مع كلّ هذه الأحداث الأخيرة، والجدل حول ما يراه كثير من الناس انكفاءً إيرانيًّا، ومع الترقّب المختلط بالحزن والخوف، وشماتة مجموعات من الإخوان باستشهاد السيّد، دون أن نسمع إنكارًا واضحًا لهذا من حلفاء حزب الله في حماس، لا بدّ من التذكير بفكرة العملانيّة بوصفها عنصرًا حاسمًا في تشكيل استراتيجيات حركات المقاومة. هذا المفهوم، الذي يتجاوز مجرد التكيف مع الظروف المتغيرة، يعكس قدرة هذه الحركات على اتخاذ قرارات صعبة قد تبدو متناقضة مع مواقفها السابقة، لكنه ضروريّ لتحقيق أهدافها بعيدة المدى.
لفهم عمق هذه العملانية، علينا أولاً أن نميز بينها وبين مجرد التنازل عن المبادئ. فالعملانية في هذا السياق تعني القدرة على إعادة تقييم الاستراتيجيات والتحالفات في ضوء الظروف المتغيرة، مع الحفاظ على الأهداف الجوهرية. إنها تمثل توازنًا دقيقًا بين الثبات على المبادئ والمرونة في التكتيكات، وهو ما يعرف في نظريات العلوم السياسية بـ”المرونة الاستراتيجية”.
لنأخذ مثالاً ملموسًا: العلاقة المعقدة بين إيران وبعض حركات المقاومة العربية. خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، وُثقت عمليات تبادل أسلحة بين إيران والكيان الصهيوني، فيما عُرف لاحقًا بفضيحة إيران-كونترا. وفقًا لتقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز في 8 ديسمبر 1991، قدرت قيمة الأسلحة الصهيونية المباعة لإيران بحوالي 500 مليون دولار سنويًا خلال ثمانينيات القرن الماضي. هذه الصفقات، التي كانت تهدف أساسًا لمواجهة نظام صدام حسين، كان من الممكن أن تشكل عقبة دائمة في علاقات إيران مع الفصائل الفلسطينية المقاومة التي يتحالف بعضها مع عراق صدّام، وفي الوقت نفسه هي النقيض الموضوعي للكيان في ذلك الوقت.
ومع ذلك، فإن الواقع اليوم يُظهر تحالفًا وثيقًا بين إيران ومن يمثّل المقاومة المسلّحة للكيان، خاصة حركة حماس. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في السياسة الخارجية، بل يعكس فهمًا عميقًا للمصالح الاستراتيجية المشتركة في مواجهة التهديدات المشتركة. فبدلاً من التمسك بمواقف ثابتة بناءً على أحداث الماضي، اختار الطرفان إعادة تقييم علاقتهما في ضوء التحديات الجديدة والأهداف طويلة المدى.
هذا النهج العملاني لا يعني نسيان التاريخ أو التغاضي عنه. بل يعني فهم أن السياسة في المنطقة معقدة ومتغيرة، وأن القدرة على التكيف هي مفتاح البقاء والتأثير. وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن لحركات المقاومة أن توازن بين الحاجة إلى المرونة الاستراتيجية والحفاظ على مصداقيتها أمام قواعدها الشعبية؟
حركة حماس تقدم مثالاً آخر على هذا التحدي. فمنذ عام 2017، شهدت الحركة تحولات جوهرية في سياساتها وعلاقاتها الإقليمية. في مايو من ذلك العام، أصدرت حماس وثيقة سياسية جديدة عدلت فيها بعض مواقفها التاريخية، مثل قبولها بدولة فلسطينية على حدود 1967 دون الاعتراف بالكيان الصهيوني، كما نشرت حماس في بيانها، وكانت هذه خطوة من الحركة لتحسين علاقاتها مع مصر ودول الخليج دون التخلي عن مبدأ المقاومة من جهة، ومن جهة أخرى مثّلت مفتاحًا لإعادة العلاقات مع سوريّا وحزب الله.
لكن هذه العملانية تثير تساؤلات عميقة حول حدود المرونة السياسية. كيف يمكن لحركات المقاومة أن تحافظ على هويتها وقيمها الأساسية مع التكيف مع الواقع المتغير؟ وما هي المخاطر المحتملة لهذه المقاربة على المدى الطويل؟
لفهم هذه الديناميكية بشكل أعمق، يمكننا النظر إلى نظرية “الهوية الاستراتيجية” في العلوم السياسية. تشير هذه النظرية إلى أن الحركات السياسية قد تعيد تشكيل هويتها استراتيجيًا استجابة للتغيرات في بيئتها السياسية، دون التخلي عن جوهرها الأيديولوجي. في حالة حركات المقاومة، قد يعني هذا إعادة تعريف مفهوم “المقاومة” نفسه ليشمل أشكالًا جديدة من النضال تتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة التي يغلب عليها التكتيك، إلى النظرة الاستراتيجية للمقاومة وامتلاك تخيّل عن مراحل الصراع المختلفة.
ومع ذلك، فإن هذه العملانية لا تخلو من المخاطر. فهناك دائمًا خطر إساءة فهم المواقف المتغيرة على أنها تنازل عن المبادئ الأساسية. وهنا يكمن التحدي الحقيقي لحركات المقاومة: كيف يمكنها شرح هذه التحولات لقواعدها الشعبية دون أن تفقد مصداقيتها؟
حزب الله اللبناني يقدم مثالاً آخر على هذا التحدي. فرغم تاريخ حاضنته المعقّد مع بعض الفصائل الفلسطينية، خاصة خلال “حرب المخيمات” في الثمانينيات، نجد الحزب اليوم في صف واحد مع هذه الفصائل في مواجهة الكيان الصهيوني، إضافة إلى أنّ الدماء التي سالت من حماس وحزب الله في معارك في سوريا تكاد ألّا تكون جفّت، لكنّ الحزب بذل أغلى ما لديه في سبيل ألّا تكسر حركة حماس. ورغم ذلك هذا التحول لم يكن سهلاً ولم يحدث بين ليلة وضحاها. لقد استغرق الأمر سنوات من بناء الثقة وإعادة تعريف الأولويات المشتركة.
إضافة إلى أمثلة أخرى كثيرة على مستوى الدول، من احتضان سوريّا حركات المقاومة العراقية زمنًا، بعد أن شاركت سوريّا في الحصار على العراق، والدور الإيرانيّ في تحجيم النفوذ الأمريكي في العراق، بل ورفض إيران أن تكون بوّابة من بوّابات الهجوم على العراق في 2003، وائتمان نظام صدّام خصمه التاريخي إيران على طائراته.
في ضوء هذه الأمثلة، يتضح أن العملانية في سياق حركات المقاومة في بلادنا العربية ليست مجرد خيار، بل ضرورة استراتيجية. إنها تمثل القدرة على قراءة المشهد السياسي المعقد للتقدم نحو الأهداف الاستراتيجية. فعلى سبيل المثال، قد تستغل حركة مقاومة تغيرًا في التوازنات الإقليمية لفتح قنوات دبلوماسية جديدة، أو قد تستفيد من تطورات تكنولوجية لتطوير أساليب مقاومة غير تقليدية.
ومع استمرار تطور الصراعات في المنطقة، سيكون من الضروري لحركات المقاومة أن تطور آليات أكثر شفافية لشرح تحولاتها الاستراتيجية لقواعدها الشعبية. قد يتطلب هذا تطوير خطاب سياسي أكثر تعقيدًا يمكنه الموازنة بين الثبات على المبادئ والمرونة في التكتيكات. كما قد يستلزم الأمر استثمارًا أكبر في التعليم السياسي لكوادر الحركة وأنصارها، لتمكينهم من فهم تعقيدات السياسة الإقليمية والدولية.
قد يكون نجاح حركات المقاومة في تحقيق أهدافها مرهونًا بقدرتها على الاستمرار في هذا التوازن الدقيق بين العملانية والمبدئية. فالتحدي الحقيقي ليس فقط في اتخاذ قرارات عملانية، بل في القدرة على تبرير هذه القرارات وشرحها بطريقة تحافظ على التماسك الداخلي للحركة وتعزز شرعيتها في نظر مؤيديها والرأي العام. إذًا لا بدّ من تجاوز العمى الدوغمائي وأيدلوجيا الكراهيّة من قبل كلّ الأطراف، والتركيز على الأهداف الكبيرة في الخطاب السياسيّ، لا سيّما في ظلّ امتلاك المواطنين العاديين منصّات للتعبير عن آرائهم بصورة مربكة لقيادات الحركات التي يؤيّدونها، قد تكون هذه القدرة على الموازنة بين المرونة والثبات هي ما يميز الحركات القادرة على البقاء والتأثير عن تلك التي ستتلاشى في خضم التغيرات المتسارعة.
