مع تصاعد حدّة المعركة على الجبهة اللبنانيّة، ومع تصاعد سجال الردود بين إيران والكيان، يتصاعد الجدل بين المجتمعات التي تصنّف نفسها على أنّها “سنّيّة” حول “الخطر الإيرانيّ” الذي يصرّ بعضهم أنّه أكبر من الخطر “الصهيونيّ”، ربّما دون أن يعرف روّاد هذا الجدل من “السنّة” مقتضى تسمية “أهل السنّة والجماعة” التي كانت اسمًا لمذهب من فتك ببني أميّة وطردهم من العراق والشام إلى الأندلس.
المذهب السنّي في الأصل كان خصمًا لمذهب أهل الحديث الذي سيطر أيّام الفتنة الكبرى الواقعة بين الأمويّين وأشياعهم، وآل البيت وأشياعهم، وكان مذهب العبّاسيين المسوّدة الذين أنهوا الوجود الأمويّ، فاختفت هذه التقسيمة أصلا، ولم تطفُ على السطح تقسيمة سنّة وشيعة، إلّا بعد حرب الخليج الثانية (غزو الكويت) مع صعود ما سمّي “الثورة الشعبانيّة” أو “تمرّد الغوغاء” من الشيعة ذوي المرجعيّة المتعلّقة بإيران، ومع ردّة الفعل المتطرّفة عليها من النظام العراقيّ، ومع الثأريّات التي مورست، انتبهت عائلات كثيرة أنّ الأمّ شيعيّة والأب سنّيّ، أو العكس. ثمّ تدحرجت كرة الثأر لتكبر وتكبر وتصل ذروتها باستغلال الخليج وأجهزته الإعلاميّة محكمة صدّام العلنيّة وإعدامه الدراميّ لتأجيج الفتنة الحديثة أكثر فأكثر، ثمّ بمقتضى الديموقراطيّة الأمريكيّة التي تزيد الوعي بالقبليّة السياسيّة.
هذه المقدّمة ضروريّة لتناول هذا الموضوع، وأريد هنا أن أجمع بعض الحجج التي تساق في سبيل التنفير من تأييد محور المقاومة، وبعض الردود عليها، لعلّ هذا النقاش يصبح منتجًا بدلا من كونه رحى تطحن قرونًا.
- الشيعة حاقدون على السنّة!
الردّ: الشيعة حاقدون على النواصب من بني أميّة، أمّا السنّة فقد كانوا نقيض النواصب والعامل المؤثّر في إفنائهم، ولن تجد شيعيًّا معتدلا لا يعرف ذلك. وبقيّة الخبر وردت في المقدّمة.
- إيران مجوسيّة!
الردّ: إذا أردنا أن نرجع إلى مذهب الأجداد فجدودنا نحن إمّا أن يكونوا وثنيين أو مسيحيين أو يهودًا أو صابئة أو مجوسًا أو سوى ذلك، فنسبة شعب كامل إلى مذهب أجدادهم نسبة ظالمة أيّما ظلم.
- إيران لها أطماعها في المنطقة.
الردّ: إيران لها طموحها بأن تكون دولة قائدة في المنطقة، وهذا شرعيّ جدًّا، وعلينا نحن أن نطمح لما هو أكبر من هذا فننافس إيران وتركيّا وغيرهما، أمّا عن الطمع باستغلال المكوّن الشيعيّ في البلاد العربيّة؛ فهذا لا يتيحه إلّا الظلم الواقع على هذا المكوّن من قبل الجماعات الحاكمة، وإلّا فالرابطة القوميّة أقوى بكثير من رابطة المذهب، لا سيّما وأنّ المذهب ليس دينا مستقلًّا بذاته.
- الشيعة يلعنون الصحابة وأمّهات المؤمنين.
ثمّة فئة يراها النظام الإيرانيّ ضالة تفعل ذلك على الحقيقة، وهؤلاء هم الأسرة الشيرازيّة وأتباعها، وفي الحقيقة إنّ أغلب الشيعة يعدّوهم خونًا، وفوق ذلك فثمّة فتاوى كثيرة صدرت من المرجعيّات الشيعيّة تحرّم هذه الممارسات، وتربّي أبناء المذهب على الابتعاد عنها، والانتباه إليها في الموروث الشعبيّ ومحاربتها.
- الإيرانيون يريدون إعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسيّة، وهم يحتقرون العرب.
هذا قد يكون صحيحًا فيما يخصّ القوميّين الإيرانيين، وهؤلاء أقل الإيرانيين تديّنًا، وهم النقيض للنظام الإيرانيّ. أمّا العرب في إيران اليوم فلهم نفوذ كبير بسبب المذهب الشيعيّ الذي أدخله أهل الأحواز إلى إيران، فمرجعيّة المذهب الشيعيّ وثقله الحقيقي يقع في البلاد العربيّة، ونفوذ المجاهدين العرب من الشيعة في إيران ينافس نفوذ كبار الشخصيّات في النظام الإيرانيّ.
- الخطر الإيرانيّ أكبر وأعرق من الخطر الصهيونيّ الذي سيبقى غريبا في المنطقة.
إذا أقررنا بما سبق، فإنّ الحديث عن خطر إيرانيّ ليس دقيقا 100%، فإذا كان ثمّة تنافس كامن مع أمّة جارة، فهو تناقض ثانويّ، ويبقى التناقض الأكبر هو التناقض الرئيس مع الغزاة الذين دخلوا هذه المنطقة دون أن يكون أهل المذهب السنّيّ استعانوا بهم أو حالفوهم، بل إنّهم قتلوا أهل فلسطين ولبنان والأردن ومصر وسوريّا واحتلّوا أراضيهم، وهم أوروبيّون وتبع للغرب الأطلنطيّ.
- إيران منافس للقوة السنّيّة الأكبر في المنطقة وهي تركيّا.
تركيّا فيها عرب علويّون، وفيها شيعة، وفيها غير ذلك، وهي دولة علمانية صرف، وليست ممثلا لأهل السنّة، غير أنّ الحزب الحاكم فيها منذ أكثر عقدين هو حزب إخوانيّ، وقد اختلف مع كثير من الإخوان هناك وسجنهم، وكان هذا تحت بند محاربة الإنقلابيين، والإنقلابيون هؤلاء من الإخوان أيضًا، ولذلك فهي دولة علمانية ضمن دستورها وفي ممارسات حزبها الحاكم.
بيد أنّ الخطاب الذي يذكّر بالطائفة ليس إلّا أداة في يد الأتراك الذين أبادوا أكثر من ربع سكّان منطقة بلاد الشام أيّام حكمهم، وارتكبوا الفظائع في أهل السنة من الأكراد، وفي المسيحيّين الأرمن وفي غيرهم، وحرّموا الآلة الطابعة، وحالفوا بريطانيا وفرنسا ضدّ محمد علي باشا الكبير، وأوصلوا العرب إلى التحالف مع البريطانيين ضدّهم في النهاية بسبب تآمرهم الواضح على العرب، وفيهم عنصرية تركية واضحة.
- إيران اخترقت بصواريخها سيادة البلاد العربية على أجوائها.
الصواريخ الإيرانية تحلّق على ارتفاع أكبر من المجال الجوّي القانونيّ للبلاد العربيّة، وليس في هذا خرق للقانون الدوليّ، ولا خرق لأجواء البلاد العربية. حتّى إنّ إسقاط الصواريخ لم يتمّ بأيدي العرب، بل بأيدي الأمريكان القابعين في قواعد على الأراضي العربية، سواء قواعد لهم “حقّ” استخدامها أو قواعد أنشؤوها هم.
- لن ننسى الفظائع التي ارتكبها أحلاف النظام السوريّ من الشيعة ضدّ إخوتنا السنّة في سوريّا.
إذا كنت ترى أنّ اللوثة السوريّة ثورة فراجع طبيبًا عقليًّا، وإذا كنت تراها “سنيّة” ضدّ الآخر غير السنّيّ، فإنّك تقرّ ضمنًا أنّها حراك طائفيّ في منطلقاتها الأولى. فإذا كنت تستنكر ردّ الفعل، فعليك أوّلًا إنكار الفعل، وفي الحقيقة، لقد تأخّر تدخّل الأحلاف حتّى بات المسلحون المتطرّفون المدعومون من دول الخليج بأمر أمريكي، والذين كانوا يتلقون العلاج عند الصهاينة، يشكّلون خطرا على خطوط إمداد المقاومة في لبنان.
- هذه مسرحيّة بين إيران والصهاينة!
لا أعرف لك طبًّا، ولا منطق يمكن التعاطي به معك، ومثلك جدير بأن تظلّ الحسرة تأكل فؤاده، فأنت تسيئ إلى نفسك وأهل مذهبك أوّلًا وأخيرًا. وعلى قول إخوتنا من أهل الخليج: كل تبن! ولا أريد ذكر المرادفات الشاميّة لهذا التعبير!
