع نفسها باستمرار لتظلّ دائما على تماسّ مع الناس. ولكن على عكس رواية يسوع، التي تم في كثير من السياقات الغربية تشخيصها وروحنتها إلى حد كبير، تظلّ رواية الحسين قوة فعّالة للتعبئة الاجتماعية والسياسية.

هذا يفسر، جزئيًا، لماذا تظهر البلدان ذات الأغلبية الشيعية مثل إيران أو المجتمعات الشيعيّة في أماكن مثل لبنان أو العراق غالبًا مستوى من الحماس الدينيّ والنشاط السياسيّ قد يبدو متطرّفًا للمراقبين غير المطّلعين على الثقافة الشيعيّة. الأمر لا يتعلق فقط بالمعتقد الديني؛ بل يتعلق برواية ثقافية متجذّرة بعمق تدعو إلى المشاركة النشطة في العالم، والمقاومة ضد الظلم المدرك، والاستعداد للتضحية من أجل معتقدات المرء وقيمه ومبادئه.

بينما نشاهد الأحداث تتكشف في الشرق الأوسط ونحاول فهم دوافع المجموعات المختلفة، توفّر قصة الحسين مفتاحًا حاسمًا. إنها تساعد في تفسير سبب قصور النداءات التي تلوّح بالمصالح المادّيّة أو الضغط الدبلوماسيّ غالبًا عند التعامل مع الحكومات أو المنظّمات التي يهيمن عليها الشيعة. بالنسبة للعديد من الشيعة، تعلّمنا صورة الحسين أن بعض المبادئ تستحقّ كلّ تضحية مهما غلت، هي موقف يمكن أن يؤدي إلى أعمال ملهمة من الشجاعة والمقاومة، وإلى صراعات تبدو مستعصية على الحلّ للمراقبين الخارجيين.

إن فهم قصة الحسين ودورها في الثقافة الشيعية أمر بالغ الأهمّيّة لأيّ شخص يسعى إلى فهم ديناميكيات الشرق الأوسط والعالم الإسلاميّ. إنّها رواية قويّة ودائمة مثل قصة يسوع في المسيحيّة، ولكن بنكهة مختلفة، نكهة تؤكّد على المقاومة الحيّة، والهويّة الجماعيّة، والنضال المستمرّ ضدّ الظلم.