لو اطّلعت على قريته البازوريّة من قضاء صور، حيث كلّ من في البلد يعرف كلّ من في البلد، بأسمائهم وصفاتهم وصلاتهم الأسريّة، أو لو اطّلعت على مكان ميلاده وصباه في برج حمّود، حيث تتجاور الكراجات والمحلّات الصناعيّة مع السكن الشعبيّ، واطّلعت عليه فيها أخًا أكبر بين عشرة أبناء، لقلت: سيكبر هذا الشاب، وإذا كان ناجحًا سيكفي نفسه أن يطلبه الناس المال، وربّما يعمل في وظيفة مملّة أو يفتح محلًّا ما، ويساعد أهله بشيء مما يسدّ الرمق.

لكنّ هذا الشابّ النحيل آنئذ، كان يملك 22 عامًا فقط عندما انخرط في صفوف المقــاومة، إبّان اجتياح بيروت في 82 على يد الكيان مساندًا بأوّل “جيش حرّ” في منطقتنا: قوّات لحد العميلة، ثمّ انتقل ليكون مؤسسا في حزبه المقــاوم الجديد، فقائدًا لشعبة فمنطقة، وما إن أتمّ 10 سنوات في هذا التنظيم حتّى أصبح أمينه العامّ بعد اغتيال سلفه ومعلّمه، وخلال تلك السنين تمكّن حزبه من التحالف مع جارتهم الكبرى سوريّا، وتمكّن من تحصيل الدعم من دولة كبرى في الإقليم “إيران”، وتمكّن من المساهمة بطرد المحتلّ من بيروت، ثمّ من الجنوب كلّه باستثناء “مزارع شبعا” في عام 2000، ثمّ تمكّن من إلحاق هزيمة نكراء بعدوّه في 2006، وتمكّن بعدها من دعم العراقيين في ملاحقة الاحتلال المباشر، وبعدها اضطرّ إلى أن يساهم في حماية سوريّا من الفصائل التي استخدمت ضدّ سوريّا أساليب اخترعها حزبه لتستعمل المحتلّ الصهيونيّ، فانقلبت عليه وتحالفت مع “داعــش” وأمريكا، ثمّ صار لدى حزبه من القدرات ما ليس لأيّ مقاومة شعبيّة على وجه الأرض.
إنّ هذا الشاب من برج حمّود أمسك بخناق التاريخ، وشدّه من ياقته حتّى مزّقها، وتعارك مع أعتى قوّة احتلالية في العالم، ومع أكبر إمبراطوريّات الشرّ في تاريخ الأرض المدوّن، ومع أخسّ أدواتها من دولٍ وحركات، ورسم مسيرة مشرّفة في التآخي بين حركات المقاومة، حتّى أنّه عفا وصفح وناصر بالدم الغالي من خانوه لبضع سنين خلت، ورثاهم بعد ذلك كمن يرثي أباه أو أخاه.
وفي الوقت ذاته وخلال هذه المسيرة الحافلة، التي تعهّد فيها تحويل مجموعة من مجموعات المقاومة في إطار محلّيّ ضيّق، لتكون مؤسسة قائمة كاد أن يصحّ فيها قول إنّها هي المقاومة، خلال كلّ ذلك، كان أبًا وأخًا وزوجًا وجدًّا ومربّيًا ومعلّما وملهمًا لجيلين على الأقل نشؤوا وهم يتسمّرون أمام خطاباته ويتعلّمون منه السماحة والفصاحة والصدق، ومدرّبًا لجيلين من المقاتلين والساسة والقادة.
عدد الطلعات الجوّيّة التي نفّذت ضدّ بلده كان من الأكثف في التاريخ، ويشكّ العسكريّون في أن يكون هذا صنيعة هذه القاعدة العسكريّة المتطرّفة دينيّا، الشركة، التي تسمّى “إسرائيل”، بل ويجزم كثير منهم أنّ الدعم الأمريكيّ تجاوز الذخيرة، إلى توفير المطارات، ومنصّات الصواريخ من بوارج في البحر. وألقي على المكان الذي كان يتحصّن فيه من استخبارات العدوّ أكثر من 80 طنًّا من القذائف حتّى مسحت البقعة السكنيّة بكل من فيها.
لذلك فقط، كان حتّى أهل تلك المنطقة يسألون أوّلًا عن السيّد، قبل أن يسألوا عن أخ أو أب أو أم أو زوج استشهد لهم. هل عرف أي قائد سياسيّ في العالم مثل هذا الحبّ، أن يبدّيك الناس، حتّى من الذين لم يكونوا أتباعًا لك على أهلهم؟ لا والله، إنّ هذه خاصّة بالأنبياء، وربّما تكون كرامة لأبنائهم! ولا نعرف أنّ لأحد في العالم شرف أنّه إذا استشهد يكون ما ألقي عليه من قذائف كافيًا ليزيل جبلا من مكانه.
هذا الشيخ الجليل الهادئ الذي كان يكنّى “أبا هادي”، يخرج في وقت استشهاده مأبون صدّق كذبات محتلّه عن “نضال” مزعوم مع “جيش حرّ” آخر خرج ضدّ دولته التي كانت قصّة نجاح عالميّة في اقتصادها وتعليمها وطبابتها وفي مقاومتها الصفقات المذلّة، تحدوه آلة إعلاميّة لجبة، عرمرميّة الحجم، ميزانيّات أيّ من قنواتها من مال النفط والغاز المسروقين تفوق ميزانية دول كبيرة في المنطقة، كانت منذ بدأت صوت التطبيع العربيّ وحاملته التي أدخلت أفخاي أذرعي إلى غرف نوم جمهورها البليد، حتّى صاروا يردّدون ما يقول كالمغيّبين، متّفقين مع فصائل الإرهاب التي كانت تتغنّى منذ اللحظة الأولى بدعمها للكيان ودعم الكيان لها، يخرج هذا المأبون ليرقص ويشتم الشهيد!
إنّ جُلّ أهل هذه المنطقة بكسلهم المعرفيّ، وجبن ضمائرهم وخسّتها، وبطائفيّتهم القذرة، استحقّوا بالفعل ما يحاك لهم، وما يحيق بهم، فوالله إنّهم بلغوا في الواعي منهم أنّه كاد أن يقول: لأن أقاتلنّ عن شرفي فأقتل، خير لي من أن أجادلهم بالحسنى لأستنهض منهم عزمًا معدومًا أو شرفًا لم يولد بعد أو حتّى حمّيّة طبيعيّة كانت للجاهليّ، فلم يفعل إسلامهم بهم إلّا أن قتل فيهم هذه الحميّة، فحوّلهم قطعانًا تُعلف وتسمّن ليوم الذبح القريب.
والله إنّي أرانا نؤخذ بجريرة خطيئة هذا المجتمع المريض، فيفعل فينا ما يفعل، ثمّ لا يكون للرجل الحقيقيّ فينا سوى أن يموت دون شرفه وأرضه، لكن من أين لنا عزيمة مثل عزيمة هذا الرجل ورفاقه؟ أين منّا الذين داسوا في حلق التاريخ المستغلق، وخرّقوا بصواريخهم انسداد الأفق السياسيّ، وفتحوا بوّابة الجحيم على عدوّهم؟ ونحن نفشل حتّى في تعليم أبنائنا لغتنا! ونفشل في التخفيف عن إخوتنا وهم يبادون! بل ونرى أيدٍ تمتدّ من بين ظهرانينا فتعين المحتلّ وتفتح له متنفّسًا في التجارة والمعلومات الاستخباريّة، فلا نعضّها ولا نسمّيها ولا نقطعها!
إنّنا يناط بنا أن نحمي الأرض المتبقّية من أن يغزوها المحتلّ ليحقّق أساطيره بأساطيله، وأن نحرّر ما أخذ منها بالقوة الغاشمة، فنفشل أن نحرّك أصابع من يقتنع بكلامنا ليغادر موقعًا غدا صهيونيًّا بالكامل، نقول له: “إنّ غي روزن هو مدير الأمن المعلوماتيّ في شركة ميتا صهيونيّ مقيم في ما يسمّى “تل أبيب”، وهو سيستخدم كلّ معلومة هنا ليصنّف ويستهدف، فإن لم يجد فيك خام العمالة، فأنت ستكون هدفًا للعملاء من حولك!” فلا يزيد على أن ينصحنا بألّا نترك الساحة لأصحاب الخطاب القذر! وأيّ ساحة؟ ساحة ذلك التطبيق المنفصل عن الواقع، الغارق في التسلية والإعلانات.
أليس في سيرة هذا الشاب حفيد النبوّة، وحامل سيماها، وفارض برهانها، الذي يرعف لمرآه قلب الشيوعيّ والعلمانيّ والقوميّ والإسلاميّ والمسيحيّ، وكلّ قلب شريف غيور على وطنه، ما يدفعنا للحركة الحقيقية! أليس فينا من يبدأ جمع الناس حول فكرة تضع الوطن والكرامة أوّلًا لتكون معينا لجيوش بلادها إن دخلت الحرب، أو مصلحة لبلادها لتكون قادرة على دخولها وحسمها!
لقد استطاع هذا السيّد أن يؤلّف بين القلوب التي يعمل كلّ العالم على تأليبها ضدّ بعضها، فنقض غزل أمريكا في نفوس من تعصّب من أهل مذهبه، واستطاع أن يجمع من قلوب أهل المذاهب الأخرى التي أفسدها الإعلام الكاذب والوعظ الدنيء الخسيس، فميزانية هذه الفتنة التي أطفأها الرجل مرارًا بلغت أكثر من 100 مليار دولار، أتى أكثرها من دولة تعدّ أهل مذهبه مواطنين من الدرجة الثالثة، وجمع حوله القوميّ السوريّ والقوميّ العربيّ والمسيحيّ الوطنيّ والشيوعيّ والدرزيّ والسنّيّ. فبأيّ شيء فعل هذا؟ بحبّه الصادق ولسانه العفيف وعقله الراجح. أفلا نستطيع نحن نفعل شيئًا! نرى رجلا زحزح الجبال واستشهد كأنّه جبل، ثمّ نعجز أن نحرّك حصاة من مكانها!
أقول لك على لسان هذا الشهيد العظيم: قم فأصلح شأنك وشأن مجتمعك ودعك من البكاء عليّ، فوالله ما أتاني شيء أكرهه!
السيّد الشهيد حسن نصر الله ورفاق دربه الذين استشهدوا خلال دفاعهم موحدين مفردين عن غزّة وأهلها، لا نقول إلّا ما يرضي إلهًا عشت تتقيه وتعبده: رحمك الله، ورحّبت بك ملائكته وجدّك في جنّات الخلد، ورزقنا من الإرادة والفعل أن نساهم بكسر ضئيل ممّا حقّقته. إلى رحمة من الله ورضوان!
