تاريخ الفِرَق الإسلاميّة

أختصر الآن ما أوردته في كتاب سابق (تجد رابط الكتاب أسفل المقال)، بطريقة ميسّرة، أتمنّى أن تكون سببًا في انحسار منسوب الطائفيّة لدى الناس، بعد أن يعيَ القارئ الأمر، وربّما يذهب ويتأكّد منه، ثمّ يحدّث به من حوله.

التقسيم الحقيقيّ للمسلمين كان إلى أربع طوائف رئيسة ونصف، والأصل أن أقول خمسة، لكنّ الخامسة ليس لها أثر كبير في تاريخنا وسيأتيك خبرها.



الطوائف الإسلاميّة بترتيبها الزمنيّ حسب قراءتي هي:
– أهل البيت: وهي الطائفة الّتي تضمّ من التحق بأهل البيت وناصرهم في نضالهم على مرّ التاريخ الإسلامي، واعتقد بأنّهم مناط الإلهام الإلهيّ في القيادة، وهم أسباط الرسالة واستمرارها الحقيقي. وفيهم: الجعفرية الإثنا عشرية، والعلويّة، والفاطميّة-الإسماعيليّة.
.
– أهل الرواية (الحديث): وهم الذين التحقوا بالأمويّين وعملوا على رواية الأحاديث واستعمالها كأنّها جزء من الوحي، بل وهي ناسخة للوحي أحيانا من جهة الحكم، وجلّها من الرواة وأشهرهم أبو هريرة، ومن سار على نهجه ممن كانوا أقرب للرواة أو “الحكواتيّة”، ولم يكن لهم منهج واضح في البداية، لكنّهم الجدود المعرفيّون للسلفيّة المعاصرة.
.
– أهل النصّ: وهم نصف الطائفة التي أعني، وهؤلاء كانوا في البداية قوام الخوارج، والذين التزموا ظاهر نصّ القرآن، وتشمل الطائفة فرقا متباعدة: الخوارج، والإباضية-الأزارقة، وأحدى التطويرات الحديثة له: المذهب الظاهريّ في الفقه (مع أخذه بالسنّة)، ويمكن ضمّ القرآنيين حديثا تحت هذا التصنيف، رغم كونهم أخذوا بالقياس والتأويل وهذا فرق كبير بينهم وبين أسلافهم المعرفيّين. لم أحسبهم طائفة كاملة لانحسار أثرهم معرفيا وشعبيّا.
.

– أهل العقل: وهي الطائفة الّتي تضمّ المعتزلة والزيدية (والزيدية قريبة من أهل البيت أيضا)، وهي حركة فلسفية جدليّة تضمّ كبار متكلّمة المسلمين كالجاحظ والنظّام وسواهم، وهؤلاء رأوا أنّ استمرار الرسالة الحقيقيّ يكون بفهم منطقها ثمّ القياس عليه والتحسين والتقبيح العقليّ. وهي الطائفة تصدّت لتقعيد الإسلام وتحويله إلى نظام عقديّ بعد أن كان مجرّد حركة اجتماعيّة سياسيّة. وقد أبيدوا على يد الفرقة التي ستتلوهم.
.
– أهل العُرف: وهم أغلب أهل الإسلام اليوم، واسمهم الشائع “أهل السنة والجماعة”، وهم اعتمدوا نظام السوابق القضائية في الفقه، فباتت الفتوى السابقة نوعا من التشريع، ورأوا أنّ الإسلام محفوظ في جماعة المسلمين، وأهمّ أقسامهم الأشاعرة والماتريدية وأغلب الصوفيّة يقعون داخل هذا التصنيف رغم عدم وضوح ذلك من أوّل نظرة (يمكن فصل الصوفية لأن نقول إنهم أهل العرفان لكنّني لست مع ذلك فهم تاريخيّا ضمن أهل السنة والجماعة).
.
الثأريّة المشهورة هي بين شيعة أهل البيت وشيعة بني أميّة أي بين أهل البيت وأهل الحديث، والسنة في الأصل أقرب لأهل البيت منهم لأهل الحديث.
.
لاحظ أنّ كلّ جماعة نشأت بسبب سياق تاريخي متعلّق بالحكم، باستثناء المعتزلة التي جاء منشؤها من الاحتكاك بالفلاسفة البيزنطيين وتراثهم والترجمة والنقاش العقليّ. وإليك بيان ذلك سريعا:
.
أهل البيت – من رأوا أنّ عليًّا أحقّ بالخلافة من سواه.
أهل الحديث – من احتجّوا بالمرويّات لتبرير ممارسات بعض خلفاء بني أميّة وناصبوا أهل البيت العداء.
أهل النصّ – كانوا مع عليّ في البداية ثمّ خرجوا عليه فقاتلهم.
أهل العقل – حكموا لمدّة قصيرة عن طريق المأمون أي عن طريق إقناع الخليفة الذي اقتتل مع أخيه الأمين على الحكم.
أهل العرف – كانوا تلاميذ للمعتزلة لكنّهم انشقّوا عنهم، وهم أصحاب المذهب الذي ساد في أواخر الدولة العبّاسيّة.
.
أنت اليوم كمسلم أيًّا يكن انتماؤك لا ناقة لك ولا جمل في كلّ هذا، إلّا أن تفهمه فعلا فيستقرّ لك أنّ الجماعة الفلانيّة كانت على حقّ، بيد أنّ هذا لا يعني أنّ كلّ تلك الجماعة ينطبق عليها ما ينطبق على أمثل من فيهم.
.
القصد أنّ كلّ جماعة كان فيها الجيّد والسيّئ، وكلّها آراء ضمن الحوض الحضاريّ لدعوة الإسلام، حتّى إنّ عليًّا بذاته كان يرفض تكفير الخوارج، الذين قتله أشقاهم ابن ملجم عليه لعنات الله المتتابعة إلى يوم الدين.
.
نحو 1500 سنة من التاريخ الحيّ المتحرّك لا يمكن اختصاره بحكم قطعيّ تتفوّه به بسبب جهلك. اربط حميرك، وانظر لكلّ المسلمين بكونهم إخوتك، بل وكلّ العرب وأهل المنطقة المتضرّرين من سرطان الكيان على أنّهم كيان حضاريّ واحد تدافع عنه.
.
ولذلك فإنّ أيّ شخص ينبش جثث التاريخ ليصرفك عن الانتصار لدم أخيك، فهو صهـ.ـيونيّ صرف لا عروبة فيه ولا إسلام ولا شرف.

رابط الكتاب : الدين العربيّ