الإنس والجنس

مع الجدل الذي يشيع على وسائل التواصل لا سيّما مع الهجمة الغربية على الملاكمة الجزائريّة إيمان خليف، ومع ما ينقله المتديّنون العرب عن الكنيسة الغربية منذ زمن إذ يرثون صراعاتها أكثر ممّا يرثون حلولها، تزامن الجدل مع انفلات الآلة العسكريّة على أهلنا في غزّة وفي جنوب لبنان، وكان ممّا شاع من الجدل سابقًا أن أكثر الناس اللغو في مسائل الذكورة والأنوثة والممارسات الشاذة (أعني الشاذّة إحصائيًّا وهي ليست شتيمة)، فقد رأيت أن أقول ما يجب قوله حول الجنس في الثقافة العربيّة، دون أن أغوص في الشواهد.

إن هذه المقالة إلّا طواف سريع حول ما كان يجب أن يقال بصراحة وبتوسّع منذ مدّة طويلة.


إذا كنت قارئًا للتاريخ العربيّ “الإسلاميّ”، فعلى الأغلب، أنت تعرف عن الغلاميّات، وهنّ لمن لا يعرفهنّ صنيعة زبيدة الهاشميّة والدة الأمين التي شقّ عليها حبّ ابنها للغلمان وهجره النساء، فأمرت بقصّ شعور الجواري، وشبّهتهم بالغلمان لعلّه يتعلّق بهنّ ويتركهم.

وإذا كنت قارئا للأدب العربيّ، فربّما تعرف أبا نواس، وتعرف أنّه برع في غرض شعريّ مشهور عند العرب، وهو غزل الغلمان. نعم، نعم، لقد كان ثمّة غرض شعريّ بهذا الاسم وقد أثّر في الشعر ككلّ.

وربّما لو كنت افتتنت بعلماء الدين الإسلاميّ تكون اطّلعت على بعض ما صنّفوا من كتب مثل “نواضر الأيك…” و”الوشاح…” للسيوطي، و”رجوع الشيخ إلى صباه” للتاشفيني، وكتب الشيخ النفزاوي، والجهشياري، وغيرهم… هو رفّ في المكتبة لا يمكن محوه بإعدام تلك الكتب، إذ هي مذكورة ومستشهد بها في كتب أخرى أكثر رصانة.

ولعلّك إن كنت قد قرأت عن سير الأفكار وعرفت نظرة العرب إلى فكرة التطوّر الّتي يراها كثير من المسلمين كفرا بواحا، تعرف أنّهم كانوا أقرب لنقاش داروين ولامارك، وربّما كانوا لاماركيين، أو كان لامارك ذاته أقرب للمدرسة العربيّة في هذا.

فإذا لم تكن قارئا، وكنت مهتمًّا بمجالس التراث الشفهيّ، ربّما سمعت قصصًا من قريتكم عن ممارسات يندى لها جبينك، ولا نستطيع ذكرها هنا، وهذه الممارسات غدت طرائف تقال في جلسات ليس فيها أطفال، تشمل الرجال وحدهم، والنساء وحدهنّ (ولو أنّ هذا أقلّ بسبب التحفّظ المجتمعيّ على إيذاء النساء في سمعتهنّ)، وتشمل البشر والحيوانات!

فإذا لم يكن لك ذلك، فربّما لاحظت المضامين الجنسيّة في قصص الأطفال، ولا أتحدّث هنا عن الغولة وقولها للشاطر حسن “مين رضع من بزيزاتي”، أو سوى ذلك من تعليم الأطفال للمفردات، بل عن ذنب الضبّ في قصّة حديدوان مثلا، وسواه من مضامين استعملت لتعليم الأطفال كلّ شيء في سياق قصصيّ خياليّ لم نعلم أنه أثار حفيظة أحد.

إنّ العارف بشروط الاجتماع البشريّ، يعلم علم اليقين أنّه لا يمكن أن يعيش مجتمع ويعمل وينتج ويكون في الوقت نفسه بالصورة المتخيّلة اليوم عن المجتمع الإسلاميّ في أذهان العامّة ومن لا يصدقون أنفسهم وجماهيرهم القول من المطّلعين، وأنّ هذه الصورة المتخيّلة لا تمتّ للواقع بصلة.

انظر مثلا إلى ما يتخيّله الناس اليوم عن التستّر والعفّة، وفي المقابل اقرأ طرفًا من أحكام الجواري والإماء، واقرأ مهور النساء، وخطبتهنّ الرجال بأنفسهنّ، وستعرف أنّ المجتمع العربيّ في العصور الإسلاميّة المتعاقبة كان أكثر تفهّمًا للنفس البشريّة وأكثر تصالحًأ مع الجنس من مجتمع وسائل التواصل بما لا يقاس.
.
لماذا أتّهم هذا المجتمع بالجهل وبعدم التصالح مع الطبيعة البشريّة؟ لأنّه في الحقيقة يظهر هذا الجهل في كلّ جانب، فتجد الناس هنا طٌبّعت مع صورة الذكر مفتول العضلات الذي يلبس “الألوان الذكورية”! _بالمناسبة، لعلّك لا تعلم أنّ الحنّاء عند العرب، واللون الورديّ عند الأوروبيين كانوا رموزًا للذكورة والبسالة في الحرب مثلا_ وصورة الأنثى التي تكاد تهفت من نعومتها ورقّتها _وبالمناسبة أيضًا فقد مرّ زمن طويل كانت الأنثى تمدح فيه بأنّها تأخذ حقّها كالرجال، وتستقبل الضيوف، وتجير من العدوّ، ويقال فيها إنّها كالرجال، وأخت لهم (مثيل لهم)، بل ويكثر مديح حسن وجه الرجل وتعامله الرقيق بأنّه كالبنت، ومن أشهر هذا المدح “أحيا من العذراء في خدرها”، ولا أريد أن أخبرك فيمن ورد هذا المدح_ نعم، لقد طبّع الناس مع هذه الصورة حتّى لم يعودوا يصدّقون ما تقوله أجسامهم لهم.

كل هذا تعليق على الجهل بالأمر، فما هو الأمر ذاته حتّى نتعلّمه؟ الأمر هو أنّ الناس تصنّف ذكرانًا ونساء تصنيفا غالبا، لكنّ هذا ليس اقتران كلّ أو عدم، تكون فيه كلّ النساء متساوية من جهة صفات الأنوثة، أو يكون كل الرجال فيه متساوين من جهة صفات الذكورة، فهو خطّ متّصل من جهة الكينونة والذوق، تتجمّع فيه الكتلة الغالبة إحصائيًّا في مناطق متقاربة، تخيّل للناس أنّه لا وجود إلّا إلى الشكل الذي يظهر أنّه غالب.

ربّما لو طالع أحد الساخرين من رياضيّة وجه جدّته وتأمّله بعد أن توقّفت عن حلق شاربيها، وربّما ذقنها، ولو كان أكثر انفتاحًا ربّما عرف أنّ كثيرا مما يسخر منه من صفات قد تعدّ جمالا، وربّما لو لم تنظر إليه نساء العائلة على أنّه بهيمة كان بلغه شيء يهزّ الصورة المصنوعة للأنثى في خياله، فهذه أنثى متخيّلة في آخر امتداد الخطّ من الجانب الأنثويّ، رغم أنّه يعلم أنّ صفاته هو لا تنتمي لآخر امتداد الخطّ من جهة الذكور.

خلاصة الأمر أن مجتمع التواصل بسبب كثير من صفاته الأوّليّة وخوارزميّاته، انبثق عنه مجتمع جاهل بصفاته، ولا يعلم أبسط ما يجب أن يعلمه من تعدّد الذوق والكينونة من جهة الجنس، وهذا يشمل المجتمعين الرقميين الشرقي والغربيّ بأغلبيّتهما.

إنّ وراء الصورة التي تسخر منها بشرًا له مشاعر، ثمّ إنّك لم تتعامل مع صاحب الصورة فتعرف أيّ إنسان هو، أو إنسانة هي، فدعك من الناس والزم نفسك، وتعلّم عن ثقافة قومك، ولا تستورد الأفكار القذرة من محافظي الغرب، فهم أسوأ ما يمكن أن يقتدى به، ولقد قلّدتموهم في رفض التطوّر، وفي فهم الأدوار الاجتماعيّة، حتّى لكأنّ الإنسان إذا طالعكم طالع مرآة بائسة عن الغرب، وإذا سمعكم سمع صدى مترجما لنقاشات حسمها العلم.

والمشكلة الأكبر من هذا كلّه، أن يكون هذا موضوعًا متداولًا في خضمّ كل ما يجري، وقد صدق المثل الشعبيّ إذ قال: يموت الزمّار وأصابعه تلعب! فأنتم لا تكفّون عن هذا وأنتم ترون ما يحدث لإخوتكم! وأنا لا أكفّ عن السخرية مما تفعلون رغم أنّ الأجدر بي أن أذهل عنكم وعن أفعالكم.