الحرب على الجبهة الإعلاميّة

لا يخفى على أيّ مهتمّ بالشأن السياسيّ أنّ الرؤية السائدة في الخليج العربي رسميّا هي أنّ إيران هي الخطر الأكبر، ولذلك كانت الحرب على اليمن، ولذلك لا يحصل الشيعة العرب في الخليج في سائر الدول على ما يحصل عليه سواهم من الطوائف، بتهمة ازدواج الولاء، وهذا دون ذكر قضيّة البدون الذين فيهم من شتّى الطوائف، أي إنّ الإعلام الخليجيّ أو المموّل خليجيًّا له اصطفافه المعروف في كلّ قضيّة تمسّ إيران من بعيد.

ربّما يجب التذكير بأنّ هذه الرؤية في أصلها ليست دقيقة، وأنّ كثيرا من شيعة العراق كانوا عماد الجيش العراقيّ في الحرب مع إيران، وأنّ شعراء مثل الشهيد هادي العكايشي النجفي والشهيد فلاح عسكر الذين قتلتهم الثورة الشعبانيّة انتقامًا ممّا قالوه في مساندة نظام صدّام وفي مهاجمة الخميني، وهم من الشيعة العرب، لكنّ الخطأ الاستراتيجي لدول الخليج كان في هذا الضغط على تلك البيئات التي تعيش فوق بحر من النفط، وإفقارها أيّما إفقار، حوّلها من مؤثّر تاريخيّ مهمّ في إيران إلى متأثّر بها.

هكذا نعرف لماذا اختلفت لهجة القنوات القطريّة عندما انتقل الحديث عن غزّة إلى لبنان، فالموضوع في أساسه متأثّر بالنفوذ السياسيّ القائم على هذه القنوات، وأيدولوجية القائمين عليها، فهي تعرف أنّها موجّهة لجمهور عربيّ لن يقبل التشكيك في المقاومة في غزّة، فيكون تحقيق الاختراق الإعلاميّ ضدّ حماس أعقد وأصعب من نظيره عندما تغطّي جبهة المقاومة اللبنانيّة التي يهيمن عليها حزب الله، فتكتفي عند تغطية الحرب في غزّة بعرض وجهة نظر الإعلام الصهيوني وتحليله، بينما تتحوّل في جبهة لبنان إلى حامل لرسائله بصورة مباشرة.

أمّا العربيّة والحدث فهما أوضح في مجال التشكيك بغزّة، وأكثر وقاحة في العداء للمقاومة الإسلاميّة في لبنان، ولذلك تجد أنّك حين تشغّلها وكأنّك شغّلت قناة عبريّة مترجمة إلى اللغة العربية لا أكثر، وربّما كان هذا سبب تسمية واحدة منها “العربيّة”، فهو لن يكون اسمًا مميّزًا إلّا إذا نظرنا لها على أنّها قناة ناطقة عن المصالح الغربية باللغة العربية.

فما هي الطرائق التي يمكن أن تنتهجها هذه القنوات لتفتيت الروح المعنويّة خلال الحرب؟ وما هي طرائق المنافذ الإعلاميّة الصهيونيّة عمومًا؟ وما هي استراتيجية العدوّ الإعلاميّة؟

أوّلا: صياغة سياسة إعلاميّة متكاملة، تمكّن الإعلاميين ومديري التحرير من الارتجال ضمن خطّها. وهذا رأيناه بوضوح في كتاب قاموس الخداع الصهيوني الذي وضّبنا ترجمته في نسخة رقميّة وقدّمناه هنا في المدوّنة وتستطيع أن تطّلع عليه هنا: قاموس الخداع الصهيونيّ.

إذا كان هذا فعلهم في أوقات الرخاء، فكيف بهم وهم يواجهون تحوّلًا كبيرا في صورتهم الإعلاميّة، لا تستغربوا أن نعثر مستقبلا على وثيقة مثل هذه خاصّة بالحرب، وقد قدّم الأستاذ الدكتور (وزير أردني أسبق للإعلام والثقافة) دراسات وحوارات حول هذه الدراسات، تستطيعون الاطّلاع على طرف من ذلك في فيديو الملتقى الإعلامي هنا:

ثانيًا: الإيعاز إلى الجنود الإعلاميين العرب لدى الكيان بالتهوين من كل إنجاز للمقاومة، والتعظيم من كلّ إنجاز للصهاينة. ونرى ذلك جليًّا لدى مراقبة اللغة التي يتحدّث بها الإعلام العربيّ عن المقاومة اللبنانيّة، فتراهم يتجنّبون إطلاق لفظة شهيد حتّى على المقتول في عدوان غاشم يطال النساء والأطفال. فهذا شأن اختيار المفردات.

غير المفردات فإنّ الجملة الإخباريّة لها بناء، فيمكن التركيز على بعض المعلومات فيها من خلال التقديم والتأخير أو جعلها معلومة ما محور الجملة، مثلا: مع استمرار الرشقات الصاروخية من لبنان باتّجاه إسرائيل، نفّذت القوّة الجوّيّة الإسرائيليّة غارات على ما قالت إنّها أهداف عسكريّة داخل الأراضي اللبنانيّة، وقد نشرت وسيلة الإعلام الفلانية أنّ الغارات أصابت أهدافها بدقّة. لاحظ هنا أنّ محور الجملة هو الغارات، والخبر عن الرشقات ما هو إلا سياق للغارة، وفوق ذلك يتلوها تحليل منقول من منفذ إعلاميّ صهيونيّ.

وللاطّلاع على طرق التلاعب اللغويّ حتّى في الأوراق العلميّة يمكنكم مشاهدة هذه المحاضرة المهمّة للأكاديمية البارزة جودي سوان هنا:

والموضوع يتعدّى اللغة إلى انتقاء الحدث الذي يتحوّل خبرًا من الأصل، والرواية التي تحيط بهذا الحدث، وهكذا تجد أنّ اليأس يتسرّب إليك شيئا فشيئًا، وأنت تتابع هذه القنوات.

ثالثًا: استغلال الإعلام الجديد ومأسسته بصورة تضمن تدجين كلّ المدوّنين البارزين الذين يمكن أن يكون لهم صوت فاعل. هؤلاء يرون أنّهم استحقّوا المكانة أو الوظيفة أو المنحة التي أعطيت لهم، ولذلك يمكن أن تستغرب تحوّلهم أدوات بسهولة، لكنّ الحقيقة هي أنّ لخطابهم سقفًا يسرّب إليهم إمّا صراحةً أو ضمنًا في حال لم يلتزموا الخطّ المرسوم لهم.

رابعًا: السيطرة على جمهور الإعلام الجديد بوضعه في زاوية واحدة بحيث يظلّ يتعرّض للقصف الإعلاميّ بوجهة نظر واحدة، ومن هذا تأسيس المنصّات مثل شاهد، أو الجزيرة 360. فمن يتابع من الجيل الجديد الإعلام على منصّة سيجد صورة متّسقة عن العالم، ويلزمه الكثير من أدوات التفكير الناقد ليكتشف أنّه يتعرّض للتضليل.

خامسًا: جعل تأييد المقاومة رديفا لمناهضة دولتك. وهذه من أوسخ الطرائق وأحقرها، فمن قال إنّ الموقف المؤيّد لأي شعب يتعرّض إلى ظلم واضح، لا سيّما إن كانوا من إخوتنا العرب، لا بدّ وأن يصحبه بالضرورة مناهضة لحكم دولة عربية ما؟ إنّ الاختلاف مع دولة ما في سياستها الخارجيّة ليس بالضرورة أن يكون موقفا مناهضا لوجودها، ولكنّ سياسة قنوات مثل الجزيرة بمهاجمة بلدان موقفها أفضل بما لا يقاس من موقف قطر، في حين عدم التعرّض إلى موقف قطر نهائيًّا، لهو تلاعب خبيث جدًّا. لا أقول هنا إنّ موقف دولة مثل الأردنّ أو سوريّا أو عُمان أو غيرها هو سقف الحقّ، فهي مواقف متفاوتة، وهي كلّها أفضل من مواقف قطر، لكنّ هذه السرديّة الكبرى التي ينطلق منها الإعلام والتي تجعل الدول العربية الرسمية بالضرورة رديفا للصهاينة إنّما هي تضييق على الهامش الشعبيّ لتأييد المقاومة.

سادسًا: فتح الملفّات القديمة التي من شأنها أن توغر الصدور وتستدعي التفكير الموتور. لقد ناقشت هذه المسألة في مقالة سابقة باسم المرونة الاستراتيجيّة في مواجهة التفكير الموتور وفيها توسّع كبير في الفكرة، لكنّ الجزيرة وجنودها الإعلاميّين سيجدون أنّ هذا الوقت المناسب لمناقشة أحداث أيلول الأسود مثلا أو أحداث حماة أو تدخّل حزب الله في سوريّا أو سوى ذلك من الملفّات، مع العلم أنّ فتح هذه الملفّات لا يكون مهنيًّا أو محايدًا ولا يقدّم الرؤية الأخرى التي من شأنها أن تجلب الفهم العميق لهذه الأحداث وسياقها، هي تذكرها في البرامج الحواريّة على هامش الأحداث الحاليّة وكأنّها حقائق كاملة، وهذا ليس صحيحا، فمن نافلة القول أنّ الفصائل الفلسطينية ارتكبت أخطاء استراتيجية في الأردنّ، وأنّ مجزرة الكلية الجويّة التي ارتكبها انقلابيّون إخوانيّون ما كانت لتمرّ مرور الكرام، وأنّ حزب الله لم يكن ليتدخّل في سوريّا لو لم يدرك عمق طائفيّة ما تسمّيه الجزيرة ثورة سوريّة. وكلّ هذا بل وما هو أفظع منه يوضع جانبًا في مواجهة التهديد الوجوديّ.

سابعًا: التحدّث على ألسنة المشاهير التي تصنعها هذه القنوات في منافذ غير رسمية كوسائل التواصل. فتغريدات صهيونية واضحة القذارة يمكن أن تصدر عن مذيعين مثل فيصل القاسم أو غيره أو حتّى الضيوف المتكرّرين فيما يخصّ سوريّا أو حزب الله، بحجّة أنّه يمثّل رأيه الشخصيّ، لكنّه في الحقيقة لا يملك حتّى أن يغيّر صورة حسابه دون أن يأتيه أمر بذلك.

فكّر في الآتي: من جعل كلبا مثل أفخاي أذرعي مشهورا بين العرب غير الجزيرة؟ من جعل كوهين مشهورًا؟ من قدّم قاذورات مثل أنس الدغيم أو غيره من الكلاب غير المنافذ الإعلاميّة المشبوهة؟ هؤلاء لم يصنعوا عبثًا.

ثامنًا: نشر ما ينفّر الناس من استخدام المنافذ الإعلامية البديلة للمقاومة، وإغلاق هذه المنافذ في وجوههم. تجد مثلا أنّك لو بحثت في يوتيوب عن البث المباشر لقناة الميادين فإنّك لن تجده، وفوق ذلك سيخرج لك في أول نتيجة البث المباشر للجزيرة. أو يناقشون مخاطر تلغرام مثلا، وأنّ معلوماتك ستكون معرّضة للخطر عند استخدامه، أو حتّى التشكيك بأي خبر يصدر عن قناة وطنيّة رسميّة بحجّة عدم استقلالها إعلاميًّا وكأنّهم هم مستقلّون.

تاسعًا: نشر برامج تحليلية عن المشهد الإعلامي عند العدوّ، تحت عنوان “اعرف عدوّك”، تنطلق من صدق هذا الإعلام ثم تقوم بالتحليل على أساسه، أو حتّى نشر التحليل الصهيونيّ. وهذا من أقذر الممارسات؛ فهو يصادر الرأي العربيّ لصالح الصهيونيّ.

عاشرًا: استعمال موادّ تنتجها المقاومة في الدعاية لهذه المنافذ الإعلاميّة. جرّب أن تأخذ فيديو من قناة تلغرام تابعة للمقاومة في غزّة أو لبنان، وانشره عندك على وسائل التواصل، ستجد أنّه يحذف وأنّك تحظر، لكن خذ الفيديو ذاته من قناة الجزيرة، ممهورًا بشعارها، وستجد أنّه لا يحذف. وما هذا إلّا اتّفاق بين شركات وسائل التواصل وقناة مثل الجزيرة لاحتكار هذه الموادّ التي لم يساهموا فيها أصلا، ولا يملكون حقوقها.

إذا وعيت كلّ هذه الاستراتيجيات وأصبحت على قشرة دماغك، حاضرة في ذهنك أو يمكن استدعاؤها بمجرّد سماع صياغة الخبر أو رؤية دعاية برنامج ما، ستجد أنّ قناة المنار وقنوات تلغرام التابعة للمقاومة تخوض حربا شرسة على جبهة الإعلام، وهي تنسّق مع الجهد العسكريّ حتّى تنفي صدق الأخبار المضلّلة، مثلا: عند الحديث عن توغّل الصهاينة في بلدة ما. ستجد المنار تقول: لقد تعرّضت البلدة الفلانية للقصف الصهيونيّ ما ينفي صحّة خبر التوغّل الصهيونيّ إذ لن يقصفوا جنودهم. أو أن يوعز إلى المقاومين بتنفيذ عمليّة مزلزلة أو إطلاق صواريخ من مكان محدّد بمجرّد إعلان الإعلام الصهيونيّ والمتصهين أنّها “منطقة آمنة”، وهكذا.

الحرب على الجبهة الإعلامية ضارية، فلا تكن من جند الأعداء فيها!