يشبه القنيبي أكثر ما يشبه قادة الإنجليّين الذين انسلخوا من تراث دينهم، وتمسّكوا بفهمهم الشخصيّ المباشر للنصوص الدينيّة، ورموا كلّ من سبقهم بالضلال، ويشبه قادة المذهب الوهّابيّ الذي بان خطله للقاصي والداني بعد أن جفّف وليّ العهد السعوديّ منبع تمويله الأوّل، وقد بلغت ميزانيّة نشر الأفكار الوهّابيّة حتّى سنوات قريبة أكثر من 100 مليار دولار، وهذا غير ميزانيّة الحرب على الأنظمة الجمهورية العربية التي بلغت في سوريا وحدها أكثر من هذا المبلغ.
فهو يقول: “قال الله وقال الرسول…” وهو كاذب زعمُه رغم دقّة الآيات والأحاديث التي ينقلها، ولو تتبّعنا الدعاة جميعًا حتّى من أعداء القنيبي لوجدناهم يقولون “قال الله وقال الرسول”، فالمحكّ الحقيقيّ للدعوى التي تناقش هو تأويل المقولات العامّة إلى مقولات مخصّصة وأفعال، وهو بهذه ككثير من شيوخ السلاطين وكثير من المتطرّفين وكثير من الإرهابيين وكثير من المصطفّين في صفّ الباطل، وكثير من المصطفّين في صفّ الحقّ أيضًا: يكذب.
خلال هذه المقالة سنناقش رأي القنيبي، الموافق لرأي وسيم يوسف بالمناسبة، حول وصفنا _ونحن من المسلمين السنّة_ القائد الشهيد حسن نصر الله، بأنّه شهيد، بل ونزيد على ذلك بأنّه من سادة شهداء الأمة وسادة شهداء المقاومة. وقد أدلى برأيه هذا في فيديو يردّ فيه على تصريحات الناطق الإعلاميّ باسم كتائب القسّام الملثّم أبي عبيدة، الذي وصفه بأنّه “القائد الكبير الشهيد السيّد…” عاطفا ذكره على ذكر القائد الشهيد إسماعيل هنيّة، وواصفًا إيّاهما بأنّهما على رأس الشهداء، في قوله “وعلى رأسهم” القائد… والقائد الكبير.
وهنا نحن سنفضح أسلوب القنيبي في التدليس والكذب واستمراره بدعم الإرهاب ضد العرب والمسلمين، وهو صاحب تسجيل “كانوا لكم كابن سلول فكونوا لهم كالرسول”، الذي يحضّ فيه وكيل تنظيم القاعدة في سوريا “جبهة النصرة” الإرهابية المجرمة أن يتوافقوا مع إرهابيي داعش، أو ما يسمّى “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، أي إنّه كان ولم يزل سادرًا في غيّه وفي ترويجه الطروحات الصهيونية الإرهابية رغم أنّه يظهر العداء للكيان، لكنّه يستبطن الموالاة الشديدة لهم، إذ يعادي أعداءهم وأعداءنا ويعادينا نحن.
أمّا الطريقة التي سننتهجها فهي تحليل خطابه قضمة قضمة، وهنا نقصد القضمة الخطابيّة، فلا طاقة لنا أن نمرّ على كلامه الممضّ كلمة كلمة، بيد أننا سنورد مقولاته، موضّحين أين جاءت وبأي ترتيب، ثمّ نبيّن ما يترتّب عليها، ونردّ على الخلل والكذب فيها.
- يضع في صورة الفيديو اسم حسن نصر الله بين علامتي تنصيص وكأنّه لا يوافق على اسمه، وهو اسم الرجل فعلا، لا لقب خلعه عليه الناس، فهذا من الدناءة غير الموصوفة.
- يلمز القنيبي بدوافع كلام أبي عبيدة، بأنّه جاء لأسباب وضرورات خاصّة بهم. وهذا يعني أن نعتقد أنّ أبا عبيدة، وغيره من قادة المقاومة الفلسطينية مدفوعون لهذا دفعًا، أو أنّهم ينتهجون التقيّة. وهذا وارد في مطلع ما قاءه على يوتيوب إذ قال: “بغضّ النظر عن أسباب بعض قادة المقاومة بوصف حسن نصر الله بأنه شهيد وبأنه صاحب مواقف مشرّفة…”.
- يعزو إخراجه هذا الكلام الفجّ الفاضح إلى الواجب، وكأنّه يقول: أعلم أنّكم تعلمون أنّ ما سأقوله هنا حقير جدًّا، لكنّه واجبي الشرعيّ. بقوله: “فإنّ الواجب علينا أن نبيّن للناس أنّ تسمية حسن نصر الله بالشهيد لا تصح بحال من الأحوال”.
- يشتم الشهيد بكونه “إمام ضلالة في العقيدة” و”إمام حرابة ضد المسلمين” و”ذراع للمشروع الصفويّ”، وفي كل واحدة من هذه كذب أيّما كذب. فعقيدة الرجل لم يطّلع عليها أحد، وإنّ الأمر لدى علماء المسلمين في مذهب السنّة أنّ التكفير ونقاش عقيدة امرئ ما هو حكم قضائي مقتصر على القاضي لأنّه مبحث فقهيّ لا عقديّ، ثمّ إنّ الرجل لم يظهر منه ما يشكّك في عقيدته عن أيّ مذهب، ولو ظهر منه هذا لملأ الفضائيات الصهيونية الناطقة بالعربية فهو مستهدف، لكنّ القنيبي يظنّ كلّ شخص لم يقل بما قاله هو بأنّه ينتهج التقيّة، وهذا رأيناه في مطلع قيئه ضدّ أبي عبيدة وأبي حمزة وغيرهم عندما لمز بأسبابهم.
أمّا الحرابة، فالذين يقع عليهم هذا الوصف هم الذين حاربوا الآمنين من أهل سوريّا ولبنان وليبيا من جماعته الضالة من داعش وأمّها القاعدة، فهؤلاء الذين يقع عليهم وصف المحارب، إذ يخرجون على سلطان ويقتلون وينهبون ويحرقون ويذبحون، فإذا تصدّى لهم رجال بواسل كالجيش العربيّ السوريّ الذي يجب أن ننظر إليه بوصفه جيشًا أو حلفائه صاروا هم المحاربين عند هذا الذي كان يظنّ نفسه مفتيا لهذه الجماعات.
أمّا عن كونه ذراعا للمشروع الصفويّ، فلم نزل نسأل هؤلاء: بأي حق تسمّون إيران صفويّة؟ هل يجوز أن نسمّي الشام يزيديّة لأنّ يزيد حكمها في يوم من الأيام؟ وهل تعلمون ما هو المشروع الإيرانيّ أصلا؟ إيران تريد أن تكون دولة نافذة، كأيّ دولة طموحة، وهذا حقّها الذي نستفيد منه إذ تدعم المقاومة ضدّ الأمريكي والصهيونيّ بينما أنتم تدعمون قتل المسلمين الآمنين والاعتداء على جيوش بلادنا المكوّنة من أبنائنا. - يستشهد بحديث حول “مدعم” وهذا الحديث يجب أن ينظر فيه جيدا، ففي الحديث أنّ هذا الرجل كان يحطّ رحل رسول الله، ونحن لم يبلغنا أن الرسول قاتل يومها على جمل، بل قاتل على بغلة له ويعرف المشتغلون بالسيرة اسمها، ثمّ إنّ هذا الحديث يطعن في فصاحة الرسول نفسه، فكيف يقتل الرجل في خيبر ثم يعيّن الرسول الكلام عمّا أخذه الرجل من المغانم ليقول “يوم خيبر”؟ وكيف يقرّب منه رجلًا سارقا؟ وكيف يحطّ رحله ولم ينتهي القتال بعد؟ إلى ذلك من مشكلات كثيرة في الحديث على أهل ردّ الأحاديث دراية أن يتصدّوا له.
- يمدّ الصيدلانيّ الخطّ على طوله فيقول: هذا شأن رجل أخذ شملة بغير حق فكيف بمن…، وهنا يبدأ بكيل الاتّهامات للشهيد بأنّه هتك عرض المسلمين في الشام وغصب أرضهم وقتلهم و و و … إلخ، وهذا تدليس عظيم، فالحقيقة أنّ هذا ما يجب عليه أن يثبته، لا أن يتعامل معه وكأنّه حقيقة، وهو لم يشهده بعينه، ولا تحقّق منه، ولا عرف شيئا سوى أنّ الرجال التابعين لحزب الله قاتلوا الإرهابيين من إخوته في الشام، فعليه هو أن يثبت لنا أنّ كلمة المسلمين يمكن إطلاقها على المحاربين الحاملين للسلاح الذين يقتلون الناس لأنّهم لم يطاوعوهم في الخروج على نظامهم مهما كان رأينا فيه، فكل شعب أدرى بنفسه.
- يقول إنّ الولاء والبراء لا يحصران في فلسطين. والحقيقة أنّ القول بالولاء والبراء أصلا ليس مقولة إسلاميّة حقيقية، بل هي من ترويجات الوهّابية التي اشتهرت بسبب التمويل السعودي المعترف به كما أسلفنا، وكان المقصود منها نصر أمريكا، وهذا معلوم لكل من يفهم السياسة أو الدين، فالرسول حالف أقوامًا لم تكن تؤمن به رسولا، وفرح لانتصار قوم على قوم… إلخ.
- يتمّم على النقطة السابقة ليقول إن فلسطين ليست بوصلة العرب والمسلمين، ويبدأ بنفي الشهادة عن مقتولين ظلما وغيلة مثل شيرين أبو عاقلة، وهي شهيدة رغم أنفه، والشهادة أوسع من القتل في سبيل الله يا ناس، فالقرآن لم يذكر كلمة شهيد بالمعنى الذي نتداوله، إنما هو من تراث المسلمين أنفسهم لا من الكتاب، القرآن يتحدّث عن حياة المقتولين في سبيل الله عند ربّهم، أمّا الشهادة فأمر أوسع من ذلك، ففي الحديث أنّ المبطون شهيد والغريق شهيد وغير ذلك… راجعوا مقالة “في الشهادة والشهيد” هنا على هذه المدوّنة لبيان ذلك.
- يشير إلى كونه فلسطينيًّا، وكأنّ ذلك يعني شيئا! فأغلب مشاهير الجاسوسية فلسطينيون، وجماعة أوسلو فلسطينيون، والعاملون في المستوطنات باختيارهم فلسطينيون، بل وبعض جنود العدوّ فلسطينيون أيضًا، فأي عبرة في هذا!
- يتّهم حزب الله بأنّه لم يدخل المعركة إلّا انتقامًا لنفسه بعد قتل قادته “المخترقين” والفتك بهم، ويقول إنّهم جبنوا عن مواجهة الصهاينة، وهذا ادّعاء فهم بالعلوم العسكريّة، ولكن الرجل صيدلاني وفتّاء ومدرّس عقيدة وقاض ومنظّر في الخلق والتطوّر ومنظّر للجماعات المسلّحة وسياسيّ ومفسّر للقرآن، فليس بعد كلّ هذه الادّعاءات أو التنطّعات غرابة في أن يقول إنّه خبير عسكريّ، وينتقد المقاومين في خياراتهم. وإنّ هذا وأمثاله سينتقدون فيما بعد المقاومين أنفسهم، مدّعين علما بالسياسة والعسكريّة. فهو ليس مثلنا نحن البسطاء الذين نتّخذ فلسطين بوصلة نقيّم بها الرجال، فيسقط أمثاله في أسفل سافلين.
- يحصر الشهادة والجهاد في “لتكون كلمة الله هي العليا”، وهذا توظيف باطل للقرآن، فالقرآن في هذه الآية يقول: (وجعل كلمةَ الذين كفروا السفلى وكلمةُ الله هي العليا)، وانتبهوا هنا إلى أنّ كلمة الذين كفروا مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة على التاء المربوطة في كلمةَ، ثمّ تأتي التتمّة استئنافا جديدا وكلمةُ هنا تأتي مضمومةً، أي إنّ كلمة الله هي العليا أصلا ودائما وأبدا ولا يجعلها فلان أو فلان العليا، وهي ليست بحاجتي أو بحاجته أو بحاجة رفاقه: أبو راس القرغيزي وأبو إلية الوهّابي.
- يبدأ بعدها بتبرير قوله ودرئ التهم التي لبسته بالتلوّي والتهرّب وادّعاء الفهم، لأنّه يعلم أنّ المسلمين الصادقين سيلفظونه ويلفظون قوله. وهذا جزء مملّ ممضّ لم أستطع تكراره لأفصّل في نقده. إنّما هو يعلم أنّه على ضلالة، وأنّ أغلب المسلمين لا يعتقدون بما يعتقد، ويريد أن يتهرّب من حكمهم هذا عليه، وهو آتيه لا محالة.
أخيرا إنّ هذا ولغ في دماء المسلمين بما حرّض على الاقتتال الداخليّ بينهم، وولغ في دماء المسلمين عندما قعد يكفّر الطوائف ويحرّض عليها، ويدعو للتوفيق بين الإرهابيين. وهو ينفي هذا عن نفسه! ويتّهم به غيره! وكأنّه يتمثّل المثل: “إنها تبليك وما فيها تضعه فيك!”، أمّا ما هي، فالعالم بالأمثال يعلم أنّها أشبهت الصيدلانيّ هذا كثيرا أو أشبهها، فحتّى في هذه هو ليس أصلا بل نسخة مشوّهة.
