في العربيّة تؤدّي الجملتان: أنا أتّبع فلانًا، وفلان قائدي، معنى إجماليًّا واحدًا، فإن كنت تتّبع محمّدًا بن عبد الله نبيّ الإسلام، فأنت تراه قائدك لا ريب. وهذا القائد الفذّ كان قبل النبوّة قد قدّم لحمًا لأحد الموحّدين، فرفض الرجل الصالح مائدته، وأفضى إليه أنّه لا يأكل من طعام ذبح لصنم، ثمّ لمّا دانت له العرب ذكر ذلك لأصحابه ورووه لنا دون حرج.
بل وإنّه قد بلغنا من طريق النبيّ وصحابته وتابعيهم أنّه ترك في ركبة عمرو بن هشام ندبة إذ تعاركا على مائدة لأحد أشراف قريش، وهذه المائدة قدّمت في مكّة هديًا للأصنام التي كان المسلمون يحاربونها، لكنّهم لم يجدوا حرجا في أن يرووا لنا هذه الحادثة ومثيلاتها.
إنّني لا أورد هذه الأخبار التي أوردها شيوخ الإسلام لأنّني أراها تسيء له، فهي وغيرها من أخباره، التي لا يتقبّلها اليوم كثير ممّن يدّعون اتّباعه، ترفعه في قلبي ولا تنتقص من قدره في شيء، بل ويتضاعف أثرها بأنّها رويت من طريق حملة الرسالة لا من طريق أعدائهم.
إنّهم يتّبعون رجلًا حقيقيًّا يرونه بينهم قد يعرفون أمّه وأباه وقد يكونوا شهدوه فتى، ويشيرون عليه في بعض الأمور، ومنهم من اجتهد في أمور كان الرسول أقرّها فألغاها هو، ومنهم من أسكت الرواة زمنا غير قصير، لذلك فالإسلام كان في يوم ما نتيجة لقيادة اؤلئك جميعا، وهو اليوم نتيجة لقيادة كلّ أسلافنا الذين حملوا الرسالة وأوصلوها لنا، إنّه رغم اكتماله دينا في عهد الرسالة لم يزل ينمو ويفتّق أحكامًا حتّى عهد قريب.
ثمّ جاء الجمود والتقييد وتحكّم العامّة وذوقها فيما يصلح أن يقال وما لا يصلح أن يقال فيه، حتّى تحوّل في كثير منه إلى ديانة طقوسيّة وجمود عرفيّ ودوغما عقديّة، أزعم أنّ أيًّا من رجال عهد الرسالة الأوّل كان لا يرضاها ولو من باب المروءة لا غضبا لأمر السماء.
إنّ محمّدًا الذي نتّبع كان قائدًا فريدًا يعرفه من تتبّع أخباره، ومن قرأ القرآن عالمًا بأسباب نزوله ملمًّا بلغة العرب، ولا يعرفه الأجلاف الذين تكاد أخلاقهم تقول: عنزة ولو طارت. هؤلاء يحاربون الإسلام باسم الإسلام، وهو بريء منهم.
قائد العرب محمّد عليه صلاة الله وسلامه كان قائدًا لقبائل كثيرة، ومنها من لم يكن يدين بدينه أوّل الأمر، وكان يعلم أنّ في المدينة منافقين لا يعلمهم مردوا على النفاق، لكنّه كان يعامل الناس بما ظهر من أمرهم، ولا يتخرّص النوايا، وكان يشتري حسنات الرجال، فيدعوا بأن ينصره الله بعدوّه لعلمه بأنّه قائد، وكان يطالب الناس بعد المسالمة ويطالب من صدّق به بعهد الأمن (حقيقة الإسلام والإيمان لغويًّا) ويبذل لهم ذلك من طرفه، ولا يتخرّص النوايا ولو أخبره الله بها، ويصنع الأحلاف أكثر مما يصنع الأعداء.
هذا هو القائد الذي نتّبع، ولا نرى شيئا من أخلاقه الكريمة، والصدق والمكاشفة مع الآخرين في من يرفعون اسمه واسم رسالته راية حرب على أمّته، أقصد من أخّرت أخلاقهم الثأرية ودوغماهم العقائدية تطوّر الأمّة وجمّدت ضعفها وقدّست غير المقدّس في تاريخها، حتّى باتت صورة المصدّق برسالة محمّد في أذهاننا وأذهانهم صورة الفظّ غليظ القلب الذي لا يعرف سوى: كافر، جائز، غير جائز، شيخ الإسلام، طاهر، غير طاهر. حتّى بلغت فيهم الوقاحة أن يسيئوا صراحة وضمنا لقائدنا بحجّة أنّهم هم أتباعه حصرًا.
