قول منجميّ في مسألة الإرادة الحرّة

تفترض هذه المقالة أنك مطّلع على جدل الإرادة الحرة حديثا وما بني عليه من آراء من الفريقين.
قبل أن نبدأ
من الواضح في العنوان أنّني نكّرت كلمة قول، ولم أسمّه القول المنجميّ، فالمنجميّة تقبل أن يكون ثمّة أقوال مختلفة في النتيجة طالما التزمت الطريقة، وهنا يظهر أوّل الأسئلة: هل يمكن أن نلتزم المنهج ذاته فنخرج بنتيجتين مختلفتين أو أكثر؟ إنّ هذا في الحقيقة بمطلقه ممكن، وعليه مئات الشواهد من البحوث العلميّة التي التزمت منهج البحث العلميّ فخرجت بنتائج مختلفة، فماذا عن التزام منهجيّة ذهنيّة في أمر فلسفيّ؟ وهل يمكن أن تنتج نتيجتين؟


انظر مثلا إلى فقهاء القانون، وانظر إلى فقهاء الشريعة وسترى أقوالا مختلفة داخل المذهب (المنهج) الواحد، فإذا لم تكن ترى المسألة في ذاتها أصلا فلسفيًّا، فمن المعقول جدًّا أن تتعدّد الأقوال. إذن، هو “قول” منجميّ، ولا أدّعي أنه قاطع، أو أنّه القول الوحيد، رغم أنّني سأستنفد جهدي في أن يكون في أحسن صورة، علما بأنّ المنجميّة تؤكّد أنّ الأسئلة في ذاتها أهمّ من الإجابات.
السؤال بصيغته الأوّليّة: هل الإنسان يختار أفعاله؟
اتّضح أنّ هذا السؤال لم يتطوّر كثيرا منذ أقدم نقطة في التاريخ البشريّ المدوّن، وهذا يعني أنّ السؤال في ذاته مصمت، أي إنّه لم يكن فاتحة لتطوير مجالات جديدة، فلا هو جرى حسمه، ولا تفتّق عن أسئلة مشتقّة منه حتّى وقت قريب. مؤخّرًا فقط، تعلّقت به بحوث عصبيّة جاءت من سلسلة أخرى من الأسئلة، وبدأ البحث دماغيًّا وعصبيًّا في هذا الاتّجاه، لكنّ الأسئلة الجديدة مع وجود إجابات لها لم تحسم الجدل، هي فقط غيّرت مكانه لا أكثر.
إذن، من وجهة نظر منجميّة يمكن القول: إنّ الأرض هذه لا يبدو أنّ فيها عرقَ معدن معرفيٍّ ثمين يمكن التنقيب عنه، وهذا قد يكون كافيًا لغضّ الطرف عنه، لولا أنّه يمكن تحوير السؤال ليكون منتجًا بصورة أو أخرى.
السؤال المشتقّ: هل يمكن توقّع خيار الإنسان بكفاءة كاملة قبل أن يختاره؟
يبدو أنّ هذه هي الحالة الوحيدة التي ستحسم الجدل فعليًّا، فإذا استطعت معرفة خيارات الإنسان قبل أن يختارها بدقّة كاملة سيكون من العبث ادّعاء وجود إرادة بشريّة حرّة.
فهل ثمّة ما يمكن تفتيقه معرفيًّا من سؤال مثل هذا؟ ربّما نقول: وكيف يمكن توقّع سلوك الإنسان وخياراته بصورة كاملة؟ هل نعتمد على الخوارزميات مثلا؟ أقصد مثل تلك الخوارزميات التي أدّت _كما يزعم الإعلام الغربيّ_ إلى فوز الرئيس ترامب في المرّة الأولى. لكنّ هذا في الحقيقة كان تسييرا لجماعة بشريّة، وتكييفا للدعاية التي تتعمّد التأثير في السلوك فهي ليست توقّعًا.
ربّما نقول: هل يمكن نسخ الوعي البشريّ إلى صورة افتراضيّة، وتسريع الزمن عندها، أو نضعها في سيناريو مطابق للواقع لكي نعرف خيار الإنسان قبل أن يختاره؟ وهنا أتحدّث عن خيارات مركّبة تحتاج وعيا، لا الاتّكاء على الاحتمالات والخيارات المشابهة بعد الدراسة في فحوص بسيطة مثل اكبس على الزر الأزرق أو الأحمر. حسن يبدو هذا السؤال أكثر فائدة، فهو يفتح مشكلات جديدة: هل عند نسخ الوعي _بافتراض إمكانيّة ذلك_ سيكون فعلا ثمّة نسختان من الوعي أم أنّها ستكون محاكاة للوعي؟
خلال الإجابة عن هذا السؤال ربّما سندرك أنّ الوعي الذي وقع عليه الاستنساخ لن يستمرّ، فالإنسان الذي جرى استنساخ وعيه مرّ بتجربة فريدة لن تمرّ بها نسخته، وهي أن يرى نسخة منه. حينها، سيكون من المثير تعريض النسخة إلى تجربة مماثلة في أن تقابل نسخة أخرى منها، لنستعيد التطابق بين النسختين، لكن حينها سيكون ثمة فرق آخر بين النسختين الأصلية والأولى، فالأولى مرّت بتجربة أن تكون نسخة والوعي الأصليّ لم يمرّ بمثل هذه التجربة، وبهذا هم وعيان غير متطابقين، ولذلك لن يكون التوقّع للمستقبل دقيقا بسبب أنّ الوعيان لم ينفصلا حسب، بل واختلفا في تجربتهما حتّى باتا وعيين مختلفين.
أي إنّ هذا السؤال، حتّى لو حدثت كل الافتراضات الجدليّة لبزوغه على ساحة الواقع، فهو لن يكون سؤالا قابلا للحسم، لكنّه بالتأكيد تجربة ذهنية مثيرة، قد نستخلص منها أمورًا أخرى وأسئلة مثيرة أخرى.
حسن هل من دروس نفيد منها هنا؟ هل نقول مثلا إنّ تجربة الوعي تجربة ذاتية لا يمكن استنساخها نظريًّا؟ هل من إجابات لمعاضل أخلاقية أو فتح لمجالات معرفيّة جديدة يمكن الوصول إليها من خلال الحفر في مثل هذا السؤال أو هذه التجربة؟
حسن، هل يمكن الحكم على هذا البحث من مؤدّاه مهما يكن هذا المؤدّى؟ أي لنفترض أنّنا وصلنا لقناعة تقول إنّ سلوك الإنسان يمكن توقّعه توقّعا كامل الدقّة، فماذا سيعني هذا؟ هل سنكفّ عن إلحاق العقوبة الجرميّة بالمجرم لأننا عرفنا أنّ سلوكه هذا حتميّ؟ أم ربّما سنعاقبه بناء على التوقّعات التي نؤمن بكونها دقيقة بصورة كاملة قبل أن يرتكب الجرم؟ أم الأفضل أن نجنّبه الموقف الذي نعرف أنّه سيسلك فيه سلوكا جانحًا؟
بمراجعة آراء الحتميّين القائلين إنّ الإرادة الحرّة وهم، نجد أنّهم لم يجاوزوا فكرة وجود نظرة مختلفة وراء نظام العدالة غالبا، ولم يقولوا بإلغائه مثلا. ولم يطالبوا بحبس الإنسان قبل وقوع الجريمة… إلخ.
حسنٌ، أليست هذه الخيارات حول من نعاقب ومتى نعاقب هي خيارات نختارها نحن؟ أولسنا نحن أيضا واقعين في النظرة الحتمية من جهة كوننا بشرا! إذن، فما الذي سيضيفه لنا هذا كلّه؟ أليس هذا طريقا مسدودًا آخر نواجهه في هذه المعضلة!
ولكن في الحقيقة ثمّة فوائد جمّة تقع في منطقة أخرى من هذه الحفريّة، كمن يحفر منجما ثم لا يجد المادّة التي يبحث عنها لكنّه يستفيد من الحفريّة في طمر النفايات مثلا، أو في إجراء تجارب في باطن الأرض، أو على الأقل يسقط في منجمه أحد الوحوش الذي كان سيعرّض الناس إلى أذى ما. فهل حدث شيء كهذا؟
رأينا كيف أنّ القائلين بحتميّة السلوك البشريّ لم يبنوا على أقوالهم تلك شيئا منفصلا أو مختلفا عن ما بناه القائلون بالإرادة الحرّة، بل أبقوا على فكرة مسؤولية الإنسان عن أفعاله من جهة المحاسبة القانونية، داعين فقط إلى إزاحة الوصمة الاجتماعية لتسهيل الإصلاح والتهذيب والتوبة وقبول الفرد الجانح في المجتمع بعد إعادة تأهيله، وهذا سبقهم إليه أناس ينادون بالإرادة الحرّة، وليس في هذه الدعوة شيء مختلف عن دعواهم إلّا الأساس الذي بنيت عليه، ولعلّ أساس غير الحتميّين في هذا أمتن من أساس الحتميّين.
ربّما تكون النتيجة الوحيدة المتمايزة لهذا كلّه أنّ الإنسان إذا صدّق بأن شعوره بالإرادة الحرّة مجرّد وهم، فهو لن يشعر بالندم على خياراته السابقة، فهل في هذا خير محتمل؟ وهنا نأتي على فكرة مهمّة، وهي هل للندم فائدة نتوخّاها، وهل له آثار سلبيّة نتوقّاها؟
نحن نعلم أنّ الندم ليس شعورًا جميلًا، ولكنّ ذهابه يعني ضمن ما يعنيه ذهاب الشعور بتجربة معاكسة له، وهي الفرح أو الرضا باختيارك الخيار الجيّد، وهذه سلبيّة كبيرة لهذا الاعتقاد! هل يمكننا العيش معها؟ ألن تصبح التجربة الإنسانية مسطّحة مملّة في ظلّ هذا الاعتقاد؟ إذن، هذا مؤدّى حريّ بنا أن نتجنّبه أيضًا.
التحرّر من الندم والرضا بصورة تامّة هو بحث عن ماذا بالضبط؟ هل هو بحث عن “تحرّر”، فإن لم يكن ثمّة حريّة أصلا بسبب أنه لا يوجد إرادة، فما هو المعنى للبحث عن التحرّر؟ أنت هنا ستعتقد أن شعورك بالحريّة وهم، من أجل أن تمارس حريّة أخرى هي وهم في حدّ ذاتها باعترافك الأوّل.
ثمّ إنّنا إن سلّمنا أنّه في أغلب الحيوات الفرديّة المرصودة يمكن الادّعاء بعدم وجود إرادة لحظيّة حرّة كما يزعم الحتميّون، فهل يمكن مدّ الخطّ على طوله، والادّعاء بعدم وجود إرادة حرّة مركّبة على مدى طويل من الزمن، إذا أخذنا بعين الاعتبار فكرة التغذية الراجعة، والدورة الذهنية اللازمة لإتمام سلوك فيه خيارات مركّبة؟ في الحقيقة أميل إلى أنّ ذلك مستحيل.
وفوق هذا، فإذا كنا في الفيزياء نواجه “مشكلة الأجسام الثلاثة”، وكيف يتحوّل توقّع تفاعل ثلاثة أجسام إلى كابوس ذهنيّ، فإذا كنّا نقبل أن “درجة الحريّة” (وهذا مفهوم ميكانيكي بحت) التي يتمتّع بها ميكانيكية ما أو آلة ما تتضاعف بوجود مفصلين أو أكثر ذوات حركات مرتبطة، فكيف لا نفهم أنّ درجة حرّيّة الإنسان تزيد كلّما كانت الخيارات مركّبة! هذا يبدو واضحًا جدًّا، ولذلك فلا معنى من مدّ الخطّ على طوله في ما يخصّ حياة إنسان على مدى عمر كامل. هذا دون ذكر عدم التحديد الكامن في الكون على المستوى الكمومي والذي هو جزء من وجودنا.
كذلك، وهذا هو الأهمّ، فإنّ مدّ الخطّ على طوله فيما يخصّ حياة مجتمعات بأكملها يغدو نوعًا من الهرطقة، فهذا تفاعل لمجموعة من الأنظمة التي تعاني أصلا من معضلة الأجسام الثلاثة، أو الأجسام المليون إن شئت! وهكذا فإنّه من المبرّر أن نعتقد أنّ أي بناء على تجربة حدثت على نطاق ضيّق حول خيار غير مؤثّر ولحظيّ في الوقت نفسه، هو نوع من مغالطة المنحدر الزلق، والتعميم المتسرّع في الآن نفسه.
هذه المقالة هي رحلة ذهنية استكشافية لهذه الأرض، وما نتوقّع أن نجد فيها من مادّة ثريّة، ونلاحظ أنّه إن كان من فائدة لطرح مثل هذا البحث، فهي مقتصرة على ما نمرّن عليه أذهاننا، وما نتعلّمه من مفاهيم أخرى، أي إنّ لهذا السؤال في الحقيقة قيمة تعلّميّة عظيمة، لكنّه في الوقت ذاته لم يزل سؤالا مصمتا لا يمكن الإجابة عنه إجابة شافية نهائية.
يمكن أيضًا أن يفتح أبوابا للتعلّم عن دور العشوائية المفروضة على الذكاء الاصطناعيّ في جعلنا نحسّ أنّه أقرب للبشر، ويمكن أن يفتح أبوابا في مجال الثيولوجيا والأديان، فصورة الزمن ستختلف لديك بعد أن تجيب عن سؤال مثل: كيف يعلم الله أنّني سأرتكب جريمة ما ثم يتركني أرتكبها؟ ألا يكون مجرما بالامتناع حينها! أي إنّه سيفتح أبوابًا تتعلّق بفكرة الاتّساق الفلسفيّ.
أخيرا، بالرغم من هذه الفوائد، بل بسببها، وبسبب ما قدّمنا من تاريخ هذا السؤال، وطريقة التعامل مع الإجابات الجزئية حوله، فإنّ بقاء هذا السؤال مطروحًا أمر في حدّ ذاته جميل كتدريب ذهني، لكنّه كلعبة الشطرنج، أنت تلعبها وتعرف أنّ الفوز أو الخسارة فيها هو فوز أو خسارة في لعبة اخترعناها نحن، ونحن من جعلها ممتعة بطريقة لعبنا، فهي ليست أكثر من ذلك على ما يبدو.