مُتلازمة المُشاهد the spectator syndrome



في خضم الأحداث المأساوية والبطولية التي شهدتها ولم تزل تشهدها غزة، تبرز ظاهرة اجتماعية ونفسية معقدة في العالم العربي، أطلق عليها اسم “متلازمة المُشاهد”. بصفتي شخصا نشط في العمل العام مدّة من الزمن، ووقف في الشارع، وجدت نفسي أقارن بين خيالي عمن لا يتظاهرون عندما كنت في المظاهرات، وبين عدم خروجي للتظاهر، لأخرج بهذا المصطلح.

(لقد أوكلت مهمة صياغة المقال بناء على أفكاري للذكاء الاصطناعي ضمن تجربة لاستغلال الأدوات المعاصرة)

هذه المتلازمة تصف حالة الجماهير العربية التي تشعر بتعاطف وارتباط عاطفي وفكري ومصيري عميق مع الفلسطينيين في غزة، لكنها تجد نفسها في موقع المتفرج، غير قادرة أو حتى غير راغبة في اتخاذ إجراءات ملموسة للمساعدة. وهي ظاهرة تعكس تعقيدات السياسة والمجتمع في العالم العربي المعاصر.

خلال سنوات نشاطي، شهدت عن قرب كيف تحولت القضية الفلسطينية من محور مركزي للهوية العربية إلى ما يشبه العبء السياسي على العديد من الأنظمة العربية. هذا التحوّل، كما يشير المؤرخ رشيد خالدي، لم يكن عفويًا بل نتيجة لسياسات ممنهجة. فعدد من الحكومات العربية عمل ، عبر عقود، على فصل شعوبها عن المشاركة السياسية الفعالة، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

أتذكر بوضوح مشاهد القمع والاعتقالات التي كنا نواجهها في الشوارع. هذه الممارسات لم تكن مجرد ردود فعل عشوائية، بل جزءًا من استراتيجية أوسع للسيطرة السياسية. كما يقول مراقب سياسي غربي: “إن خطر الاعتقال والملاحقة الأمنية أصبح واقعًا يوميًا لأي ناشط عربي يحاول التحرك بفعالية لدعم القضية الفلسطينية”. هذا الواقع خلق حالة من “العجز المكتسب” لدى المواطن العربي العادي، مفهوم نفسي طوره مارتن سيليجمان، يصف كيف يتعلم الناس الشعور بالعجز في مواجهة الظروف القاسية.

اليوم، وأنا أشاهد ملايين العرب يعبرون عن تضامنهم مع غزة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أرى تجليًا واضحًا لما يسميه عالم الاجتماع مانويل كاستلز “وهم المشاركة”. هذا النشاط الرقمي، رغم كثافته، نادرًا ما يترجم إلى عمل ملموس على أرض الواقع. وهنا تبرز إشكالية ما يسميه لوك بولتانسكي “التعاطف عن بعد”، حيث يخلق التعرض المستمر لصور المعاناة عبر وسائل الإعلام حالة من التبلد العاطفي، بدلاً من تحفيز العمل الفعال.

هذه الظاهرة ترتبط أيضًا بمفهوم “الاغتراب السياسي” الذي طورته آنا فينيفتر. فالكثير من العرب يشعرون اليوم بالعجز أمام تعقيدات السياسة الدولية وموازين القوى الإقليمية. هذا الشعور يتفاقم مع غياب الخدمة العسكرية الإلزامية في العديد من الدول العربية، مما يجعل فكرة المشاركة الفعلية في الصراع أمرًا بعيد المنال وغريبًا عن الواقع اليومي للمواطن العربي العادي.

لكن ما يثير القلق حقًا هو أن هذه الحالة من “العجز المكتسب” قد تمتد لتشمل حتى أولئك الذين كانوا في يوم من الأيام في قلب الحراك. أجد نفسي، كناشط سابق، أتساءل: هل أصبحت أنا أيضًا جزءًا من هذه المتلازمة؟ هل تحولت من فاعل إلى مجرد مُشاهد؟ هذه الأسئلة تدفعني إلى التفكير في كيفية كسر هذه الحلقة المفرغة من العجز والتبلد.

التحدي الحقيقي الذي نواجهه اليوم هو كيفية تحويل هذا التعاطف الهائل إلى عمل ملموس. وهنا أجد نفسي متفقًا مع ما يقترحه بعض النشطاء الرقميين حول ضرورة “استغلال التكنولوجيا لخلق منصات آمنة للعمل السياسي والمدني”. فالتكنولوجيا، رغم دورها في تعميق “متلازمة المُشاهد”، يمكن أن تكون أيضًا أداة لتجاوزها.

نحن بحاجة إلى تطوير آليات للعمل الجماعي المنظم الذي يحول التضامن إلى فعل حقيقي. حركات المقاطعة العالمية تقدم نموذجًا مثيرًا للاهتمام في هذا السياق، حيث نجحت في تحويل التضامن الشعبي إلى ضغط اقتصادي وأكاديمي ملموس. كما أن تطوير تطبيقات تسمح بالتبرع السريع والآمن يمكن أن يجعل “العطاء جزءًا سهلاً ومدمجًا في حياتنا اليومية”.

إن تجاوز “متلازمة المُشاهد” في العالم العربي يتطلب جهدًا متعدد الأبعاد. علينا مواجهة السياسات الحكومية المقيدة، وفي الوقت نفسه بناء قدرات المجتمع المدني للعمل بفعالية ضمن الظروف الراهنة. كما أن هناك حاجة ماسة لتطوير برامج تعليمية تعزز الوعي النقدي بالقضية الفلسطينية وتربطها بقضايا العدالة العالمية.

أجد نفسي أعود دائمًا إلى فكرة أن التغيير يبدأ من الداخل. وأن العبء الواقع على كاهل المنظمات المعنية من جمعيات وأحزاب بتطوير عملها وتجاوز أمراضها الطاردة للأفراد، فإنه يقع علينا أن نتحدى أنفسنا أولاً، وأن نكسر حاجز الخوف والعجز الذي بنيناه حول أنفسنا. “متلازمة المُشاهد” ليست قدرًا محتومًا، بل هي نتيجة لظروف يمكن تغييرها. وربما يكون الخطوة الأولى هي الاعتراف بوجودها، ومن ثم العمل بشكل جماعي على تجاوزها.

إن تحويل التعاطف إلى عمل فعال هو التحدي الأكبر الذي يواجه العالم العربي اليوم في تعامله مع قضية فلسطين وغيرها من القضايا المصيرية. وهو تحدٍ يتطلب منا إعادة النظر في أساليب نضالنا، وإيجاد طرق جديدة للتحرك تُحوّل المشاهدين إلى مشاركين فاعلين في صنع التغيير. فقط عندها يمكننا أن نأمل في كسر دائرة العجز والتبلّد، وأن نعيد للتضامن معناه الحقيقي كقوة فاعلة للتغيير.